فتاة الأحلام من منيرة المهدية وأم كلثوم ..إلى سعاد حسني و نانسي عجرم .. الأنثى كرمز للهوية

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

  • فاتن حمامة أشبه باشتراكية عبد الناصر..و سعاد حسنى مثلت أحلام جيل جديد في تمردها العفوي وضحكتها القادرة على اختراق القلب
  • مجتمع الستينات الذي استطاع أن يحتفي بفاتن وسعاد علنا كحبيبة..عشق هند رست وشويكار سرا كخليلة ، كان مجتمعا يحلم بالانجاز ويخشى من إعلان نزواته
  • أحمد يوسف :فتاة الأحلام انعكاس لحلم جماعي ..وسعاد حسنى الوحيدة التي جمعت بين التمرد والبراءة
  • إبراهيم داود : فتيات أحلامنا صرن كعرائس المولد جمال بلا حرارة ..يسرى نصر الله:هناك تناقض بين حال المرأة وما يقدم عنها

كتب:أحمد الفخراني

من منيرة المهدية إلى نانسي عجرم مرورا بماري كوينا وفاتن حمامة سعاد حسنى وهياتم ويسرا ومنى زكى ..النظرة إلى الأنثى أو فتاة الأحلام تعكس تاريخ المصريين ، من المزاج العثمانلى إلى جسد مقاس أمريكاني   ..من مجتمع محتل إلى مجتمع مختل ، من مجتمع يناضل للبحث عن الهوية إلى آخر يستبدلها بهويات أخرى  ، من مجتمع طائع إلى آخر جائع ..

كان المزاج عثمانلى ، بينما تبحث الحركة الوطنية ورواد التنوير في تلك الفترة  عن انعتاق من تأثير السلطنة العثمانية لاكتشاف هوية مصرية تخصها ، سقطت السلطنة العثمانية لتتبقى منيرة المهدية السلطانة ، التي لم تتنازل عن الغناء التركي فكان لابد من استبدالها بنموذج آخر ، أم كلثوم ، التي خرجت من فخ” أمان ياللى” العثمانلى إلى “الآهات المصرية ، وكانت نموذجا للمرأة المصرية في ذلك الحين، الفلاحة القوية التي استطاعت عن طريق العلم أن تصير سيدة مجتمع تناطح سيدات القصور والعائلة المالكة في واقعة شهيرة ، وقعت أم كلثوم في غرام خال الملك وهو الأمر الذي قابلته الأسرة المالكة وقتها برفض لكونها أحدى بنات الشعب .جسدت أم كلثوم طموح المصريين إلى هوية تمثلهم وتقف على كتف المساواة مع العرق التركي، فضلا عن تقديمها لصورة مختلفة عن المرأة التي تتحدث عن الكبرياء قبل الحب وتعشق دون مذلة وتناجى دون خضوع.


كانت السينما وقتها فنا وليدا متأثرا حتى الأربعينات بسينما هوليود ونجومه ،كان الانبهار بالذوق الأوروبي والأمريكي  وقتها لم يكن علامة تبعية قدر ما كان محاولة لتقفي الأثر للحاق بقطار الحضارة ، فلم يأخذ المصريون من الثقافة الأوربية والأمريكية إلا ما أعانهم على اكتشاف المنافذ إلى الرواية والشعر والمعمار والسينما قطعا ، كان ظهور ليلى مراد بخفة دمها وقصة شعرها الأوروبية وصوتها الساحر نموذجا مثاليا لفتاة أحلام الأربعينات خاصة مع الثنائي الذي كونته مع زوجها أنور وجدي ” كلارك جيبل “المصري ورغم أصول ليلى مراد اليهودية إلا أن ذلك لم يكن سببا في عدم الوقوع في هواها ، ففي الأربعينات كان المناخ أكثر تسامحا حيث يتجاور حسن ومرقص وكوهين بجوار فاطمة وماريكا وراشيل بدون حساسيات أو حسابات معقدة ، لكن في عام 1956بعد قيام ثورة يوليو نالتها عدة اتهامات عن زيارتها لإسرائيل وتبرعها لها بمبالغ من المال ، في اتهامات تلعب على وتر أصولها اليهودية وتم التحقيق معها وثبتت براءتها .

