ساراماجو يكتب عن ” عمى الانتخابات ” فصل من رواية البصيرة ..ترجمة تامر فتحي الحلقة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

كانت المكالمة قصيرة، ألو، هنا مأمور اللجنة رقم أربعة عشر، أنا في غاية القلق، يحدث لدينا أمر غريب جداً، ولا ناخب واحد أدلى بصوته، صار لنا أكثر من ساعة منذ أن فتحنا، ولا بني أدم واحد، تمام، يا فندم، أعرف لا توجد طريقة لوقف العاصفة، تمام، يافندم، مطر، ورياح، وسيول، أعرف سنتحلى بالصبر و سنظل إلى جوار أسلحتنا، على كُلٍ فذلك هو السبب لوجودنا هنا. عند هذا الحد توقف المأمور عن الكلام و اكتفى بهز رأسه بضع مرات بالإيجاب و أصدر شهقة مكتومة من حين لأخر ثم ثلاثة أو أربعة جمل بدأهم ولم يكملهم. عندما وضع السماعة، ألقى بنظرة على زملائه لكن دون أن يبصرهم بالفعل، هيئ له أنه يرى ساحة تملأها غرف تصويت خالية، و سجلات انتخابية نظيفة لم يمسها قلم، و إلى جوارها أكثر من مأمور وسكرتير ينتظرون، و ممثلو أحزاب يتبادلون نظرات الشك فيما بينهم وهم تبين من قد يكون المستفيد ومن الخاسر من هذا الموقف، و على مسافة منهم، موظف بلله المطر يعود من حين لأخر من عند الباب ليعلن أن أحداً لم يأتي بعد. ما الذي قاله الناس في الوزارة؟ سأل ممثل الوسط، أنهم لا يعرفون أيضاً ما العمل، على كُلٍ ، طبيعي جداً أن يمنع الطقس السيئ الناس من الخروج من منازلهم ، لكن من الواضح أن نفس الشيء يحدث تقريباً في كل أنحاء المدينة، سأله ممثل اليمين: ماذا تقصد بنفس الشيء تقريباً؟ والله ، بضع ناخبين ذهبوا للإدلاء بأصواتهم في بعض اللجان، لكن الحقيقة أن كل اللجان تقريبا خاوية، لم ير الواحد من قبل أمراً كهذا، سأل ممثل اليسار: وماذا عن باقي المدن، فهي على أية حال لا تمطر في العاصمة فقط. هذا هو الشيء العجيب، فهناك أماكن تمطر فيها بشدة تماما كما هو الحال عندنا ومع ذلك، وبالرغم من تلك الظروف، فالناس مازالوا يذهبون للإدلاء بأصواتهم، أعنى ، من البديهي جداً أن المناطق التي سيتحسن فيها الطقس ستحظى بالمزيد من الناخبين، وفقاً لما قاله خبراء الأرصاد الجوية بأن الطقس سيتحسن تدريجيا هذا الصباح. إلا أن الموظف الثاني، الذي لم يكن تفوه بكلمة إلى الآن، حذرهم قائلاً: بل قد يتحول من سيء إلى أسوء، أتدرون ما الذي قالوه، أن الأمطار أم أنها ستهطل بشدة  عند الظهيرة أو أنها ستتوقف تماماً. ثم ساد الصمت. فوضع السكرتير يده في جيبه وأخرج هاتفاً محمولاً و طلب رقماً وبينما هو ينتظر الرد، قال: لِمَ الحيرةُ أذن، ولدي على ذراعي فلم ابحث عنه، طالما أننا لا نقدر على سؤال الناخبين الذين لا نعرفهم، عن سبب عدم مجيئهم للإدلاء بأصواتهم، فلنسأل عائلاتنا التي نعرفها، ألو ، أيوه أنا ، معقول مازالتِ هناك، لماذا لم تأتى للإدلاء بصوتك، أعرف أنها تمطر، مازالت أرجل بنطالي مبتلة، آه، صح، أسف، نسيت تماماً لقد أخبرتني أنكِ ستأتين بعد الغداء، أكيد، كنت أتصل فقط لأن أمور غريبة تحدث هنا، آه، لن تصدقينني إن أخبرتك أننا لم يأتنا إلى الآن ناخب واحد للإدلاء بصوته، صحيح، ماشى الحال، إذن أراكِ لاحقاً، اعتنى بنفسك. ثم أغلق الهاتف و علق ساخراً، حسناً، لقد ضمنا ناخباً واحداً على الأقل، زوجتي ستأتي بعد الظهر. نظر المأمور والموظفون إلى بعضهم البعض، وبدا واضحا أنهم من المفترض أن يفعلوا ما فعله السكرتير، إلا أن واحداً منهم لم يشأ أن يكون