إكرام يوسف : عجلة الإنتاج وسنينها!

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

    كانت عبارة سيلفيو بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا عند قيام ثورتنا “لاجديد في مصر، المصريون يصنعون التاريخ كعادتهم” كاشفة بقدر ماهي بليغة؛ تؤكد مجددا ما أثبته المصريون على مر القرون.. فليس كالمصريين شعبا قادرا على الابتكار، وطرح الجديد الذي سرعان ما تتناقله الشعوب الأخرى، ليصبح موضة العصر.. ولنتأمل مثلا شعار “بالروح.. بالدم نفديك يافلان” منذ أكثر من نصف قرن حتى “الشعب يريد إسقاط النظام”.. مرورًا بالنكات المصرية اللاذعة، التي تتردد بحذافيرها في مختلف شعوب المنطقة(سمعت نفس النكات التي تطلق على الصعايدة في مصر؛ تروى عن الخلايلة في فلسطين وعن الحماصنة في سوريا)، فضلا عن مختلف إفيهات الأفلام والمسلسلات.. وصولا إلى اقتباس الثوار الأشقاء بعض أساليب السخرية  التي ابتكرها ثوار مصر للتنفيس عن احتقارهم واستهزاءهم بنظام المخلوع من على عرش مصر..

   غير أن الملفت للنظر أن روح التجديد والابتكار التي تبدت في أجمل وازهى صورها أيام الثورة على النحو الذي دفع إذاعة البي بي سي إلى تسميتها “الثورة الضاحك”، وأذهلت كثرا من المراقبين الذين قالوا “إنها المرة الأولى في التاريخ التي يقوم فيها شعب بثورة، ثم ينظف مكانه”.. افتقر إليها أيتام المخلوع وفلول نظامه.. ويبدو أن عقودًا من البلادة وإحناء الرؤوس جردتهم من طزاجة الخيال في جينات المصريين.. فلم نسمع جديدًا في الدعايات المضادة للثورة وعبارات التشهير بالثوار؛ اللهم إلا استبدال الاتهام بالشيوعية مع ربطها بالإلحاد أمام البسطاء المتدينين لكل من يدافع عن حقوق الفقراء في عهد السادات، بتهمة العلمانية وربطها أيضا بالإلحاد لكل من يطالب بالديمقراطية ويرفض سياسات القمع الديكتاتوري أو الحكم الديني.. ومازالت التهم هي ذاتها لكل من يقول كلمة حق أمام سلطان جائر: التمويل الأجنبي، والعمالة، وتنفيذ أجندات أجنبية.. وكان التمويل الأجنبي ينسب إلى الاتحاد السوفيتي غالبا في عصر السادات (وذات مرة نسب إلى بلغاريا شخصيا!) وينسب الآن إلى الولايات المتحدة حينا وإلى إيران حينا آخر وإلى قطر وإسرائيل أيضا.

    أضف إلى ذلك الاتهام المثير للضحك حول تهديد الاستقرار وإيقاف عجلة الإنتاج.. وهي تهمة تثير الضحك إلا أنه للأسف ضحك كالبكا.. فهذه التهمة بالذات مازالت تجد صدى لها لدى بعض البسطاء.. من لم يدرسوا تاريخ الثورات .. ولا يعرفون أن الثورة ـ بحكم تعريفهاـ هي بالفعل تهديد للاستقرار، لأنها تعني إسقاط نظام عميل قمعي فاسد والبدء في إقامة نظام وطني ديمقراطي نزيه..ولا يدركون أن إسقاط النظام دونه خرط القتاد، فأركان النظام السابق تظل حتى آخر لحظة متشبثة بمكاسبها، وتحارب حربا ضروسا من أجل الحفاظ عليها، والحيلولة دون إسقاط النظام بالكامل حتى لو اضطروا للتضحية ببعض الوجوه. وهؤلاء ليسوا مجرد خدم النظام من أعضاء الحزب البائد و إعلامييه الذين يقتاتون على كل الموائد (ومنهم من سارع بالفعل إلى إعلان تبرؤه من المخلوع محاولا اللحاق بموجة الثورة وركوبها).. ولكنهم من يمتلكون قوى اقتصادية ونفوذا مدعوما باحتكارات في الخارج، يهدد زوال القديم صميم مصالحها، وكثير من أركان النظام مساهمون مهمون في شركات متعددة الجنسيات (وليس حسين سالم إلا واحدا منهم فحسب، كشف عنه بعض الغطاء).

