رحاب إبراهيم : بنت الحياة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

مدينة لم يشأ الرب أن يهبها الألوان فنامت وقامت علي الأبيض والأسود وما بينهما    .جاءت سفينة مهاجرة من البحر الذي تعرفه إلي البحر الذي لا تعرفه.. بحر متماسك لا تتماوج أضواؤه ليلا لتثير خيالك, بحر لا تلحظه إلا بالنهار, وفي الليل يختفي تماما كصحراء.

جاءت سفينة إلى البحر الذي لا تعرفه, نزلت منها البنت تلملم أطراف ثوبها, خطت علي الأرض : هذه مدينتي .. وسارت. في اليوم الأول علقت صورة طفل يضحك علي المرآة , وصورة عروس تمسك بباقة زهور علي خزانة الملابس. وصورة أم وطفل وشمعة أولي في كعكة ذهبية علقتها علي الحائط بجوار الفراش.

في اليوم الأول والثاني والثالث لم تشعر بغياب الألوان لأنها انشغلت بالتطلع للصور الثلاث. لكنها لما فتحت نافذتها في اليوم الرابع أحست بالصدأ يملأ عينيها.كانت الشمس الرمادية تضئ السماء بلون باهت انعكس علي الأشجار السوداء الخالية من الأوراق , وعلي أسفلت الشارع والسيارات المارة, سيارات بيضاء وسوداء وبعضها ذو لون رمادي فاتح أو داكن. فرت دمعة من عين لبنت تلقتها بسرعة علي كفها قبل أن تسقط علي الأرض البيضاء. أغلقت النافذة وجرت إلي خزانة الملابس تحدق في ثيابها المتأرجحة علي المشاجب في صمت حزين , كانت الملابس تقطر ألوانها علي أرضية الخزانة قطرة .. قطرة.. حاولت البنت أن تمسح القطرات وتحتفظ بها في كفها لكنها كانت تتحول بسرعة إلي الأبيض قبل أن تلمسها. أغمضت البنت عينيها بقوة لكنها تذكرت شيئا هاما. جرت إلي الصور الثلاث التي علقتها في اليوم الأول. لدهشتها وجدتها محتفظة بألوانها ما تزال. حمدت ربها وفكرت أن تحتفظ بها في مظروف مغلق في حقيبتها لكنها تراجعت فمادامت احتفظت بألوانها حتى الآن فلا خوف عليها, تنهدت وأحست بشيء  خفيف  من الأمان يلفها.

في اليوم التالي كان عليها النزول للسوق , لابد أن تعمل وتأكل. في مدخل السوق حجرة الملابس. تدخل بثيابها الباهتة حيث يناولها الموظف رداء أسود ثم تخرج.

بعدها تقف علي الرقعة الكبيرة  الممتدة أمامها وتتعلم الحذر, تقرأ جيدا تعليمات العمل : مربع أبيض يليه مربع أسود ينبغي الالتزام بالمربع المخصص لك و عدم تجاوزه , كل الواقفون أمامك وحولك أهداف ينبغي عليك إزاحتها لتتقدم  وفي الوقت نفسه ينبغي تجنبها كي لاتزيحك في لحظة.

يوما فيوم تتعلم محاصرة الهلع في قلبها وتعليم لسانها لهجة حيادية لا توحي بشيء. تتقن عملها وتحافظ باستماتة علي المربع الخاص بها.

يبدأ العمل مع شروق الشمس ويستمر طوال اليوم حتي تعود للبيت اخر ليوم تأكل وتنام.

تمر الأيام والبنت مستمرة في العمل , تعمل كثيرا وتكسب كثيرا وتعود محملة بأجود أنواع الفاكهة. لكنها تضطر لإغماض عينيها حين تأكل حتي لا تري التفاح الأسود والعنب الأبيض والمانجو الرمادية.

البنت لا تعرف الاستسلام . في يوم الراحة قصدت إلي الحديقة القريبة . اجتثت شجرة ملساء طويلة في غفلة من الحارس وخرجت مسرعة. حين عادت للبيت أحضرت سكينا صغيرا وبدأت العمل- سيجيء اليوم.. هكذا قالت.

