د. نادر فرجاني يكتب : لماذا لا يوضع حد أعلى للدخل في مصر بعد الثورة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يظهر تصميم المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إهمال العدالة الاجتماعية، على الرغم من كونها واحدة من ثلاث غايات رئيسية لثورة شعب مصر الفل، من إسقاط النص القاضي بفرض حد أدني وحد أعلى للأجور من مواد دستور 2007 (المادة 23) التي استقى منها الإعلان الدستوري للمجلس، في حين نص الإعلان على جميع السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية التي اقتنصها المجلس لنفسه.

ومن ثم، كان طبيعيا أن تهمل حكومة المجلس الذلول اتخاذ إجراءات جادة لتحقيق العدالة الاجتماعية على الرغم من التصريحات المخادعة التي نطق بها رئيسها ووزراء المالية فيها لاستجلاب الرضا الشعبي، والتي سرعان ما نُسيت أو جرى تناسيها قصدا.

وبدلا من احترام تعهداتها المعلنة، تصدعنا وزارة المالية بتكلفة الوفاء بالحقوق، والتي يسمونها “المطالب الفئوية”، ومؤخرا أزعجونا بالتنصل من رفع المعاشات بنسبة ضئيلة بسبب ارتفاع التكلفة في تقدير حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على خلفية إعلان تهريب عشرات المليارات بعد قيام الثورة لصالح كبير المفسدين الهارب حسين سالم وولديه. وبينما يستمر المجلس وحكومته في اتخاذ قرارات وإجراءات تكرس الظلم الاجتماعي نذكر بعضها على سبيل المثال، لا الحصر.

فالحكومة التي تشكو قلة الموارد تتكلف مئات الألوف شهريا للعناية بصحة الطاغية المخلوع المحبوس احتياطيا على ذمة جرائم ضد الشعب والإنسانية ولمعاشه الذي يقارب وحده مائة ألف جنيه في الشهر. وتتحمل ميزانية الحكومة التي تستمد مواردها من الضرائب المفروضة على الشعب الكادح، مرتبات بمئات الألوف للاعبي ومدربي كرة القدم، معفاة من الضرائب. وعينت الحكومة في الشهور الأخيرة مستشارين من أهل الحظوة من القوات المسلحة والقضاء بمرتبات تبلغ الحد ذاته لبعض الوقت فقط في أحيان، وتنفق على الإعلام الرسمي الهابط قرابة الخمسين مليار جنيه. ورصدت الحكومة مليارات لشراء سيارات مرسيدس لمساعدي وزير الداخلية الفاشلين في الحفاظ على الأمن، وأكثر من 50 مليار جنيه لترميم القصور الرئاسية!!.

ولا بد من الإشارة إلى أن المجلس وحكومته يتذرعان بقلة الموارد للتحلل من تنفيذ الحكم القضائي، الصادر في مارس 2010، أي منذ عشرين شهرا، بفرض حد أدنى للأجر يوازي 1200 جنيه، وللامتناع عن رفع المعاشات التي لا تضمن الحد الأدني من العيش الكريم. هذا بينما يتذرع المجلس وحكومته باحترام القضاء والقانون لضمان إفلات مجرمي النظام الساقط من العقاب العادل، ومن أسف أن سيفلحون في هذا المسعى الخبيث على ما يبدو.

وأحيانا يتنطع بعض المسئولين بالفتوى بأن الحد الأدنى للأجور ليس مهما، وأن المهم هو الحد الأدني للدخول. ولهؤلاء نقول أن في بلدا كمصر يمثل الأجر المصدر الأساس، إن لم يكن الوحيد، للدخل، حيث أصحاب رأس المال قلة لا تكاد تذكر. وليست المعاشات بدورها إلا قسما من الأجر مؤجل لبعد التقاعد. ومن هنا تأتي أهمية وضع حد أدنى للأجور والمعاشات، مصدر الدخل الرئيس للسواد الأعظم من المصريين. كما أن وضع حد أدنى للدخل مسألة معقدة تثير مشكلات فنية وإجرائية ضخمة، ما قد يجعل من المطالبة بحد أدنى للدخل، وسيلة للتهرب من وضع حد أدنى للأجر من خلال إغراق الموضوع برمته في ركام من التفاصيل والتعقيدات الفنية والإجرائية. ولكن لنتماشى معهم، من حيث المبدأ، ولغرض الدقة الفنية، فليضعوا لنا حدا أدنى للدخل إن كانوا صادقين!.

وإن كانت الذريعة في التهرب من وضع حدأدنى للأجور والمعاشات هي قلة الموارد التي تبذرها السلطة الانتقالية في أغراضها الترفية وعلى محاسيبها، فلماذا يتهربون من حقيقة أن فرض حد أعلى للأجور ستوفر موار تهدر حاليا في مكافآت سفيهة لقلة تظلم الغالبية الساحقة من أهل مصر؟

وكما تصدعنا الحكومة بتكلفة رفع الأجور أو المعاشات كسبيل للتحلل من التزامها الدستوري، والثوري، بتحقيق العدل الاجتماعي، فياليت الوزارة  تتكرم علينا بحساب الوفر الناتج عن تخفيض جميع المرتبات الكلية لأغنياء مصر إلى 25 ألف جنيه مثلا في الشهر فقط!

فصل القول عندى أنه لن تتخذ، في ظل حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومته، أي قرارات أو إجراءات لفرض حد أعلى للدخول أو الأجور لأن أولي الأمر، ومحاسيبهم، سيخسرون جميعهم من فرض حد أعلى عادل للأجور. فأغنياء مصر يصرون على أن يكونوا، في الموقع النسبي، أغنى من أغنياء الدول الغنية التي لا يتعدي التفاوت بين الأجور فيها نسبة 1- 30 مصممين على أن تتعدى نسبة التفاوت في مصر 1- مائة ألف، كما هي الآن.

ومن كان نزيها من أهل الحكم في المجلس الأعلى وحكومته فليعلن على الملأ إجمالي دخله الشهري ومصادره. ومن لا يعلن، أو يحصل على دخل يتعدي مائة ألف جنيه شهريا، يعترف ضمنا بأنه ينهب فقراء هذا البلد، ونعرف نحن ذلك.

وماذا يضير من ظلوا لسنوات طوال يحصلون على دخول بالملايين سنويا أن يتنازلوا الآن عن القسم الأكبر منها لصالح غاية نبيلة مثل العدل الاجتماعي. فعلى الأرجح لا بد أنهم قد راكموا جميعا من الثروة، من دم الشعب الكادح وعرقه، ما يكفيهم ومعوليهم مدى الحياة.

وإن لم ينصت هؤلاء لوازع الضمير والإنسانية، فلينتظروا القصاص في الموجة القادمة من الثورة الشعبية التي يستدعيها طمعهم وظلمهم لأبناء جلدتهم، وقد لا تبقي ولا تذر.