احمد عبد المنعم رمضان : عزرائيل يأتى مرتين أحيانا

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“ستموت اليوم… أو غدا على الأكثر”.

هكذا قال الطبيب, هذا المخلوق أبيض الثياب, مقطب الجبين, أحمر العينين, فى تمام  الساعة الثامنة مساء يوم الأربعاء الموافق 5 مارس 2008.
–  سنتحفظ عليك فى العناية المركزة تلك الساعات القليلة المتبقية حتى يأتيك قضاء الله… وأعدك أنك لن تتعذب كثيرا, فقضاء الله قلما يتأخر.

– وماذا على أن أفعله فى تلك الساعات؟؟

– لا أعلم, لابد وأن هناك شيئا تريد أن تفعله فيما تبقى لك من لحظات ولكنى لا أضمن لك أن الموت سينتظرك, لذلك سنتحفظ عليك هنا كى تموت فى راحة وسكينة واطمئنان… تأمل الكون, عش بالضباب.

– أنا أريد أن أخرج من هنا, أستمتع بأخر لحظات حياتى… وإن جاءنى الموت سيجدنى حيا, كما اعتدت أن أكون, قد يعفو عنى ويؤجل يومى قليلا… أو كثيرا!

خرج (أسامة عبد العظيم) من المستشفى, لبس ثيابا ثقيلة, جاكت أسود طويل جعل من شكله مخبرا حكوميا, ومجموعة من الملابس الأخرى غير متناسقة الألوان, تحرك فى الشوارع الباردة بجسده الضخم وعرجه المميز وسط أناس لا يفكرون فى الموت مثله. كان يمشى دون واجهة… وبعد فترة لم يتمكن من تحديد طولها, أيقن أن الأمطار كانت تتساقط منذ نزوله إلى الشارع, وأن عليه أن يحتمى بأى مكان أو أن يسرع بعودته إلى بيته… الوقت يمر متدفقا وعليه أن يفعل أى شىء قبل أن يدركه الموت وإلا ضاعت ثوانيه المتبقية مثلما ضاع الكثير من مثيلاتها سابقا.

كانت المحلات كلها, سواء فى الميادين أو بالأزقة إما مغلقة بالفعل وإما فى طريقها للاغلاق, فما من زبائن تحضر ليلا فى مثل تلك الأجواء الباردة, إضافة إلى أن الليلة عيد وأصحاب المحال ينأون عن العمل… أخذ يمشى الهنيهة لعله لا يرهق من كثرة المشى فهو يعلم أن حياته لا تحتمل الضغط عليها أكثر من ذلك.

وجد أسامة محلا مفتوح الأبواب… وكان محلا لا تستطيع أن تحدد هويته بالضبط, هل هو مكتبة أم محل للهدايا أم بيع الحلوى, كانت تتقدمه لافتة عليها أسم المحل ولكنها مغطاة بأكوام من الأتربة لا تظهر من الحروف شيئا… دخل أسامة ما بين درفتى الباب الضيق الذى بالكاد  يمرر جسده الضخم فوجد صاحب المحل جالسا على كرسيه المتهالك, موجها ظهره أياه, كان شعره أبيض للغاية كما لو أنه يشع نورا, كان نحيفا والعروق تنفر من يده… ألقى أسامة السلام, فلم يرد عليه صاحب المحل… ظن  أن صوته لم يكن عاليا, أو قد يكون هذا الرجل الهرم به شىء من الصمم, فأعاد عليه التحية مرة أخرى بصوت أعلى… ولكن ما من مجيب… تجاهل أسامة الأمر فهو لا يملك الوقت, بدأ فى تصفح أرفف المحل غير المرتبة… تصفح بعض الكتب المتربة سريعا, عبث ببعض الألعاب والهدايا, كانت معظمها ألعاب طفولية, وفى أثناء لعبه بتلك الأشياء الطفولية, انتابته مشاعر مبهجة لا يعرف من أين قد يكون مصدرها وهو ميت بعد حين!

توجه أسامة إلى صاحب المحل:

– أريد أن اشترى بعضا من الألعاب والزينة والهدايا وما شابه.

اشترى أسامة ما أراد وتوجه إلى منزله الذى لم يكن يبعد سوى بضع خطوات, كانت الأمطار قد توقفت والحياة دبت من جديد فى الشوارع… ولكن رائحة المطر مازالت تعبئ المكان و تعبث بأجوائه.

دخل أسامة منزله الفخم نوعا ما, كان شابا ناجحا… كان يعمل مفاوضا دوليا بإحدى الوزارات… هؤلاء البشر الذين لا يجيدون شيئا فى الحياة سوى الكلام الفارغ والمراوغة والخداع, وكلما كان كلامك أكثر إبهاما وغموضا, كلما زاد أجرك وكلما أصبح بيتك أكثر فخامة.