بعد قيام الثورة كانت مرحلة التعبير عن ابنة الطبقة البرجوازية قد انتهت ، كان الأمر يحتاج لفتاة أحلام أخرى ، أكثر نضجا ، أقل سذاجة ، وتمثل الطبقة التي تبنتها الثورة ، فكانت فاتن حمامة ، التي لقبت بسيدة الشاشة العربية ، وقال عنها عبد الناصر ” أنها تمثل ثروة قومية للبلاد ، وفاتن حمامة أقرب إلى أم كلثوم من حيث القوة ، قوة الاختيار ، النضج الفني ،لكنها تميزت عنها بوجه ملائكي وجسد هش ،أهلتها لأداء دور الفتاة الوديعة في أفلام مهمة خاصة أفلامها مع عز الدين ذو الفقار وبركات وكانت المرة الأولى التي تكون فيها فتاة الأحلام خارج نطاق تقديمها كسلعة للإغراء ، كانت فاتن حمامة تجيد التمثيل وترفض القبلات وهو أمر كان يتماشى بشدة مع أخلاقيات تلك المرحلة ، حتى أن مشهد القبلة الأول الذي وافقت عليه في فيلم صراع في الوادي مع عمر الشريف مثل صدمة لجمهورها .

بجوار فاتن حمامة لمعت عدة أسماء بعضها انطفئ كومضة كزبيدة ثروت ولبنى عبد العزيز بينما كان من الصعب أن تجد مريم فخر الدين مكانا كفتاة أحلام رغم جمالها الساحر في تلك الفترة بسبب عيونها الخضراء وشعرها الأشقر والأمر نفسه ينطبق على نادية لطفي ، ففي الخمسينات والستينات ، كانت الهوية المصرية قد عادت مرة أخرى للظهور بشكل واضح وحاد وهو الأمر الذي رفع أسهم سعاد حسنى ببشرتها السمراء وجسدها النحيل المضبوط على الأفكار الثورية لمثقفي تلك الفترة فضلا عن تقديمها لدور الفتاة التي لا تخشى مواجهة العالم ولا تخبئ أنوثتها ، كانت ملاذا لأحلام اليساريين في تلك الفترة ، تحديدا من رفضوا عسكرة الفترة وعانوا من أحلام مجتمع أكثر بساطة، يمكن اعتبار فاتن حمامة أشبه باشتراكية عبد الناصر الجامدة بينما مثلت سعاد حسنى أحلام معارضيه في تمردها العفوي وضحكتها القادرة على اختراق القلب .لكن المجتمع الذي استطاع أن يحتفي بفاتن وسعاد علنا  كحبيبة عشق هند رست وشويكار سرا كخليلة ، كان مجتمعا يحلم بالانجاز ويخشى من إعلان نزواته وحبه لجسدين متفجرين كجسدي هند وشويكار . يرى الناقد الفني أحمد يوسف أن صورة فتاة الشاشة أو فتاة الأحلام هي انعكاس للمرحلة التاريخية التي تظهر فيها تلك الفتاة وتمثل نوعا من الحلم الجماعي للجيل المواكب لها ويضيف يوسف أن فتاة الأحلام تنقسم عادة إلى صورتين متناقضتين تعكسان انفصاما حادا في الوعي الذكوري الشرقي فالسينما قدمت على مدار تاريخها نوعين من فتيات الأحلام أحدهما يصلح كزوجة في البيت والآخر يصلح كي تصطحبه إلى جارسونيرة فالنوع الأول بريء سلبي والثاني شهواني ويتخير رجاله كهند رست وهدى سلطان ، لأن الرجال دوما يحلمون بنوعين متناقضين من النساء حتى ظهرت سعاد حسنى التي جمعت بين الحلمين المتناقضين فقد جمعت بين البراءة والشقاوة وتخطت نموذج فاتن حمامة النمطي ، فسعاد قدمت صورة الفتاة القادرة على الوقوف ضد التيار وأخذ حقها بيديها ويدلل يوسف بذلك على جملتها الشهيرة في فيلم ” خلى بالك من زوزو “وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا كدهوه “يتابع يوسف قائلا أن النموذج المقدم الآن لفتاة الأحلام يناسب المرحلة التي نحياها فهي مرحلة بدون ملامح لذا ففتاة أحلام هذا العصر بدون ملامح ،تقدم كسلعة وتشبه عرائس الماريونيت وهى مفارقة بين ما يؤكده الكلام الرسمي لسوزان مبارك عن دور المرأة في المجتمع وبين تهميشها في الوجدان الشعبي الجماعي فجميع فئات المجتمع بمن فيهم النساء يحملون رغبة خفية في عودة المرأة إلى خلفية المشهد ،ففي الستينات كان الجميع يعمل لأن الدولة كانت توظف مواطنيها فور تخرجهم أما الآن مع ظروف الحياة وانتشار البطالة يرغب البعض في عودة النساء إلى البيت كي لا يزاحموهم في فرص العمل أو أصحاب النظرة الأصولية الذين يرغبون حجب المرأة ونفيها ، كما أن ضغوط الحياة في ظل هذا العصر جعلت العديد من النساء يتمنين الراحة والعودة إلى البيت ، يعود يوسف ليؤكد أن فتيات أحلام هذا الزمان لا يملكون ملامح خاصة أو مذاق تجعلنا نشتاق إليهن في حالة غيابهن كما حدث مع سعاد حسنى عندما توقفت عن التمثيل فالناس شعرت باشتياق حقيقي لها ولازالت حاضرة بيننا حتى الآن .


