رحاب إبراهيم تكتب عن : ورقة لم يتحدد عنوانها.. ومضة من بريق عالم محمد حافظ رجب

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

القصصي

لكي يضع المرء عنوانا ,قد يلجا للتصنيف , يتكئ على علامات وطرق اعتيادية.
هناك أشخاص يمكن اعتبارهم خارج التصنيفات العادية , خلقوا لأنفسهم عالمهم الفريد , حيث يسمون كل شيء فيه باسمه الحقيقي كما يرونه.
هناك أشخاص حين تصافحهم ينبت الورد في كفك , إنهم طائفة المخلصين للحياة , يمنحونها بوجودهم , وفي المقابل لا ينتظرون شيئا .
محمد حافظ رجب عالم قصصي متفرد , حين صاح : نحن جيل بلا أساتذة , فكأنما عقد اتفاقا أبديا بينه وبين من يريد الدخول لعالمه. اتفاقا يقتضي التخلي عن الأفكار الجاهزة والأحكام المسبقة .
والناس أمام ما لا يألفونه أنواع , فعلى حين يتلمس البعض طريقه متسلحا بالدهشة والمغامرة وحب الاكتشاف , فإن البعض يغلق عينيه وأذنيه قائلا : لا يجوز . أما البعض الآخر فيمد يده ليغلق الباب أمامه جيدا , قائلا في سره : من هنا قد ينبعث النور .
ربما كان من أنسب الطرق لتلقي إبداع حافظ رجب أن تتلقاه كما وصفه يحيى حقي : لمسات من فرشاة مرتعشة سريعة متقدة الأعصاب.
لم أشعر أنه يهدف لإمتاع قارئه بقدر ما كان يهدف لتحريكه . يقول هو عن نفسه في أحد الحوارات الصحفية ” النظرة المختلفة عن السائد , النظرة إلى القاع , كانت نظرة فاحصة غاضبة منفردة بنفسها ..هذه النظرة التي تقول لا لكل ما كان يحدث لنا هي السبب في ظهور الغربة .كنت أقول لمن يعيش معنا لا تكن جامدا حيوانا في حياتك . إني أصطدم بك و أدهشك لكي تكون معي . كن معي وأنا أكون معك . أما أفق هذه الدعوة فهو البحث عن السلام الداخلي والخارجي . البحث عن الذات العليا مصدر كل آمال ومصدر كل عطاء . لقد كنت في خضم هذه الحياة المخبولة أبحث عن هذا المصدر الأول.”
قد يكون حافظ رجب صادما للبعض ..صادما لأنه صادق , ولا يحاول تغليف صدقه بالرقة المصطنعة , فلا وقت لذلك . القصة عنده ليست فعل كتابة , إنما فعل حياة . يقول في مقاله : كونوا فعل الكلمة :
” الآن وأنتم تخوضون الكلمات , كونوا الحركة فيها , كونوا قيادتها , كونوا أنتم الكلمات , كونوا أنتم من تقولون له الكلمات , كونوا فعله , كونوا حركته , كونوا لحظاته , ألمه الحقيقي , توترات عمره ……… كونوا له دون مكتب لكم , دون مكان مكيف فوقكم .. لا تتركوا أنفسكم غرقى جاذبية ما تقولون . تنغمسون في بريق ما تقولون ,تكتفون بالجاذبية والبريق .تنتهون إلى
قناعة منتصرين عليكم , تنتصرون بها على أنفسكم , وتشكرون أنفسكم إن قلتم , تكتفون بما قلتم , وشكرا أن قلنا , وما أروع ما قلنا , قمنا بدورنا خير قيام ”

