عاطف عطيت الله محمد : الفيلة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

جاء فى مكتوب قديم ، يعود عمره

إلى أكثر من قرنين من الزمان – كتبه أحد

حكماء البلدة – أنه في ذات ربيع أتى وفــد

من بلاد ( العيون الحمر ) .. يزور العاهـل

المهاب ، ويسيح في البلاد، وكان محملا

بالهدايا و .. ( خط غير واضح ) … وظلت

القرود ، لمدة طويلة ، تتقافز، وتعبث ،

وتخرب حتى .. ( تمزيق فى الصفحة )  …

ولكنهم استطاعوا بتقواهم وأدعيتهم أن

يفتكوا بهذه القرود حيث أصيب بعضها

بالشلل ، حتى مات جوعا ، بينما عانى البعض

الآخر من أنفلونزا شديدة  قبلما يلقى حتفه
..  ”

1-  نزهــــة

.. قدم إلى البلاد ملك بلاد ( الواك واك ) ، ويقال أن الملك المعظم
أرسل فى استقباله      آلافا من الفرسان ، والجنود ، والمعاونين ، والخدم

ثم حكى ــ بعد ذلك ــ من استطاع أن يتوارى عن أعين البصاصين ، وينجو
بنفسه ، أن موكب الملكين كان جليلا ومهيبا وممتدا على مدى البصر ، وكان
في المقدمة فرسان       أشداء يمتطون الخيول وقد حمل بعضهم الرايات
الفاخرة ، ذات الألوان المختلفة ،  كما       كان في نهاية الموكب الكثير
من العبيد السود العراة يسوقون فيلا ضخما ممصوص         البطن ، رمادي
اللون ، شديد بياض النابين ، يصيح وينفر ، لكن لسعات السياط تجعله
يواصل تقدمه ، دون أن يكف عن العبث بخرطومه الطويل بكل شيء يصادفه .

واستقر الملكان إلى جوار شلال أحد الوديان يقهقهان ، ويتبادلان ضرب
الأكف             وهما يستمتعان بنصح الوزراء ، ونوادر الظرفاء ، وحديث
الحكماء ، وتبارى الفرسان   والعبيد في المسابقات التي قتل فيها من قتل ،
وجرح من جرح ، بينما انشغلت مجموعة       من العبيد في جني ثمار بعض
الأشجار التي ستحمل إلى بلاد ( الواك واك ) .
وقبل أن يختفي قرص الشمس وراء الجبل ، كان الموكب قد استعد للمغادرة ،
وبأمر        من ملك البلاد المعظم ، سار الموكب في طريقه إلى القصر
منظما هادئا مطمئنا كما جاء ..

ــ 2 ــ

– 2  الهديـــــــة

وقتما أصبح الظهور مباحا ، فتحت الأبواب والنوافذ ، وخرج الناس فرادى
وجماعات ، قاصدين الحقول ، والأسواق ، والأنهار ، و الحانات

ـ على فترات ـ فوجئ الجميع بالفيل يسد إحدى الطرقات ، وهو واقف يلتهم
كومة من الحشائش الخضراء ، وقد يرفع عينيه ناظرا إليهم دون
خوف !..
وكما زحفت الشمس إلى وسط السماء ، سرى الخبر بين أهل البلدة : تلك
هدية الملك   المعظم ، وقد وهبها لشعبه الودود  !!…

وبعدما طوت الشهور الأيام .. تأكد للناس أن الفيل ــ الهدية ــ الذي
انتفخ بطنه ، وزاد   حجمه ، وثقل وزنه ( واستهوته الحقول ، والبساتين ،
والأسواق ، ومراكب الصيد  ، فراح يدمر ويخرب حتى استحال
الأخضر إلى يابس ، وباع الأرض ، والزرع من باع ، وسجن من سجن
لعجزه عن سداد القروض ذات الفائدة العالية الخاصة بخزانة رعاية
العوام بالقصر ، فشاخت أسواق ، واختفت أسواق ، وتفشى الغلاء ، وسخر الناس
من نصح العلماء ، ووعظ الحكماء ودعوتهم بالصبر على البلاء !
) .. لم يكن ذكرا !!..
وهكذا .. صارت الفيلة محور الأحاديث ، وأساس التنادر في القيام ،
والقعود داخل البيوت ، والحانات ، وفى الطرقات ، كما أصبحت مقياسا
للزمن ، والأحداث ، كأن يقول الرجل لصاحبه : لقد أقرضتك المال قبل أن
تفعل الفيلة كذا ، وكذا …

