كارم يحيى : ذاكرة “الأهرام ” في خطر

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

دفعني حديث عن  قسم المعلومات بجريدة “الأهرام” الى إعادة قراءة رواية ” اللجنة ” لصنع الله إبراهيم ،والتي صدرت طبعتها الأولى من بيروت في عام 1981 وقبيل إغتيال الرئيس السادات بأشهر معدودة . ولقد كان بحق اصدار “اللجنة ” في هذا التوقيت المصري عملا ملهما  ، نظرا لاجوائها الكابوسية التي تقترب من أجواء رواية ” المحاكمة ” للتشيكي “فرانز كافكا” (1883 ـ 1924). وقد اعتبر بعض مؤرخي الأدب والثقافة ان رائعة  “كافكا” ـ ويعتقد انه كتبها خلال سنوات الحرب العالمية الأولى و لم تجد طريقها للنشر إلا بعد وفاته في عام 1925 ـ  بمثابة نبوءة على صعود الفاشية والنازية في أوروبا. وقد صدرت ترجمة عربية للرواية من القاهرة في عام 1970.

لكن كان في رواية ” اللجنة ” لصنع الله إبراهيم ثمة إلهام إضافي بالنسبة لخريج قسم الصحافة بكلية إعلام جامعة القاهرة . ذلك الشاب الذي كنته على اعتاب مصر الثمانينات. هذا الإلهام الذي ظل قابعا في الوجدان كل هذه السنوات ، و وجدتني استدعيه الآن مع حديث قسم المعلومات بجريدة الأهرام ، فأعود الى قراءة الرواية . فقد اثارت ” لجنة” صنع الله إبراهيم حينها في دارس الإعلام  لتوه تساؤلات حول أهمية أرشيفات الصحف  وما تحويه من ملفات وقصاصات ، وكيفية الاستفادة منها  . والى أي مدى  امتدت أيدى مدربة في هذا العصر أو ذاك لتعبث بملفات شخصيات وقضايا بعينها لاخفاء حقائق ومحو ذاكرة. إذ ان المناهج الدراسية بكلية الإعلام الأم في مصر كانت قد تجاهلت هذا الجانب على النحو الذي يؤهل خريجيها للتعامل بذكاء وحنكة مع هذا المصدر الخطير للمعلومات . وهو ما عالجته رواية اللجنه في مسيرة بطلها ( غير محدد الإسم او العمل ) اثناء تتبعه لحقيقة شخصية غامضة  تدعى ” الدكتور “.بما في ذلك اكتشاف البطل لانتزاع قصاصات صحف من ملف ” الدكتور ” في ارشيف إحدى الصحف اليومية الكبرى.

وحقيقة لاأدرى الآن ما إذا كانت كلية إعلام القاهرة وأخواتها المستجدات قد تلافت هذا النقص في المناهج ، وأخذت في تبصير و تدريب طلابها على كيفية التعامل مع أرشيف المعلومات وكمادة علمية مستقلة. لكن ما أعلمه و أتذكره جيدا هو هذا الجدل الممتع الذي دار في مصر بعد فترة وجيزة من اصدار الرواية حول كتاب ” خريف الغضب ” بين مؤلفه الاستاذ محمد حسنين هيكل و الراحل الدكتور فؤاد زكريا بشأن ما أسمي بـ ” سلاح الأرشيف ” ، وكيفية استخدامه وتوظيفه سياسيا . وقد كتب الأخير سلسلة مقالات صدرت لاحقا في كتاب ردا على الاستاذ هيكل بعنوان ” كم عمر الغضب؟”.