بعد النكسة مباشرة ومع الثلاث سنوات الأولى لفترة حكم السادات وبدء فترة اللا حرب واللا سلم ، ظهرت حالة من الميوعة واكبها صعود نجلاء فتحي وميرفت أمين في ردة لا مبررة إلى الجسد ذو المذاق الأوروبي بل الجسد التركي تحديدا ، كان انسحابا كاملا لمجتمع مهزوم ، كانت بداية التخلي الحقيقية عن فكرة الريادة المصرية مع النكسة ، انسحب النجوم إلى تركيا ولبنان ،شاركوا في أفلام مبتذلة تعرى الجسد دون هدف لأن الوقت كله بدا بلا هدف  ، كانت الأفلام التركية تحديدا عودة غريبة إلى نقطة البداية التي ناضل رموز حركة التنوير على الانعتاق منها ، المزاج العثمانلى حيث الأنثى جارية وسلعة ، مع انحسار موجة تلك الأفلام صعد أبناء الانفتاح ، السمكري والمكيانيكى والنقاش ليحدد مزاجهم السفلى إطار فتاة الأحلام ، أول من انتبه إلى ذلك المزاج وقدمه كان عادل إمام حيث تخلت المرأة عن رشاقتها لتقدم نموذج المرأة الشعبية الغاوية ممتلئة الجسد ، ثم انتشر ذلك النموذج في أفلام المقاولات لتعلى من شأن جسد كجسد هياتم ، ممتلئ وسوقي وممتلئ بالرغبة ، في التسعينات استمر هذا النموذج في الصعود لتتخلى كل من الهام شاهين عن رشاقتها ويسرا عن شياكتها ويرتفع شأن بدانة جسد ليلى علوي المثير ، لكن ظل نجاح نادية الجندي ظاهرة غريبة فرغم تحقيق أفلامه لإيرادات عالية إلا إنها كانت مكروهة على المستويين الشعبي والرسمي ، ظلت نادية في مكانها العشيقة السرية الملعونة والمحتفى بها خفية ، وهو الأمر الذي لم يتغير من عصر منيرة المهدية إلى تلك اللحظة ، فالتناقض في الشخصية المصرية في تلك النقطة ظل ثابتا وعميقا ربما نجح عصام زكريا الناقد الفني في محاولة تفسير سر هذا النجاح إلى حظيت به نادية الجندي عندما أوضح أن أول من قدمت اللغة الحقيقة لأبناء هذا العصر الذي لم يفهم سوى الثروة والإغواء والجسد السهل الذي إذا تمنع أشعل الرغبة أكثر

كان لظهور منى زكى وحنان ترك في نهاية فترة التسعينات وبداية الألفية الجديدة دليلا على ظهور جديد مل 20 عاما من الرموز البائدة التي لم تتغير في كل المجالات بدءا من حسنى مبارك وحسام حسن والجوهري والشعراوي وعادل أمام ونادية الجندي ، كانوا يحتكرون كل شيء تقريبا السياسة والفن والدين والسياسة والشهرة والنجاح .

