المستشار زغلول البلشي : لا تقتلوا الثـورة بدماء العدالة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يمثل الاتهام صدمة شديدة للمتهم ، تؤدى إلى ضغوط نفسية وعصبية عنيفة ، وانفعالات متباينة ، ترقب وانتظار ، وشعور بالخزي والعار ، وميلاد متعثر للأفكار ، فيصبح أكثر ضعفا ، وأقل قدرة على المقاومة والمواجهة ، وعلى قدر ما يكون مركزه ووضعه الاجتماعي ، على قدر ما يتأثر ويتألم من الاتهام المسند إليه ، ومن هنا كانت الحاجة إلى حق الدفاع ، فمهما بلغ المتهم من العلم والدراية ، فإنه يعجز عن الدفاع عن نفسه ، وعرض وجهة نظره ، وبسط أدلته وحججه أمام قاضيه ، ولذلك استقرت البشرية على اختلاف أطيافها وأجناسها ومنذ قديم الأزل وحتى عهدنا الحالي على أن حق المتهم في الاستعانة بمحام هو حق أصيل قديم قدم القضاء ، حتى أصبحت المحاماة قرينة القضاء ، فلا قضاء بغير محاماة ، ولا محاماة بغير قضاء ، وإذا كان قد اصطلح على تسمية قضاء الحكم بأنه القضاء الجالس ، فقد اصطلح على تسمية المحاماة بالقضاء الواقف .

وللمتهم الحق في الاستعانة بمحام يدافع عنه ، حتى ولو كان هو نفسه محاميا ، ذلك بأن موقف الاتهام يربكه ، ويفقده اتزانه ، وتوقع الحكم بالإدانة يبعث في نفسه الرعب والخوف والفزع ، خاصة في الجرائم الخطيرة ذات العقوبات القاسية ، فيصبح غير قادر على ضبط أعصابه ، واستجماع قدراته ، وتركيـز ذهنه ، وترتيب أفكاره ، تحيطه نظــــرات الناس الكارهة الساخطة من كل جانب ، فلا تزال آثار الجريمة ماثلة أمام أعينهم ، وصورتها عالقة في أذهانهم .

ونظرا لأهمية حق الدفاع وقدسيته ، حرصت المواثيق الدولية والقوانين في كافة دول العالم على النص عليه ، وأحاطته بسلسلة من الضمانات التي تكفل للمتهم محاكمة عادلة ونزيهة ، فقد نصت المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والمادة 4/3/د من العهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية ، والمادة 6/3/ج من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ، والمادة 13من الميثاق العربي لحقوق الإنسان ، على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته قانونيا في محاكمة عادلة علنية تتوافر له فيها كافة الضمانات التي تكفل له الدفاع عن نفسه . فحق المتهم في الاستعانة بمحام يدافع عنه ، هو حق لصيق بالمتهم ، يستمد شرعيته من حق الإنسان الطبيعي في الدفاع عن نفسه ضد كل أذى يتهدده في حياته ، أو في حريته ، أو في صحته ، أوفى ماله ، تمليه قاعدة أن الأصل في الإنسان البراءة ، وهو ما نصت عليه المادة 67 من الدستور المصري من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ، وأن كل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه ، وما نصت عليه المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية من أنه لا يجوز للمحقق في والجنايات وفى الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبا استجواب المتهم إلا بعد دعوة محاميه للحضور ، وإذا لم يكن للمتهم محام ، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته ، وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محاميا ، وحرصا من الشارع على فاعلية هذا الضمان الجوهري ، فرض عقوبة الغرامة في المادة 375 من قانون الإجراءات الجنائية على كل محام منتدبا كان أو موكلا من قبل متهم يحاكم في جناية أمام محكمة الجنايات ، إذا هو لم يدافع عنه ، أو يعين من يقوم مقامه بالدفاع عنه ، فضلا عن المحاكمة التأديبية إذا اقتضتها الحال ، هذا وإلا وقعت إجراءات المحاكمة باطلة .

ولا شك أن هناك كثيرين في العهد البائد ارتكبوا جرائم خطيرة في حق مصر والمصريين ، ارتكبوا ما لم يرتكبه عتاة الإجرام وقطاع الطرق وناهشو الأعراض ، نهبوا أموال الشعب وهربوها ، واستولوا على أراضيه وتاجروا فيها ، أذلوا أبناء الشعب المصري ، في الداخل والخارج ، وأمعنوا في إذلاله ، وامتهان كرامته وآدميته ، وقتله وتعذيبه ، دمروا مصر وخربوها ، وأساءوا إليها ، وإلى الشعب المصري ، وعدم محاكمة هؤلاء ، وإنزال أشد العقاب عليهم ، يصيب أبناء هذا الشعب بالغصة والألم ، ويشعرهم بأنهم هينون على وطنهم ، ولا كرامة لهم فيه ، معتقدين أن ما ارتكب في حقهم كان أمرا مباحا ، إن لم يكن أمرا مطلوبا ، يعيشون متحسرين منزعجين مما أصابهم في ماضيهم ، غير آمنين مطمئنين على مستقبلهم .

وحتى لا يشعر أبناء هذا الشعب أنهم كانوا يعيشون في وطن كان القانون فيه قاصرا عن حمايتهم ، وما زال قاصرا عن أن يقتص من جلاديهم ، تعين محاكمة هؤلاء الذين أجرموا في حق مصر والمصريين ، ولكن من خلال محاكمة عادلة علنية تتوافر لهم فيها كافة الضمانات القانونية التي تكفل لهم الدفاع عن أنفسهم ، ومنها حقهم في اختيار من يدافع عنهم من المحامين ، بعيدا عن مدعى المواقف الكاذبة ، والبطولات الزائفة ، والتضحيات الموهومة، وإلا كنا مثل هؤلاء الذين نطالب بمحاكمتهم ، وقتلنا الثورة بدماء العدالة .. قتلنا الثورة بدماء العدالة .. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

نائب رئيس محكمة النقض