-3   لـقـــــــاء

مع مرور السنين ، ضاق الناس بالأمر ، واستبد بهم الغضب ، وكما اشتعلت
في صدورهم النار ، دارت في رءوسهم الأفكار والحيل حول كيفية التخلص
من تلك الفيلة ، ولم تعد تكفيهم النكات أو الكلمات التي
يصفون بواسطتها حالهم ، وينفسون عن أرواحهم …
وكان في ذات صباح أن اجتمع كبار التجار ، والبحارة ، والفلاحين ، وبعض ممن يدعون العلم ، وقلة من الشيوخ ، وقد التف حولهم كثير من أصحاب
الحرف البسيطة ، كالبنائين ، والنجارين ، والحدادين ،
والنقاشين ، وطارقي النحاس .. لبعض الوقت ، وفى شيء من السباب ، والغضب
الذي يتخلله ضحك وبكاء ، أخذوا يتبادلون أطراف       الحوار ، والعديد من الأفكار ، ورغم الخوف ، والتردد ، وانسحاب الكثيرين
، وإعلانهم عدم المشاركة .. اتفقوا على أن يجمعوا مائة رجل يمثلون
الشعب في شتى   طوائفه ، وطبقاته ، ويرفعوا الأمر إلى صاحب الجلالة الملك المعظم بلسان رجل واحد ..

ــ 3 ــ

وفى صباح اليوم التالى .. ( وبعد ساعات من الإلحاح ، والترجي ،
والمطال ! .. ) ..

ُأدخلوا إلى الملك المعظم ، فطأطأوا جباههم من فورهم ذلاً وولاءً
وتعظيماً . كان قد  راعهم منظر البهو الملكي بفخامته ، وجدرانه
العالية ذات الرسومات والأشكال العجيبة ، وسقفه المنمنم
المرفوع على أعمدة مستديرة ضخمة منقوشة ، ومطلية بماء الذهب ،
كما زاغت أبصارهم بين مداخله ، ومطالعه المتعددة التي عجت بحرس
كثيرين ما بين السياف ، والرماح ، والنبال .. ولاحظوا في نفس الوقت أن
دخاناً خفيفاً متناعساً ، يشيع من جوانب البهو ، قد تسرب إلى
أنوفهم ، فامتلأت صدورهم بروائح مختلطة وذكية ـ لم يشموها من قبل ـ
من العطور والبخور …

.. تقدم أحدهم منحنياً حتى كادت تلامس جبهته إحدى درجات العرش الملكي
المصقولة كسطح المرآة ، ثم تقهقر خطوتين إلى الوراء ، واعتدل
ممجداً الملك ، داعياً له بدوام السلطان ، والصحة والعافية ، معدداً
مناقبه ، مثنياً على عطائه ، وإدارته لمملكته بين الممالك ، موضحاً رضاء
شعبه واعتزازه به ، ثم استأذن في عرض حاجتهم ، فما كان من الملك إلا أن
ابتسم ، وهو  يهز رأسه زهواً ، وعجباً ، ثم عاد بظهره إلى الوراء مستنداً
إلى عارضة عرشه الذهبي المزدان بفصوص من الأحجار الكريمة اللامعة ،
مريحاً يده اليسرى على فخذه ، مشيراً بيمناه إشارة تعنى القبول .

