محمد مصدق زايد : لهم الله

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بينما كان أحمد عبد الفتاح يدلف عبر الشارع الطويل المفضى إلى منزله عائدا من عمله . فقد فضل العودة سيرا على الأقدام عن ركوب أتوبيس النقل العام الذى يشبه علبة السردين التى تنحشر فيها الشرائح  متكدسة فوق بعضها البعض . علاوة على حاجته لكل قرش يملكه .

كان يسير بإندفاعه الذاتى لا بتحكمه العقلى , تسيطر عليه الأفكار وتتحكم فيه الظروف . تلك الظروف التى يلعنها والتى جعلته كما يصف نفسه كالأنعام لا هم له فى الدنيا إلا توفير الطعام . والذى يكدح من أجل توفيره .

لم تكن تكفى ماهيته مصروف البيت لمدة تزيد عن أسبوع واحد . فلولا الأعمال الإضافية التى يقوم بها لتضورت أسرته من الجوع والإملاق . فلم تكن تحلم أسرته بأكثر من معرفة نوع آخر من الطعام غير الفول والعدس والجبن القريش . كانوا يحلمون بأن تزورهم (اللحمة ) مرة أخرى فى الشهر غير ذلك اليوم الذى يحتفلون فيه بقيض الماهية .

لقد ضاعت أحلامه وطموحاته , أفكاره و آرائه التى طالما دافع من أجلها حين كان فى الجامعة . بعد أن كان يقرأ فى الأدب والفن والسياسة والفلسفة والفكر . أصبح يضن على نفسه بجريدة الصباح . بعد مشاركته الفعالة فى الحياة السياسية والإجتماعية فى الجامعة والتى استحالت إلى سلبية متكاملة . لم يعد يهمه سوى لقمة العيش .

هذه التحولات التى طرأت عليه والتى جعلته يصف نفسه بأنه قد سخط حيوانا . قد جعلته يؤمن بنظريات التطور التى طرحت أصول الإنسان الحيوانية . لأنه ها هو ذا يرى نفسه يعود إلى هذا الأصل مرة أخرى .

مضى يفكر فى الثلاثة جنيهات التى يحتفظ بها فى جيبه , والتى لا تكفى إلا وجبة من البرسيم لبغل أو حصان صغير . مضى يفكر فى حياته وفى أسرته التى ترزح تحت نير الفساد وتُلهب ظهورها بكرابيج الطغيان , وتُداس وجوهها بأحذية السلطة.

نظر بجواره فرأى السيارات الفارهة التى تنطلق بأصحابها غير عابئين بالغلاء ولا بأى شئ . يطعمون كلابهم فى اليوم الواحد ما يكفى لإطعام الخمسة أفواه الجائعة التى تنتظره فى المنزل لمدة عام كامل . ولكنها العدالة الإجتماعية بمفهومها الجديد . ذاك المفهوم الذى يفرض نفسه فى الوقت الراهن بما يترتب عليه من عدالة التوزيع فى الثروات , والتى بلاشك كان يشعر بها أحمد عبد الفتاح .

يتذكر بسخرية كلمات أبيه وهو يوجهه نحو التعليم الجامعى ليحظى بالوظيفة الحكومية التى كانت من وجهة نظره الساذجة شيئا ذو حظوة ومكانة . ينظر إلى خرابة فيجد قط يتلذذ بتمزيق بقايا أمعاء طيور بين أسنانه , ويرى آخران يتلاعبان فيملأ قلبه الحقد والغبن لتلك الحيوانات التى لا يعيها فكر, ولا يرهقها تدبر , ولا يعجزها جهل . كل همها هو الأكل والشرب كهمه هو أيضا , ولكن الفرق أنهم يجدوه بسهولة بينما هو لا يجده .

تتصادم تيارات الأفكار فى رأسه تفزعه الهواجس والنظرات المستقبلية التى لا يرى فيها شئ من شدة الظلمة وحلكة السواد .يعود بتفكيره إلى أسرته ومتطلباتهم والثلاثة جنيهات التى يملكها .أيواصل الكد والتعب بلا طائل؟! .أيظل يكدح مقابل تلك الملاليم التى تتساقط من جيب صاحب الشركة التى يعمل بها دون أن يلقى لها بالا؟! . تلك التى تمثل له الفتات بل ما هو أقل . أيدعو عليه للذل الذى يذيقه له ألوانا وألوانا؟! . أم يدعو له؟! لأنه أبقى عليه ولم يطرده كالمئات التى طردها من العمل بعد أن اشترى الشركة من الحكومة . أم يترك الكفاح ويستسلم ؟! . ولكن المشكلة أنه لا سبيل له إلى الإستسلام . فهو ليس مخير فى طريقه ولكنه مسير . ليس أمامه إلا ما يفعله .

هو كمن أعياه التعب فى السباق ولكن الزحام والهلع هو ما يبقيه قائما ويمنعه من السقوط حتى ولو أراده . فكر فى أولاده من لهم إذا حدث له مكروه . أهو أحد من أشقائه الذين يشقون كما يشقى ؟! , أم مديره فى العمل أم الحكومة أم ….؟! .

أطلق صرخة مدوية وجد نفسه فى منتصف شارع لا يعرفه . ماالذى أتى به إلى هنا ؟! . وكيف ساقته قدماه إلى ذلك الشارع ؟! . نظر فوجد سيارة تفر هاربة , وجوه غريبة تتحلق حوله . من يصرخ ويقول :

– أطلبوا الإسعاف .

ومن يسأله عن حالته وآخر يقول :سليمة إن شاء الله .

ولكنه وسط ذلك فى زهول, وسط هذه الأصوات التى لم يعد يميزها , والوجوه التى تتراقص من حوله . إنطلق لسانه صارخا :

– لهم الله .