ألقى أسامة بالجاكت الذى كان يرتديه على الكرسى المجاور لباب الشقة, كانت قطرات المطر مازالت عالقة به, أخذت تتساقط على الكرسى قطرة تلو الأخرى.  بدأ فى تعليق الزينة التى اشتراها ووضع الورود و الهدايا فى كل مكان بشكل غير منظم فهو لم يكن ذا رؤية فنيه بطبيعته حتى  أصبحت حجرة نومه مثل قاعة الاحتفالات فى ليلة الكريسماس وأصبح الجو, بالرغم من قلة تنظيمه, مبهجا أكثر مما كان فى أى وقت مضى وأصبحت أعمدة البيت وكأنها غوان وراقصات من أمريكا اللاتينية يرقصن على أنغام السامبا… ملأت الموسيقى الهواء كما انطلق العطر فى أرجاء المكان… فألقى أسامة بنفسه على السرير وأراح كل عضلات جسده المرهقه واستلقى فاردا يديه على الجانبين كما المصلوبين… ظلت عضلات عينه محملقة فى السقف, تتجول من حين إلى آخر ما بين السقف وبين باب الحجرة… باب الحجرة الذى علقت عليه لافتة بيضاء وبها بعض الزركشه مكتوب عليها بخط منمق باللون الأحمر الدموى الداكن “مرحبا بضيفى العزيز وصديقى عزرائيل”.

لم يمر وقت يذكر فى انتظار ملك الموت الذى لم يتأخر, جاء فى ميعاده كما هى عادته. دخل عزرائيل وكانت ملامحه على غير ما توقع… لم يكن مخيفا كما كان يظن… كان غريبا ولكنه بدا طيبا ومألوفا… لم يبد قاسيا ولا شريرا… لم يبد قاتلا ولا زاهقا للأرواح… كان منيرا مشعا… كان جميلا.

فى تمام الساعة العاشرة, دخل عزرائيل وبدت عليه ملامح الاستغراب, بدا هادئا رغم الدهشة:

– هل كل تلك الزينة لى؟؟ هل أعددت هذا من أجلى؟

فأجاب المفاوض بصوت متلجلج: “نعم يا سيدى, فهذا أقل تقدير, فحضرتك تستحق ما هو أفضل وأعلى من ذلك بكثير”.

– هل تعلم أننى هنا من أجل إزهاق روحك ؟؟

– ولا مانع لدى يا سيدى, فذلك هو عملك ومهنتك التى برعت فى أدائها ولم تتوان عن فعلها على مر ملايين السنين ولم تفشل فيها أبدا, ولهذا فقد جهزت لك هذا الحفل البسيط لاستقبال مخلوق عظيم مثل سيادتكم.

– اعتدت أن يستقبلنى الناس بالعويل والبكاء والنحيب… حتى أننى بدأت أظننى مكروها منكم معشر البشر, أظنكم لا تفهمون أن تلك هى مهمتى… ولكننى أعذر كل من لعننى وكل من سبنى وأسامحه, فأنا مجرد عامل يؤدى عمله بأمانه, ولكنكم تكرهون الأمانة, أليس كذلك؟؟

– أحيانا… حسب أين تصب تلك الأمانة ولكن الناس لا يكرهونك يا سيدى ولكنهم يخشونك وذلك لما تتمتع به من هيبة وجلال يخيفان النفوس, الرهبة يا سيدى, تلك جميعا صفات حميدة.

– إذن واختصارا للوقت, فلدى الكثير من العمل لأقوم به الليلة, الليلة عيد والشوارع مزدحمة عن آخرها والحوادث كثيرة وكذلك الموتى, أنا بطبعى أعترف بالجميل, ولا أنكر أن حفلك هذا بث فى السعادة فى يوم عمل مرهق, فأظننى مدينا لك بشىء ما, فلقد أعطيتنى إحدى أجمل لحظاتى على الإطلاق, فماذا تريد منى أن أفعل لك ؟؟

– لا شىء يا سيدى, هذا مجرد تعبير صادق عن إعجابى الجم بك.

– أطلب… أطلب ولا تخش شيئا.

– ممم, كنت أود, بعد إذنك بالطبع,أن تسمح لى أن أحيا يوما آخر لا غير.

– هل جننت, هذا مستحيل!!!

– يوم واحد فقط… هناك الكثير من الأشياء التى وددت أن أقوم بها على مر حياتى ولكنك أنت والقدر لم تمهلانى الوقت الكافى لذلك… فيوم واحد سيكون كافيا لإنجاز الكثير من تلك الأشياء.