.. قال ( كبير التجار ) :
ــ  يا أيها الملك المعظم .. الفيلة  !.
وجاء الأمر على غير المتوقع ، أو المتفق عليه ، فما تكلم ، أو بدأ
بعرض شكواه أحد  ، وفى رهبة وبطء التفت الرجل إلى حشده يستحثه بعينيه على النطق ، لكن الحشد كان  قد غرق في صمت عميق .. كان
بعضهم قد رأى الأمر سخيفا ، وأن هذا الرجل ــ الملك    المعظم ــ بوجهه
شديد الحمرة ، ولحيته البيضاء الخفيفة لا ينبغي أن يشغل بمثل هذه الأمور
، ألا يكفى أنه سمح لهم بالدخول ، واستعد لسماع ما يقولون ، بينما تمنى
أكثر من رجل لو يغيبون عن الوعي ، ثم يفيقون ، فيجدوا أنفسهم
خارج أسوار القصر .

عاد ( كبير التجار ) ينظر إلى الملك المعظم ، وهو لا يدرى ماذا يقول
أو كيف يتصرف ؟!.. فهز الملك المعظم رأسه ، وتأمله بعينين حادتين
مستفسراً ، فتملكه رعب شديد، وقال     متلعثماً ( وقد رفع من صوته الذي
احتلته بحة عظيمة ) :
ــ  مولاي .. الفيلة  !.

وهنا ضاق صدر الملك المعظم ، وأوشك صبره على النفاد ، فأرسل بصره لمن
حوله ــ كان لباسهم الرفيع يدل على أنهم من الوزراء ،
والمقربين ، وعلية القوم ــ ثم صاح فيه مغتاظاً :

ــ مالها  ؟! ..

ــ 4 ــ

ولما لم يتغير شيء ، وكان الغضب قد بدأ يغزو ملامح وجه الملك المعظم
شيئاً  ..  فشيئاً ، فكر الرجل أن يلقى ببصره إلى هؤلاء الذين
اصطفوا من خلفه ، وكأن على رءوسهم الطير ، تمنى لو يستطيع الصراخ مستغيثا
ً، أقسم في نفسه أنه مستعد لأن يهب كل ما  يملك لمن يجعله يرى
أولاده ، وزوجته مرة أخرى ، شعر بحنين غريب لكل شيء حتى  لتجارته الكاسدة
التي لم تمته ، أراد أن يرتمي تحت قدمي الملك المعظم ، ويقبلهما
طالباً العفو والسماح ، واعتباره كبهيمة ترعى في الحقول قد ضلت طريقها ، نضح عرقه غزيراً حينما رأى نفسه مشدوداً من رجليه إلى أحد أبراج القصر  و جاءه صوت الملك المعظم غاضباً :
ــ  قلنا مالها  !؟..

كانت صيحة الملك المعظم قد جعلته يصاب برعدة ، ودوار شديدين ، فغامت
الدنيا في عينيه ، لكنه تماسك حتى لا يسقط على الأرض ، داعياً
الله بقلبه أن ينجيه من كربته ، متوسلا بصالح أعماله أن يكون
ما فيه مجرد كابوس ثقيل لا يلبث أن يصحو منه   لاهثاً غارقاً في عرقه ،
فيمد يده إلى قارورة الماء ويشرب ، وعلى غير إرادة انسلت منه    ريح ،
وقفزت إلى رأسه صورته والحرس يجرونه عارياً ، فتحسس لباسه المتعرق مبتلعاً ريقه فى صعوبة ، وهو ينظر إلى الملك المعظم بعينين حائرتين مدهوشتين ، غير  أنه ــ أخيراً ــ أحس ببعض الراحة لحظة أن راودته إحدى الأفكار ، فمسح وجهه   بيديه المرتعشتين ، وابتسم قائلاً
في شيء من الثقة والارتباك :

ــ إنها .. إنها يا مولاي تشعر بالوحدة .. وتحتاج إلى ذكر  !!.

و .. ( صفحات مفقودة) ..

ــ تمت ــ