كسر الاحتكار بدأ ضعيفا وخائفا تماما كجسدي منى زكى وحنان ترك الهشين ، لكنه بدا أيضا مهزوما في ظل انفجار عشرين عاما من الجوع الجنسي الذي سببه الفقر وارتفاع تكاليف الزواج في بلد تعانى من البطالة والخواء ، لتظهر موجة العرى من جديد مغلفة في أكثر الصور رومانتيكية نانسي وإليسا لتنفتح البالوعة عن أجساد لا تملك موهبتي نانسي وإليسا في الغناء لكنها تملك ما لا يمكن لنانسي وإليسا منافسته . أما المخرج يسرى نصر الله فيرى  أن هناك تناقض بين حال المرأة الفعلي وبين ما يقدم عنها فأغلب البيوت تعتمد على عمل المرأة ولكن لازالت السينما و الكليبات تخشى تقديم ذلك النموذج للفتاة الحرة والمعاصرة المثقفة التي تبنى المستقبل مع الرجل  لأنه يعتبر خروج المرأة للعمل وقدرتها أن تصرف على البيت إهانة لوعيه الذكوري ، ثم تحدث نصر الله أن سينما الانفتاح قدمت نموذج للمرأة القادرة على صنع علاقة ندية مع الرجل ولكن في إطار مدان اجتماعيا فقدمتهن في صورة العاهرات ، قدمت المرأة كسلعة ولأن النساء لا يردن أن يصبحن سلعة فقدمت العقول الأصولية حلا آخر هو أن تنفى تماما وتهمش ، فهي إما للبيع أو للعزلة وأشار نصر الله إلى أفلام نادية الجندي الناجحة رغم أن الجمهور والنقاد كانوا يلعونها ويتذكر مندهشا أن أغلب رواد أفلام نادية الجندي من النساء ويفسر يسرى ذلك بأن نادية الجندي كانت تقدم نموذج المرأة القادرة على التحكم بالرجال ، بينما من يشاهدونها في الأغلب يعيشون حالة من القهر على كافة المستويات ويتابع نصر الله لازالت أيضا ذلك الزحام على مطربات الكليبات غير مبرر خاصة أنهن متشابهات جدا ويقدمن صورة نمطية ، لكن المزعج هو أن هؤلاء المتهافتين هم أول اللاعنين لهن وهو تناقض غريب ، ويرى نصر الله أن مطربات الكليبات يمثلون لمشاهديهم سلعة داخل فاترينة يمكن الفرجة عليها ولكن من الصعب لمسها ، بينما السينما تقرب الشخصيات أكثر .

الابتذال التام والعرى لمجرد العرى ، النجاح عن طريق أي شيء ، الشيء الايجابي الوحيد هو قدرة البعض على الإفصاح عن حبهم لتلك الأجساد ، وحتى من ظلوا يلعنون ويسبون في العلن ، لم يشاهدوا في الخفاء ، بل فتحت تلك الأجساد أبواب الرزق للمقاهي والكافيهات التي لا تغير المحطة أبدأ عن قنوات الكليبات العارية ، وظلت في خدمة جيل كامل يعانى من الجوع الجنسي والبطالة واليأس من تغيير حكامه .

الشاعر إبراهيم داود يرى أن فتاة الأحلام صارت شبيهة بهذا الزمن الذي نعيشه ويقول : تنظر إلى فتيات الأحلام فقط ،انظر إلى رؤساء مجالس إدارة الصحف ، ووزراء مبارك ،كل شيء في هذا العصر تحول إلى ما يشبه الفراخ البيضاء بلا طعم ، يضيف داود قائلا : نحن نعيش في زمن ماسخ ، وفتيات أحلام هذا الزمان أشبه بعرائس المولد ،جميلات من الخارج لكن بدون حرارة .