في أيام راحتها الأسبوعية كانت تواصل العمل منذ الصباح وحتي الليل مفرغة جسم الشجرة من الخشب بداخلها لتتحول يوما بعد يوم لاسطوانة خشبية طويلة.

وحين أنجزت شوطا معقولا من العمل , واقترب أيضا فصل الشتاء زادت حماستها فكانت تعمل فيها كل يوم بعد عودتها من العمل رغم شعورها بالإنهاك والتعب الشديد.

وأخيرا اصبحت الأسطوانة الخشبية جاهزة مع حلول الشتاء.

في الأيام الممطرة كانت البنت تأخذ اسطوانتها وتصعد لسطح البيت, غير عابئة بالمطر يبلل شعرها الأسود ووجهها الأبيض وحذائها الرمادي. تبحث بعينيها في السماء وسط البرق والرعد حتي تجده, لا تهتم  لجسدها المرتجف.. فقط تبصر قوس قزح أينما كان.. الأحمر ..الأصفر .. البرتقالي .. الأزرق ..الأخضر .. والبنفسجي.. يااااااه ياللجماااال..

تصوب اسطوانتها الطويلة للسماء وتسحب بفمها الهواء بقوة .. تسحب ..تسحب..

في المرة الأولي فشلت,وفي المرة العاشرة فشلت أيضا, لكن في المرة الحادية والثلاثين سقطت نقطة زرقاء من السماء علي سطح البيت. غرد قلب البنت , حملت النقطة بحرص في كفيها وجرت نحو البحر, ركعت علي ركبتيها  أمام الماء,سمت واستعاذت وتلت كل أوراد التقية والحفظ ووضعتها برفق في الماء. تلون مايقرب من الشبرين باللون الأزرق الفاتح.عادت البنت لبيتها ولأول مرة منذ وصلت تبتسم.

يوما بعد يوم كان الناس يفاجئون ببقع لونية متناثرة هنا وهناك, حتي أن أحدهم أقسم أنه أكل تفاحة غريبة هذا الصباح باعها له البائع الأجنبي بعشر أضعاف ثمنها قائلا أن لونها أحمر , رغم اعترافه أنه وجدها مصادفة في حانوته.

سرت الأنباء في المدينة عن الأشياء بألوانها الجديدة , وبات الناس مابين  متوجس ومندهش,  ومستاء وفرحان     .

اضطرت الحكومة لتكذيب الخبر ثلاث مرات في الصحف القومية ووسائل الاعلام حتي أجبرت أخيرا علي الاعتراف بالأمر بعد أن ظهر مذيع النشرة وعلي جيب قميصه زر أصفر. لكنها أعلنت أنها في سبيلها لإيجاد حل سريع وحاسم للمشكلة قبل استفحال الأمر.

ومع  وجود المخبرين في كل مكان , والذين ساعدهم كثيرا انتشار البقع الملونة حول بيت البنت فكان اكتشاف أمرها  واكتشاف مخزن الألوان علي السطح انتصارا كبيرا وسهلا في الوقت نفسه.

قدمت البنت للمحاكمة في اليوم التالي بعد أن تم غسل كل الألوان الموجودة علي السطح وإزالة ماتم العثور عليه من البقع الملونة في المدينة.

تمت المحاكمة بسرعة وفي ساعات محدودة كانت أفراد الأمن تقود البنت حاملة معها أمتعتها القليلة بعد سحب أوراق هويتها.

لم تنس البنت في طريق عودتها إلي الميناء أن تمسح الكلمات التي خطتها حين وصلت: هذه مدينتي.

وقفت البنت علي الشاطئ ترقب البحر الساكن, وقفت بجوار بقعتها الزرقاء والتي افلتت من عين الحارس الوقف عند حدود الميناء يحدق فيها بحقد ممتزج بالرغبة. أعطته ظهرها غير مكترثة وظلت تحملق في البحر الصامت في انتظار سفينة.