– وما هى تلك الأشياء ؟؟

فتلعثم أسامة الذى لم يكن يريد أن يفعل شيئا محددا فحياته تخلو من أى أحلام مؤجلة:

– أشياء كثيرة يا سيدى, لا داعى لأن أشغل بها وقتك الثمين.

بدا ملاك الموت مترددا, فأضاف أسامه: “وسأقيم لك مساء الغد حفلا أكبر وأجمل من هذا بكثير… فقد جهزت لك هذا على عجل, أما الآخر فسيكون أكثر جمالا مما تتصور”.

فأجاب عزرائيل بصوت متقطع نوعا ما, فصوته كان مثله مثل الصدى, أجوف, مخيفا, كأنه يتكلم من أعماق صدره, أجاب بعدما شاب صوته التردد ولكنه لم يخل من الصرامة أيضا:

– لا أعلم عواقب ما سأفعله الآن ولكنى سأعطيك ما طلبت… ولكن غدا فى نفس الميعاد ستكون آخر لحظات عمرك… فاستعد.

خرج عزرائيل فانطفأت الأنوار وتساقطت الزينة وألقى أسامة بجسده على السرير, استلقى مرة أخرى فاردا يديه كما المصلوبين. شقت الشمس سماء اليوم الجديد ومر هواء اليوم الأخير بين شعيرات أنف أسامة, فأيقظه معلما أياه أن يومه الأخير قد دق الباب. مر اليوم ككل الأيام, تهادت الثوانى وتمايلت اللحظات حتى جرجرت الساعات بعضها البعض, فوجد أسامة أن الميعاد قد أوشك وهو لم يستعد بعد لاستقبال ضيفه المخيف ولم يفعل أى شىء بيومه الزائد, فكر مليا ماذا يفعل حتى ظن أن إسعاده لعزرائيل قد يمنحه يوما جديدا يحقق فيه أحلامه المبهمة تلك. بدأ فى تجهيز الحفل المنتظر, لم يكن يعلم ما الشئ المميز الذى قد يصنعه فى حفله, فالزينة متشابهة والروائح واحدة والموسيقى مكررة. وفى أثناء عمله الدءوب على إسعاد ضيفه القادم من عالم آخر, قرر أن يستريح لثوان معدودات, ففتح إحدى الصحف اليومية الممله فإذا بالتاريخ (الأربعاء 5 مارس 2008) يتصدر الصفحة, تاريخ الأمس لم يتغير اليوم, لا يزال يتصدر صفحة الجريدة, مد يده بجواره و أمسك بالريموت كنترول وضغط على الزر, فاستيقظ المذيع من غفلته وبدأ فى التثاؤب… “عفوا! إليكم أخبار اليوم, الأربعاء 5 مارس 2008″… اندهش أسامة وجحظت عيناه من مكانهما, ضغط على زر الريموت مرة أخرى, فعاد المذيع إلى نومه… توجه أسامة إلى الكمبيوتر وإلى النتيجة وإلى كل شىØ!
¡ يدل
ه على تاريخ اليوم الذى هو نفسه تاريخ الأمس… لم يستوعب أسامة ذلك ولكنه, وكعادته, لم يكن لديه الوقت لتفسيره… وحاول, متفائلا, أن يظن أنه بذلك قد يكون كسب يوما أخر فى حياته الكئيبة… أنهى أسامة ترتيبات الحفل, الذى لم يختلف كثيرا عن سابقه, بل قد يكون أقل إتقانا عن سابقه. استلقى منتظرا ضيفه على السرير مثل الأمس تماما, فى نفس وضعه المصلوب… كان صوت المطر مسموعا عبر النوافذ ورائحته تخترق الجدران إلى حيث أنف أسامة… وفى تمام العاشرة مساء دخل عزرائيل عليه ولكن ملامحه كانت متغيرة عن الأمس, كانت أكثر إخافة وأشد ملائكية, كانت أجمل وأشد رعبا, كانت أقسى ولكنها أشد روعة, ولكن أسامة ظن أنها قد تكون مجرد ضغوط العمل هى التى غيرت ملامحه, فبادره بالحديث وكأنهما صديقان منذ زمن بعيد:

– أهو وعدى لك, لقد جهزت لك تلك الحفلة الباهرة, هه؟؟ هل تعجبك؟؟

– لقد جاء ميعادك, أنت ميت.

فقاطعه أسامة متلعثما: “انتظر… ألا تذكر اتفاقنا … أنا….”.

خرج عزرائيل سريعا من الحجرة مصطحبا معه روح أسامه.

مات السيد أسامة عبد العظيم, المفاوض الدولى, يوم الأربعاء 5 مارس 2008 فى تمام الساعة العاشرة مساء.