    مايعرفه مروجو هذا الاتهام جيدًا، ولا يعرفه كثيرون من حسني النية، أن الثورة تعني بالفعل تهديد الاستقرار، كما تعني بالفعل تعطيل مصالح الفقراء لفترة، ووقف عجلة الإنتاج.. وهي أمور ليست لطيفة ولا يهواها الثوار، ملثما لا يستهويهم أن تضطرب أمور حياتهم وتتوقف حياتهم وأرزاقهم عدة شهور؛ ولا يستهويهم المبيت في أرض الميدان تحت الخطر، سواء في برد يناير وتحت أمطاره أو في درجات حرارة تتراوح حول الأربعين في عز حر يوليو.

    مالا ينتبه إليه كثيرون، يتعجلون جني ثمار الثورة ويستبطئون تحقيق المكاسب؛ أن خراب أكثر من ثلاثة عقود لا يمكن إصلاحه في عدة شهور.. وأن هناك من دفعوا ثمن هذا التغيير دماء هي الأغلى والأطهر، فلا أقل من أن ندفع الثمن بعض الاضطراب في الأحوال، حتى ننتزع مستقبلا أفضل لأجيال قادمة. سألت أحدهم:”ماذا لو أنك تركت شقتك وسافرت إلى الخارج ثلاثة عقود، وعدت لتجد الفئران عاثت فيها فسادا، فقرضت أخشاب الأرضيات والأبواب والنوافذ، وأسلاك الكهرباء؛ وعلا الصدأ مواسير المياه، وتساقط دهان الحوائط وتشققت المحارة؛ فكم يلزمك من الوقت لإعادتها قابلة للسكنى؟ وكم ستمضي من الوقت لملاحقة الفئران أولا وسد جحورها، وربما يخرج لك من أحد الجحور ثعبانا يلدغك فتمضي أسبوعا مريضا في المستشفى، وكم من الوقت سوف تتعطل عن متابعة أعمالك وتتوقف أحوالك، حتى تستطيع فقط دخول الحمام؟ أو تناول طعامك على مائدة نظيفة؟ ناهيك عن استقبال ضيف؟”.. وقياسا على ذلك، كم من الوقت سنحتاجه للتخلص من فئران وثعابين المخلوع؟ وإعادة هيكلة مؤسسات، ملأها بأفراد عصابته؟ وتغيير ثقافات وأخلاقيات ترعرت في ظل نظام قام على السرقة والنهب، وقمع الشرفاء وملاحقتهم؟.

   ولنتذكر جميعا أن عجلة الإنتاج لم تكن تدور في عهد المخلوع إلا لتدهس الفقراء وتعتصرهم ليمتص دماءهم اللصوص..وأن سعر كيلو الطماطم عندما بلغ عشرة جنيهات لم تكن الثورة قد قامت، وأن قرى بلد النيل كانت تعاني كل صيف من العطش بينما لاتنقطع المياه عن حمامات السباحة في قصور خدم المخلوع. والانفلات الأمني ـ بما يعنيه من فتن الطائفية واختطاف الفتيات وحوادث التحرش والاغتصاب والسرقة بالإكراه وانتهاك أعراض الرجال قبل النساء في أقسام الشرطة ـ صار ظواهر عيرنا بها الأشقاء، كأبرز سمات عهد المخلوع.

     تذكروا أن الثورة ليست متعة في حد ذاتها، وليست نزوة مراهقة داعبت خيال الثوار فاندفعوا إلى الشوارع!.. فلم يخرج أبناؤنا في يوم الغضب إلا بعدما فقدنا جميعا أي أمل في إصلاح نطالب به منذ عقود. ولولا خروجهم لظلت عجلة إنتاج النظام الكريه دائرة تدهسنا وتعتصر مواردنا وتنتهك كرامتنا، حتى ترثنا ذريته كقطيع من غنم.. ومثلما يقول أولاد البلاد “وجع ساعة ولاكل ساعة”.. فلنتحمل قليلا.. ولنحمد الله أننا لن نورث بعد اليوم.. على الأقل.