البادئ، على اعتبار أنه بذلك سيعترف بأنه نسخة مقلدة من السكرتير الذي صارت له الغلبة بحسن تصرفه و ثقته بنفسه. لم يستغرق الموظف، الذي ذهب ناحية الباب ليتفقد المطر، الكثير من الوقت ليحسم أمره إلى أنه يلزمه المزيد من القدرة ليكون على قدم وساق مع السكرتير الموجود هنا، القادر على سحب الناخبين من هاتفه كما يسحب الساحر الأرنب من قبعته. نفس الموظف بعد أن رأى المأمور وهو يهاتف بيته بالمحمول في إحدى الأركان، و الآخرين، وهم يستخدمون تليفوناتهم المحمولة، على استحياء وفى همس، فاعلين نفس الشيء، أمتدح في قرارة نفسه أمانة زملائه و حفظهم في نبل لأموال الدولة عندما لم يقربوا التليفون المخصص للاستعمال الرسمي. الشخص الوحيد الذي لم يكن يملك هاتفاً محمولاً وكان في حِل من معرفة أخبار الآخرين كان ممثل اليسار فهو يعيش بمفرده في المدينة في حين تسكن عائلته في الأقاليم، لذا يمكن القول، أن الرجل المسكين لم يكن لديه من يهاتفه. أخذت المكالمات تنتهي تدريجياً، واحدة تلو الأخرى، أطولهم كانت مكالمة المأمور الذي بدا أنه يلح على محدثه أن يأتي فوراً إلى لجنة الانتخابات، سنرى إن كان الحظ سيحالفه في ذلك، مع أنه في الحقيقة كان عليه أن يكون أول من اتصل، لكن ما علينا، فلقد قرر السكرتير أن يتخطاه، بشكل غاية في السوء، كما رأينا حالاً، أنه أريب و حويط، لو كان يحترم من هم أعلى منه منصباً كما نفعل نحن، لكان قد اكتفى بطرح الفكرة على رئيسه. أطلق المأمور تنهيدة ظلت حبيسة صدره لوقت طويل، ثم وضع الهاتف في جيبه وسأل، حسنا، هاتوا ما لديكم؟  كان السؤال، لو أردنا الدقة، عديم الجدوى، ويخفى أكثر مما يبدى، أولاً، لأن أجابته تقتصر على أن يأتيه كل واحد بما لديه من أخبار، إلا أنها أخبار بلا أي قيمة تُذكر، و ثانية، لأن من الواضح أن الشخص الذي طرح السؤال ما هو إلا شخص مستغل لسلطته التي يخولها له منصبه ليتقاعس عن الشروع في تبادل هذه الأخبار على الفور، طالما أن الأمر راجع إليه، و لرأيه و شخصه. و لو أننا وضعنا في حسباننا تلك التنهيدة التي لفظها وكذلك نبرة الشكوى التي بدرت منه عند نقطة معينة من المكالمة و نحسب أننا سمعناها بوضوح، فمن الطبيعي جداً أن نفترض أن الحوار، الذي دار تقريبا بينه وبين أحد أفراد عائلته، كان يفتقر لإمارات الهدوء والتفهم التي يجب أن يتحلى بها كمواطن صالح و كمأمور، مما يعنى أنه لا يتمتع بسرعة البديهة في الرد على أي تعليق، و هو الآن يتخطى هذه العقبة بدعوة مرؤوسيه بأن يقولوا ما لديهم أولاً، هذه الطريقة، كما نعرف، واحدة من أكثر الطرق العصرية لأن تكون رئيساً على أحد. ما قاله الموظفون و ممثلو الأحزاب، فيما عدا ممثل حزب اليسار، الذي لم تكن لديه معلومات تخصه وكان مصغيا بكلتا أذنيه، لم يتعد أن أفراد عائلاتهم إما أنهم لم يخطر على بالهم أن يغامروا في الخروج في مثل هذا الجو لذا فهم ينتظرون أن تصفوا السماء تماماً أو لفترة، أو ، أنهم ينوون المجيء بعد الظهر للإدلاء بأصواتهم تماما مثل زوجة السكرتير. الوحيد من بدا أنه سعيد بنفسه كان هو الموظف الذي ذهب في أول الأمر لتفقد الباب،  فقد حمل وجهه علامات الرضا التي تنتاب لواحد عندما يملك مبرراً يدفعه للفخر بما لديه، و لقد ترجم هذا الرضا إلى بضع كلمات، هي، لا أحد يرد في منزلي، مما يعنى أنهم الآن في طريقهم إلى هنا. استأنف المأمور جلسته ثم بدأ الانتظار ثانية.