كل هذه التداعيات يثيرها الآن حديث عن مصير قسم المعلومات العريق بجريدة  “الأهرام” بما يحويه من كتب ووثائق و  ملفات لنحو 60 ألف شخصية محلية واقليمية و عالمية  وأكثر من ربع مليون ملف لقضايا و موضوعات . وهو القسم الذي أعاد الاستاذ هيكل تأسيسه منذ نحو نصف قرن بالاستعانه باستاذ الصحافة الجليل المرحوم الدكتور سامي عزيز ، ثم أوكل مسئولية تطويره عام 1966 الى الاستاذ محمد حمدي مدير قسم المعلومات بالجامعة الأمريكية حينها . وحين جرى انتقال “الأهرام” من مبناه القديم في شارع مظلوم الى مبناه الجديد الحالى عام 1968 حرص على ان يشغل القسم موقعا بالقرب من صالة التحرير الرئيسية  وعلى تزويده بأمهات المراجع والكتب . كما كلفه بمهمة المراجعة المعلوماتيه لبروفات الجريدة قبل صدورها. وواقع الحال ، أن القسم الذي اصابته بعدها سنن الحياة في مصر من تطورات وعثرات اصبح شأنا لا يخص فقط صحفيي الأهرام ، إذ يلجأ اليه باحثون ومثقفون من كل فج  بوصفه جزء من ذاكرة هذا البلد . بل ان أهمية قسم المعلومات بالأهرام بما في ذلك مكتبته  في تزايد ، بعدما حزمت المكتبة العريقة للجامعة الأمريكية متاعها وانتقلت بعيدا عن وسط البلد الى مدينة القاهرة الجديدة .

حديث مصير قسم المعلومات العريق بالأهرام يأتي على خلفية خطة عاجلة لنقل الملفات و الصحف والكتب وغيرها من أوراق خارج القاهرة الى مخازن في قليوب و 6 اكتوبر .، واستغلال المساحة المخصصة للقسم بالطابق الخامس بالمبنى القديم (المعروف بمبنى هيكل)  في اقامة صالة تحرير جديدة ترتبط بصالة تحرير الدور الرابع .  وهو ما يهدد هذه الثروة بالضياع والتلف فضلا عن صعوبة استدعائها  . وعن خبرة عملية  فان الدوريات  التي جرى نقلها سابقا الى قليوب لضيق المكان تعرضت للضياع والتلف و ما عادت كما كانت .كما ان الاحتجاج بوجود المطبوعات ذاتها على خدمة فيلمية ” الميكروفش” لا طائل منه .فبالكاد يمكن للباحث ان يقرأ على جهاز  ـ سرعان ما يتسبب لمستخدمه في صداع و دوار ـ العناوين الرئيسية للمادة المعروضة  دون أن يتبين المتن أو النص . هذا إذا ما سلمنا جدلا بسلامة المنهج القائم على الاستغناء عن الورق بما في ذلك الكتب لصالح الارشيف الرقمي ( الكمبيوتر والإنترنت ) . فإعدام الثقافة الورقية بعد شيوع الأرشيف الرقمي وبنوك المعلومات الالكترونية  توجه فريد لم تأخذ به كبريات المكتبات  والارشيفات، بما في ذلك مكتبة الجامعة  الامريكية بالقاهرة ومكتبة الكونجرس.

لاعاقل يقف ضد التطوير بما في ذلك التطوير التقنى ، لكنه قد يتحول الى كارثة إذا ما سقطنا ضحايا لإغراء المفاخرة و التباهي بالمظاهر من قبيل أكبر صالة تحرير في الشرق الأوسط ، و إذا ما غاب المنهج العلمي في اتخاذ القرار . ولطالما القينا باللوم على فشل تجاربنا التنموية سواء في بناء الاشتراكية او الرأسمالية على آفة إتخاذ القرار إدرايا من أعلى  .وكأننا لا نتعلم من أخطائنا الكبرى.

مصير قسم المعلومات بجريدة “الأهرام” قضية لا تخص فقط إداريين ، مهما كانت كفاءتهم وصلاحياتهم ومكانتهم في النفوس . بل لا تخص الصحفيين وحدهم . لأن هذا القسم بتاريخه المديد جزء من ذاكرة الوطن غير قابل للإلغاء أو النفي والشتات. وسواء أكان القسم قد ادركته على مدى السنوات يد العبث أم لا . فيوما ما قد يتوقف باحث مثلا ليستوثق من معلومة كتعهد الرئيس مبارك بعد توليه السلطة ألا يبقى في الحكم سوى فترة رئاسية واحدة، فيلجأ للأهرام لعل وعسى.

وهذا المثل لا يستهدف بالطبع لفت انتباه أياد مدربه عابثه كي تنتزع صفحات من ملف هنا أو هناك . لكنه مجرد حيلة بسيطة في الكتابة تسوغ  انهاء هذا المقال بآخر جملة في رواية ” اللجنة” وهي تومئ لمصير بطلها المنقب في أرشيفات الصحف :”عندئذ رفعت ذراعي المصابة الى  فمي وبدأت آكل نفسي”.