يوسف تاج: برلمان 2010: عن «الطبال» و«الحانوتي» و«الصفقجية»

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

1-

«صفقة مع الوفد والتجمع والناصري لترقيع ما تبقى من وجه النظام العجوز» كانت هذه العبارة هي خلاصة ماراثون ما قبل انتخابات مجلس الشعب 2010. فمنذ 19 فبراير 2010، حين وصل «البرادعي» للقاهرة وبدأت لعبة «المرشح المحتمل» والتحذير من المشاركة في انتخابات مجلس الشعب واضحة بهدوء.«لا تعطوا شرعية للنظام» هكذا تحدث البرادعي في لقاءات عديدة، وحين بدأ العقد ينفرط، تجمع «الحزبيون» في «ائتلاف رباعي» بدأ من «بيت الأمة» حزب الوفد التاريخي، برعاية البليونير السيد البدوي، وقتها كان الجميع يتلمظون على «كرسي» زيادة في مجلس محكوم بمنصة باطشة، وموافقة اتوماتيكية، كان مشهد الأحزان محزنا وكئيبا ومعتادا وهي تكرر الحجج نفسها التي طالما رددتها منذ انسحاب الدم السياسي من وجوه قياداتها في مطلع التسعينيات، التي شهدت آخر مقاطعة فعلية للإنتخابات.

بدأ «الإخوان» كعادتهم لعبة «فرط الرمان»، انسحبوا من كل شيء بعد «اتصلوا» بكل «جهاز»، كانت ملامح الصفقة الإخوانية واضحة «لا كتلة برلمانية.. مقابل مقاعد هنا أو هناك، لا بطش عنيف بالجماعة، مقابل تلميحات ترضي جوقة التوريث». دخل الإخوان التجربة بشيء من علانية الثعالب، قرروا أن يكون لهم من كعكة الصفقات نصيب، وبعد «لطم خدود» اعتادوه مقابل الأحزاب، ناوروا على أرض الواقع بفكرة التغيير، و«استعملوا» حرفيا هاجس البرادعي كي ينجزوا «التفاهم» الأخير مع النظام الذي لا يبدو غاربا.

أما الأحزاب، فككل الكيانات الهشة، متضخمة الذات والتاريخ، رضيت بما يلقى إليها من مقاعد برلمانية، كانت الترجيحات بشكل وطبيعة المجلس القديم تأتي من «الضابط موافي»، الشهير بصفوت الشريف أحد أركان الحرس القديم في نظام مبارك. صفوت الذي اختار «المصور» ليطلق منها «تكهناته» قال بالحرف الواحد «أعتقد أن الوفد مؤهل ليكون زعيم المعارضة في البرلمان القادم» وتابع:«ما حدث في برلمان 2005 لن يتكرر وهذا وعد».

قبل الوفد بنسخته الجديدة، ورئيسه الجديد، الطبخة الحكومية، مبدئيا روج البدوي «من تحت لتحت» أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولفت لقوة البطش المنتظرة، وأعلن خوفه على «تجربة الوفد» أكثر من مرة، وحين بدأت العجلة في الدوران، كان ثاني اثنين هو رفعت السعيد، الرجل الذي كتب في مذكراته – الجزء الثالث- أنه وبعض من «رفاقه» كانوا يدركون أهميتهم للنظام كـ«معبر» لدوائر أخرى خارجية، من اليمن والسودان جنوبا، إلى «يسار فرنسا» و«اشتراكيو لندن» شمالا مرورا بشخصيات تطورت مع «كل لون» في لبنان و«إسرائيل» وتونس والمغرب وحتى أمريكا اللاتينية.

كان السعيد يعلم بحكم العشرة مع النظام أن الصفقة لمن يرفع صوته مجاهرا، وكما حدث في 2006 حين أطلق صيحات متتالية عن «قوة النظام التي لا يدركها الشباب الوافد إلى الحياة السياسية»، أطلق السعيد أيضا أولى تصريحاته في 2010 بعد شهر من عودة «البرادعي».

لكن خيارات «العربي الناصري» آخر ما تبقى لثورة يوليو من تواجد، كانت محدودة للغاية. الحزب مفكك بالكامل، والكوادر إما غيرت الانتماء أو تمسكت بفتات اتصالات مع نظام يعرف كيف بـ«العواجيز»، خرج الناصري للمشاركة تحت شعارات لم يصدقها حتى مرشحيه أنفسهم، كان صوته عال وربما مضحك بكل أسف، فالحزب الذي يرفع صورة الزعيم الراحل، كان ولا يزال دون دفة قيادة ولا أرضية تصويتيه، ولا إستراتيجية عمل، ولا حتى تمويل محترم. وافق الناصري، وسار على درب الوفد والتجمع، ليكون ثالث ثلاثة في صفقة الأحزاب أما الإخوان فلهم «تفاهمات» يجيدونها منذ بدايتهم تحت جنح القصر الملكي.

