عبد المجيد المهيلمي : لاعب الإسكواش الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

لم تستهوه أبدا الألعاب الجماعية التي يتزاحم فيها فريقان بعدد كبير من اللاعبين في ملعب واسع مفتوح يمكن لآلاف المتفرجين مشاهدته. لقد شدته لعبة تنس الطاولة وهو صغير، وكان يلعبها بالساعات مع أخيه على طاولة الطعام بعدما ينصبان الشبكة في وسطها كلما خرجت والدتهما لزيارة جدتهما. واستمرا على هذا الحال، حتى كان يوما اشتدت فيه المنافسة مع أخيه الصغير الذي بدأ يتفوق عليه في اللعب. وخسر أمامه المباراة لأول مرة، فما كان منه إلا أن رمى المضرب بكل عزمه على الطاولة، فكسر زجاجها وتطايرت شظايا الزجاج المكسور لتصيب أخاه في وجهه. بعد هذه الحادثة، منعت أمه اللعب تماما بالمنزل، فذهب إلى النادي وتحول إلى لعب التنس، إلا أنه لم يحب هذه الرياضة ولم يسترح بملعبها المفتوح الكبير نسبيا. فجرب الإسكواش الذي وقع في حبه منذ أول نظرة للملعب، فهو عبارة عن غرفة مغلقة ضيقة من أربعة جدران. ومن المعروف أنه تم ابتكار هذه اللعبة في أحد سجون العاصمة الإنجليزية لندن، حينما مارس السجناء رياضة كانت تشمل ضرب الكرة على الحائط، كما ترجع تسميتها إلى الصوت الحادث من ارتطام الكرة بالمضرب الخشبي والجدران، وكلمة squash تعني أيضا: يسحق، يهرس، ويُخمد.

لقد شعر وكأنه عثر على ضالته بمجرد أن دخل ملعب الإسكواش للمرة الأولى في حياته. وازداد حبه لهذه الرياضة بعدما اكتشف أن هناك طرقا وأساليب عديدة  – بالرغم من عدم قانونيتها – يمكنه اللجوء إليها لتحقيق الفوز. من هنا وبدلا من أن يتدرب على إجادة ضربة الإرسال، وإتقان الضربة الطائرة وتحسين ضربة اللوب، قام بالتمرين على ارتكاب بعض المخالفات التي تتسم بالعنف والتي يصعب على الحكم ملاحظتها. كما أعطى لنفسه الحق في تفسير قوانين اللعبة بصورة تسمح له بقدر كبير من الحرية في تجاوزها، وتعلم الاحتيال على القواعد التي عدها عراقيلا في طريق فوزه على منافسيه، والخروج عن كل قيم وأسس ممارسة اللعبة بطريقة صحيحة.

فعكف على دراسة كيفية معاكسة الخصم ومضايقته لمنعه من أخذ مكان مناسب لرد الكرة، واتقن التحرش بمنافسه لحرمانه من فرصة ضرب الكرة وهو في وضع مريح، وعمل على تقييد حركته وتجريده من حقه في التمتع بحرية الحركة بالملعب، وتفنن في طرق الاستئثار بالكرة، و…..، و…..، ووصل به الحال إلى حد أنه قام بضرب أحد اللاعبين بالمضرب- دون قصد بالطبع!- عندما اشتدت المنافسة في إحدى المباريات ودعت الضرورة لذلك لتحقيق الفوز.

وبعدما التحق بالجيش، أتيحت له فرصة اللعب كلما شاء، وكان يعشق اللعب مع المجندين الذين لم يشك يوما في قدرته الساحقة على الفوز عليهم؛ ليس لموهبته العالية أو مهارته الفائقة ولكن لحاجتهم الشديدة إلى خدماته ومساعداته مما جعلهم لا يمثلون أي تهديدا له، فقد ضمن بحكم منصبه التحكم في ضرباتهم عن طريق التلميح لهم بسلطاته في منحهم تصاريح الأجازات، وفي توقيع الجزاءات والعقوبات وتكديرهم، بدءا من أمرهم بالحلق زيرو، وتنظيف ومسح المراحيض، وحتى الحبس أربع وعشرين ساعة.

وكانت انتصاراته المتوالية عليهم من دواعي فخرة وامتنانه – خصوصا أن بعضهم كانوا ضمن اللاعبين المصنفين الأوائل على مستوى الجمهورية – وموضوع حديثه المتكرر مع أفراد عائلته وأصدقائه، فكان يقول متباهيا:”عارف الواد اللي صوره في كل الجرائد، أنا كسبته ثلاثة صفر”، و”الأسبوع الماضي قضيت تماما على بطل الأسكندرية”، “فاكر اللاعب الملقب بثعلب الإسكواش، لقد أخذت منه تسع نقاط متتالية في الشوط الأخير من المباراة”، وهكذا من الأقوال التي تضعه في مصاف أبطال العالم في الإسكواش، وهو الذي تفادى دائما خوض البطولات المفتوحة طوال حياته لمعرفته بحقيقة إمكانياته المتواضعة والمحدودة.

فقد تغلب على جميع المجندين بصفة مستمرة، ولم يستطع أحد على الإطلاق أن يبدد احتكاره للفوز، وكان حريصا على مكانته في اللعبة بانتقائه منافسيه بدقة، فكم من مرة تفادي اللعب مع ضباط من أسلحة وأفرع أخرى، وفي المرات القليلة التي لعب فيها مع أحد الضباط، كان يلعب فقط مع من أدنى منه في الرتبة.

وبدأ في تدريب ابنه بنفسه وعلمه كيفية إمساك المضرب، وطرق تسديد الضربات المختلفة، وأهمية التحكم الجيد بمنطقة وسط الملعب، كما قال له نفس الكلام النظري الذي أكده من قبل للجميع عن أن:”الرياضة فن وذوق وأخلاق”، وإنها “مكسب وخسارة”، وأن ” المنافسة الشريفة شئ جميل وصحي”، ولم يشعر أبدا بعمق الفجوة بين أقواله وأفعاله ولم يخجل قط من ذلك.

بعد عدة سنوات بدأ مستوى الابن في التحسن، إلى أن كان يوما دعى فيه الابن بعض أصدقائه لتشجيعه وهو يلاعب والده، واشتدت المنافسة بينهما وتعادلا في الأشواط، فما كان للأب إلا أن قام في الشوط الأخير من المباراة، بدفع المضرب بكل قواه ضاربا الكرة المطاط السوداء ضربة صاروخية مصوبا إياها نحو جسم ابنه، الذي انبطح أرضا بمجرد أن لمسته. فتوقفت المباراة، ونزل أصدقائه – الذين شعروا بالهلع مما حدث – إلى أرض الملعب وحملوه على أعناقهم لإسعافه. بعدئذ عانى الابن من إحباط شديد وانتابته حالة من الخوف الممزوج بالقلق جعلته ينسحب من منافسة والده، وامتنع عن اللعب أمامه وعاود إلى مرافقته في نزهه وسفرياته حتى وصفه كل المقربين منهما بأنه ابن بار بأبيه. وعاد اللاعب الكبير إلى ممارسة لعبته المفضلة واستمر يلهث وراء الكرة حتى نفسه الآخير.

[email protected]