الشاب الجريء على العقلة الطائرة
لا يخفي حافظ رجب تأثره بالكاتب الأمريكي وليم سارويان , فيتحدث عنه داخل قصة ” امرأة تبحث عن حذاء قديم ” وكأنه موجود , يسحبه ..يمشي معه , يصب في نفسه الغضب من التشوه الإنساني المحيط . سارويان مثل حافظ رجب , الحياة هي التي صقلت أحاسيسه وهذبته وليست الجامعة , لذا فلم يكن أحدهما يحلم يوما بأن يكون كاتبا نخبويا بل على العكس من ذلك حرص كل منهما على أن يكون مرآة الإنسان البسيط المسحوق الذي تتفنن الحياة في سحقه بينما يتشبث هو بآدميته .. بطل سارويان في قصة ” الشاب الجريء على العقلة الطائرة ” مثل محمود حامد بطل ” امرأة تبحث عن حذاء قديم ” شاب قد يكون هزيلا وجائعا فلا يفكر سوى في الدخول للمكتبة العامة للقراءة أو انتظار تذكرة سينما مجانية .. لكن التفاصيل عند حافظ رجب كانت أكثر , فبينما ظل بطل سارويان وحيدا محلقا في الفراغ , ظل محمود حامد محاطا بعدد كبير من الأشخاص يرهقونه , وظلت المرأة الحلم عصية على الامتلاك , يقول : إن رفضها لي يمنحني القوة على رفض غيرها ” هو ببساطة لا يغير قناعاته.
في قصة ” امرأة تبحث عن حذاء قديم ” حشد من الشخصيات بلغ ما يقرب الثلاثين شخصية , وهي شخصيات ليس مطلوبا منها أن تظهر بشكل واضح , بل إن وجودهم كان أشبه بحشد من الناس داخل أتوبيس مزدحم , فرغم العلاقة الوقتية وغياب الكثير من التفاصيل الشخصية , كان وجود كل منهم مؤثرا في المشهد ..مجرد وجوده ,بل حتى حجم جسده وطريقة وقفته ينعكس بشكل ما على الآخرين.. وتأتي المرأة في آخر القصة تجسيدا لحالة غياب الإحساس بالذات وسط الزحام الضاغط , فتمنح جسدها مقابل حذاء قديم يحتاجه زوجها .. امرأة صارت ترى الجسد أقل من ثمن حذاء .
وعلى عكس الحشد المزدحم في ” امرأة تبحث عن حذاء قديم ” لم يكن في قصة ” الجسر ” سوى شخصان  ..يقفان كل في مواجهة الآخر أمام الجسر …يصلح الجسر لأن يكون وسيلة للتواصل أو للاختلاف حد القتل .. وتعتمد القصة على أسلوب الحوار ..
يقول “– أنا أقوم بواجبي , ما أعتقد أنه واجبي , سأضرب من يقترب من الجسر
ظللنا معا ,صمت , والشمس فوقنا , والعرق ينهمر
قلت له – مهمتي أصوب إليك مدفعي وأضرب , قاومت
قال – أنا الآخر سأفعل مثلك تماما , جاء رجالكم
قلت له – لكنك منا
قال – طعام الأولاد منهم”
في قصة ” هذا مأتم أرضنا ” يعتمد أيضا على أسلوب الحوار الذي يبدو مختصرا لكنه يقول الكثير ..
يقول الشيطان ” ناظر المدرسة رجلي , أبث فيه همسي ويبث هو وضاعته في أطفال مدرسته , ويقول الجمهور : تعلمنا الدرس , لا يمكننا نسيان صوت الرياح الهوج في البرية , صوت الطبيب يصرخ في وجه الحضارة , مازال الضعيف يذوي وتخور قواه , ومازال الوغد المسلح بجاهه ودنياه لا يزال يجد المتسع له في الساحة لانحرافه وشذوذه رغم تقدم الإنسان وازدهار حضارته ..
الشيطان – والآن يحق لي أن أضطجع قليلا , وأضع ساقا فوق أخرى , وأدخل في إغفاءة حالمة سعيدة , فقد أديت دوري الخلاق , وتم الأمر كما أردت , فمرحبا بالنزال المستحب , وإلى وليمة أخرى يتوه فيها الجياع وتخمد أنفاس المعاندين ”
من يستطيع إذن أن يقول أن حافظ رجب ابتعد عن الحياة ؟ لقد كان هناك متورطا فيها حد الإعياء .. يرى ويرصد ويفهم , وهذا عبء كبير , أن يبلغ الإدراك والوعي مداه فيرى الحق حقا ويسميه باسمه و ويرى الباطل باطلا ويسميه باسمه .
في قصة ” ذراع النشوة المقهور ” يواجه الرجل الخيانة بأن يجتث ذراع المرأة التي أحبها ..الذراع الذي تعلق به وقبله , ليرى عمق الجرح من الداخل …يقول ” عيناي في الثقب , والثقب يتسع , ينابيع الدماء تنفجر منه , تغريني بخلع ملابسي والسباحة فيه , لأنسى الوهم والعار …بشعة تلك الرؤية ”
بينما المرأة – رغم الألم – لا يهمها سوى إصلاح شكل الذراع
تقول ” – يجب أن تنسى ..حتى ننقذ الذراع
الرجل – وأنا من ينقذ يقيني وبصيرتي ”
يتوجهان إلى المستشفى ويتم إصلاح الجرح
” المرأة – كل شيء انتهى الآن , سدوا الفجوة , أعادوا أحشاء الذراع . أخفوا البشاعة بالشاش والقطن .
الرجل – من يعيد أحشائي أنا , ويخفي بشاعة ما أراه حتى لا أراك أنت تبصقين علي ”

إنها الرؤية النافذة مرة أخرى , الرؤية التي تؤرق صاحبها , فيصعب عليه تقبل الافتعال والمداهنة ..وان كل شيء على ما يرام مادمنا قد نجحنا في إخفاء البشاعة
يقول على لسان يعقوب في قصة ” مقاطع من جولة يوسف المملة ”
” لا تهمني حقيقة ما تفعلونه أمامي بضجيجكم , وجوهكم أمامي شائهة , أراها تفتعل الحزن الحقيقي المقدس في مثل هذا الموقف الرهيب حقا …
أنتم أبناء لحظتكم , أدرك محتوياتكم ..مشاهدكم ”
ثم هو ليس سلبيا إزاء هذا الإدراك .. وإزاء الفقد نتيجة الانتزاع المتعمد لابنه من أحضانه , بينما أخوة يوسف يرون أنهم صالحون رغم أي شيء ..يقول أحدهم ” الحاضرون هم نحن في عالم الأب . الحاضرون فيه نحن وحدنا . نحن الطيبين بجواره , الأبناء الخلصاء له .طيبين كما هو الرجل الطيب ..طيبين مع الأب الطيب . أمام الله .الطيبون أمام الناس . الطيبون ..طيبون كما تعلمنا معه . هل تشكون في أنفسكم يا أولاد ..أننا على الدوام من يصفهم كل من حولنا ” الطيبون ” طيبون صالحون في ابتعاد الصغير المأفون عن أعيننا ..داخل أحشائنا ..يخطف عواطفنا .العجوز ينتزعه منا .جاعله له طوال يومه ”

ولكن الأب يواجههم بما لم يخطر لهم على بال .. صلابته وإصراره الداخلي ..إنهم انتزعوا صغيره لكنهم لا يستطيعون مس إرادته ..
يقول ” أواجهكم يا أولاد بما تعجزون عن تصوره , أواجهكم بصبري الهائل , صبري يحرق كيدكم ..سأغمض عيني , لن أشاهد سواه , لن أشاهدكم . أراه وحده يعود إلي . أفتح عيني على سعتهما . احتضنه ..عاد وليدي ..من انتظر .”