2-

كان برلمان 2010 متوقعا للكافة, الإخوان لن يحصدوا سوى 20 مقعدا فأقل، والوفد ربما يتجاوزهم بخمس مقاعد، فيما يتقاتل التجمع والناصري والغد الموسوي وأحزاب بير السلم على إجمالي 10 مقاعد لا تسمن ولا تغني من تصويت، كانت دائرة التكهنات في الشارع السياسي تراوح مكانها، بإضافة مقعد هنا، أو اقتراح مقعد هناك، وداخل الأحزاب نفسها انطلقت ماكينة «الصفقجية»، ففي التجمع والوفد تحديدا بدأت «معارك» من أجل ضمان «ترشيح» السعيد و البدوي لأسماء بعينها لتتذوق مقاعد برلمان فشلت في الحصول عليها بطريقة شريفة. كان الكل يعلم أن الصفقة آتية، وأن برلمان «موافي» الشهير بصفوت سوف يعطي «الأولاد المطيعين» قطعا من الكعكة.

3-

في 28 نوفمبر، وعلى مرمى حجر من صناديق الانتخابات، كان المشهد مختلفا تماما. انزوى الحرس القديم واضعا ذيله بين فخذيه، وبرز «اباضيات» الحرس الجديد، يقودهم «طبال سياسي» بدرجة محترف. خرج عز ليؤكد سطوة فريقه لم شككوا طيلة أشهر في إمكانية التوريث، بدا للحظات طوال أن «الأباضايات» قرروا خطف النظام برمته.

كانت الضربة الأولى ضد الأحزاب تبدأ من  الوفد نفسه، من مصطفى شردي إلى منير فخري عبد النور – صاحب المقعد المتوارث تاريخا في سوهاج- ورامي لكح في باب الشعرية، أما الضربات الأخرى الأكثر تكلفة فكانت ضد حمدين صباحي في كفر الشيخ، هناك حيث تأزم التصويت ووصل لقطع الطريق الدولي، وهتافات من آلاف الحناجر ضد التزوير، كان المشهد في كفر الشيخ مرعبا، أكثر من 30 ألف ناخب يقسمون على «الشهادة» على طريقة إخوان مبارك، ووفد النحاس، وتجمع خالد محيي الدين، وكان صوت أحمد عز يدوي على الشاشات ألا عاصم اليوم من البلطجة حتى من وقع الصفقة.

بعد 12 ساعة سقط خلالهم نحو 15 قتيلا، في معارك استخدم فيها المولوتوف، وأحرقت فيها مقار الحزب، وطوردت قوات الشرطة في أكثر من دائرة.. بعد 12 ساعة من البلطجة الصرفة والتزوير القراح، كانت ملامح ما حدث تتكشف وتربك المشهد السياسي المصري كله.

«لا حمص في هذا المولد»، خرج الجميع تقريبا صفر اليدين، ووقف عز ورفاقه مذهولين من صدمة برلمان الـ97%. كانت اللطمة محسوسة للغاية، فـ«العيال» الذين «ركبوا الموجة» صباحا، فوجئوا بالورطة في النتائج المحرجة، والمعارك بين «وطني فائز» و«وطني الإعادة» و«وطني» يحرق مقر الحزب نفسه بـ«أوسخ جاز» كما عبر أنصار مرشح الوطني في القوصية بأسيوط.

4-

الورطة التي لم ينتبه لها «العيال» لم تكن وليدة صدفة، فبعد ساعات من الصدمة، كان على معسكر الوريث أن يحترق بإعلان انسحاب الإخوان أصحاب «التفاهمات» التاريخية، و«الوفد» قائد «غزوة الصفقة» الممنوحة من الشريف وأقرانه، وتلاهما ما تبقى من «التجمع» خاصة في المحافظات.

مع الانسحاب توالت الضربات القضائية، هذه المرة قبل أن يكون لـ«سيد قراره» وجود أصلا. بدأت العجلة في الدوران من أحكام القضاء الإداري، و«تعنت» العليا للانتخابات، واستمرت مع احتجاز قضاة، وسب آخرين على صفحات الجرائد، حتى وصلت لحكم جامع مانع من الإدارية العليا يعتبر ما حدث «يهدر أي مركز قانوني» لبرلمان عز، ويطعن في شرعية مجلس من المفترض أن يكون «سلما» للوريث القادم بعنفه وغوغائه.

في الخلفية، جلس «الشريف» ومجموعته يبتسمون بهدوء، فالطبخة فاح فسادها، والانتخابات تحولت إلى «حرق خصوم» داخل بدن النظام نفسه، والقضاء بدأ يغلي لدرجة تقديم الزند، بلاغا للنائب العام ضد «الشروق» ومؤمنة كامل صاحبة معامل المختبر وإحدى المرشحات الدائمات لمقعد يتراوح بين الصحة والبيئة.

في سماء القاهرة الملبدة بكل الاحتمالات، يزداد «الطنين» حول المجلس الذي فقد شرفه على الهواء مباشرة، فبعد أن «لجأ» البدوي المبشر بالحصانة للرئيس كي «يشتكي الواد لأبوه» على طريقة شماشرجية القصور، وبعد أن توارى الشريف و«ثقاته» شامتين، ظل احتمال وقف الانتخابات أصلا أو إعادتها بالكامل وفق «صفقات» جديدة يتزايد تباعا.

النظام الآن مثله مثل من فاتهم قطار الصفقة، قلق على المستقبل، و«مزنوق» لأي قدر من الشرعية، يخشى إن تحرك خطوة للخلف وأنهى المهزلة الحالية، أن يمنح «الشماشرجية» فرصة لإرباك المستقبل، ويخشى إن ترك الحبل على غارب عز أن يقوده «العيال» لانفجار غير محسوب لكن بوادره تلوح في الأفق.

ربما للمرة الأولى يبدو النظام وعرائس المارونيت عراة بهذا الشكل، فالأحزاب من وفد البدوي وحتى تجمع الرفعيين مرورا بناصري ميت وجبهة نخبوي وغد موسوي بياع، تبدو كمن فطم في شهور رضاعته الأولى، لا يعرف كيف يحصل على «الرضعة» ولا يجرؤ على «كشف المستور».

5-

ليس مهما أن «العيال» احترقوا بنار «العواجيز»، ليس مهما أيضا أن البرلمان القادم ولد «مخصيا»، فالعيال لهم ظهر رئاسي بامتياز، والبرلمان كان طيلة ربع قرن مخلوقا عاجزا ومشوها، لكن المهم هو ما حدث في الشارع، الدم الذي انسكب «بغباوة» في طرقات الصعيد والدلتا، والرصاص الذي هتك ما تبقى من «ستر النظام» لعوراته الكثيرة، التقارير التي انطلقت تعزي مصر في وفاة نفسها.

الجميع هنا بحاجة لمهلة من أجل التقاط الأنفاس، من أعلى كرسي في مصر إلى أصغر مقعد لنائب في «سيد قراره» المنتظر يحتاجون لعملية «شفط وساخة» سريعة، لا أحد يعلم اين وكيف ومتى تتم. «العيال» احترقوا حتى النخاع بنار الانتخابات حتى داخل الحزب نفسه، والمعارضة تحاول ترقيع ما تبقى من كرامتها بانسحابات متتالية لتجد فرصة لتأمل المشهد بهدوء، والإخوان يرتبون لحملة ترويج ضخمة مستفيدين من كرامة الانسحاب، ونضال البهو الفرعوني، وهو يدركون أن ما حدث لم يمر على خير، وبخبرة «الإخوانجي» المتمرس يعرفون ربما أكثر من غيرهم أن «القادم» أسوء بشكل لا يحتمل.

أما النظام بمكوناته الأكثر حرفية، فيجلس في الظل بعدما قطع «الطبال» كل أمل في «تنظيف» الساحة، وبعد أن أحترق كل شيء بسبب  «سعار» التنظيميين الجدد.

في مصر يبدو كل شيء مرتبكا وخائفا ومهزوما داخل نفسه، «العيال» المصدومين بالنتائج، و«الحانوتية» الذين أعطوهم البنزين ليحرقوا البلد وأنفسهم، والنظام الذي فقد البوصلة، والمعارضة «الصفقجية» التي فطمها البلطجية والمزورون وهادمو الصفقات. مشهد عام من الخراب الذي أكل نفسه، كوميديا فارص حقيقية تحدث على الأرض الواقع، تعري «المتفاهمين» و«المتحالفين» و«الحانوتية» و«العيال». ربما يكون المشهد أيضا بداية لتغيير حقيقي يطرد أشباح الدولة من جسد الدولة، وينظف صفوف المعارضة من شركاء الأجهزة الأمنية و«المصنوعين» لدور الكومبارس، ربما يكون القادم، لو سار الحلم على استقامته، بلا لحية تخفي «التفاهمات» ولا أحزاب تعمل كمعابر، ولا قيادات «يلجئون للرئيس»، ولا «حانوتية» يتسلون بحرق الجميع.

ربما بعد أيام قليلة، وحين تنكشف «غمة البرلمان»، سوف يكتشف الجميع مساحة الهدد الذي حدث في مصر،  وربما يكون اكتشافهم المنطقي بعد فوات الأوان.