مروة سالم تقرأ لكم أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة :

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

  • الفيلم الروماني” وداعة “.. رؤية تراجيدية لسقوط العالم

  • اكتساح الفيضان و غرق القرية في نهاية الأحداث صورة رمزية لسقوط المجتمع بعد أن أختل ميزان العدل به و انعدمت المبادئ

كتبت – مروة سلامة :

بعيدا في أحدي الفري الرومانية البسيطة و التي تبعد كثيرا عن العاصمة ، حيث الحياة الهادئة و البدائية التي تخلو من أي مظهر من مظاهر الترف ، تقع أحداث فيلم “Meekness” أو ” وداعة ” للمخرجة الرومانية ” كاتالين أبوستول ” الفيلم يحاول استكشاف  الوجه الآخر للحياة في تلك القرية و التي تخفي وراء هدوءها بركان خامد .

تدور الأحداث حول “دوميترو” الطبيب البيطري الذي كان يعيش حياة هادئة مستقرة إلا أن حياته تنقلب رأسا علي عقب بعد أن قتل طفلا بطريق الخطأ ، فيتحول بعد تلك الحادثة إلي إنسان مستضعف و مهان من سائر أهالي القرية ، و يزيد الأمر سوءا إصابته بالخرس .

تسير أحداث الفيلم في خطين متوازيين : الأول نتابع من خلاله محاولة قتل الشاب “كوستيل” ، و علاقة الطفل “مارينسيا” بالعجوز “دوميترو” . و الخط الثاني يرصد أحداث الفيضان و خوف أهالي القرية من وقوع فيضان جديد. كل هذا من  خلال شرائح عمرية مختلفة تمثل نماذج لجميع سكان القرية وجميعهم  يتعرضون للظلم من قبل من يعيشون حولها و جميعهم متمسكون  بالقيم لأخر لحظة و يدركون أن هذا سبيلهم الوحيد للنجاة . يفتتح المخرج فيلمه بمحاولة قتل “مارشان” للشاب “كوستيل” بعد أن حاول منعه من سرقة المؤن و الملابس لصالح ابن عمه “باردالين” الذي يعمل في أعمال غير مشروعة ، و من خلال هذه الجريمة تكشف المخرجة عن الظلم الواقع علي هذا الشاب الشريف ، لاسيما بعد أن أعطي “باردالين” الشرطي رشوة حتى ينهي التحقيق لصالح ابن عمه و يثني “كوستيل” عن اللجوء للقضاء لينتهي الأمر في النهاية لصالح المجرم و كأن شيئا لم يكن ، ليقف المجني عليه عاجزا لا يقدر علي أن يسترد حقه ، بينما الجاني حر طليق . علي صعيد آخر حكمت المحكمة لدوميترو  بالبراءة إلا أن أهالي القرية لم يقتنعوا بهذا الحكم ، و حكموا عليه بالموت و هو علي قيد الحياة و أفسدوا حياته ، فأصبح يعمل كعامل نظافة في حانة صغيرة و يتعرض للضرب و التوبيخ من الجميع .

العلاقة الإنسانية بين العجوز “دوميترو” و الطفل “مارينسيا” نسجت بشكل راق و حساس للغاية ، فهو أب حرم من ابنه الذي هاجرت به أمه بعد الحادثة ، و الطفل حرم من والده الذي كان صديقا لذلك العجوز و يري فيه صورة أبيه و تصرفاته ، و كلاهما يحتاج إلي الآخر . و العجيب أن هذا الطفل هو الوحيد الذي يجيد التعامل مع هذا العجوز الفاقد للنطق ، فالمخرجة تشير من خلال هذا الطفل إلي الفطرة التي لم تلوث ، فالرحمة تعرف طريقها للقلب إذا امتلأ بالصفاء . ويكسب المعنى مصداقية أداء كلا منهما ، فذلك الطفل لم يخفت نجمه أمام ذلك الممثل الكبير حتى أن صوته كان معبرا و حساسا يجعلنا نشعر بإحساسه في الموقف الدرامي الذي يجسده و إن لم نلتفت إلي الترجمة .

استغلت المخرجة وقوع عدد من الفيضانات بالفعل في رومانيا، و اتخذت منها مدخلا تعكس من خلالها حالة انهيار الأخلاق و المبادئ و انعدام الرحمة و غياب العدل في هذا المجتمع الذي يعد نموذجا مصغرا للعالم.فالجميع يترقب حدوث الفيضان و يتابع أخباره من خلال وسائل الإعلام ، و الأكثر من ذلك أنهم يشاهدون في النشرات خبر غرق بعض الفري المجاورة دون أن يتخذوا أي خطوات إيجابية ، حتى المسئولين لم يأخذوا أي قرار إلا قبيل وقوع الكارثة ، و بالتالي فإن اكتساح الفيضان و غرق القرية في نهاية الأحداث صورة رمزية لسقوط المجتمع بعد أن أختل ميزان العدل به و انعدمت المبادئ .

تنتقل الكاميرا بين ثلاث أماكن ثابتة علي مدار الفيلم، باستثناء بعض المشاهد القليلة مابين الكنيسة المطلة علي النهر ،و التي طمست معالمها و لم يبق منها سوي رتوش لملامح بعض الشخصيات المقدسة لتبدو كالأطلال . و بين منزل الصغير، و الحانة التي يجتمع فيها رجال القرية و الشرطي، لنرصد أوضاع الناس هناك.

ولعل أهم ما يميز الفيلم هو أنك تشعر بأنه فيلم من بلدك مهما كان موقع بلدك علي الخريطة ، فلقد أستطاع “أبوستول” من خلال فيلمه أن يتجاوز الحدود بين الدول بعرضه للمشكلات بعمق و ساعده علي ذلك لغة الحوار التي قربت الصورة من النفوس و الأذهان . فتجد نموذج الشرطي الذي كان يعمل في العاصمة و تم نقله للريف بسبب كثرة فضائحه لأنه مرتشي ، و طريقة معاملته للمجني عليه “كوستال” و تهديده له بأنه لن يضمن له السلامة إذا استمر في المطالبة بحقه بشكل قانوني ، و كيفية تستره علي الجريمة . و حوارهما المعبر عن حرقة قلب المظلوم لنجده يصرخ قائلا :

” مش هسيب حقي حتى لو وصل الأمر أني أروح لرئيس الجمهورية ” وكأنك نعيش في إحدى قرى الصعيد المظلومة . كما تنعكس الطبيعة العالمية للفيلم من خلال الرؤية الغيبية للأحداث و كيفية تعامل البعض مع الكارثة فنجد سيدة تقول: ” أن عليهم أن يصلوا و يدعوا الله لأن يرفع عنهم البلاء “.

من ناحية أخري يظهر المخرج انعكاس هذا الفساد الأخلاقي علي الجيل الجديد من الأبناء ، فهي دائرة مفرغة فالأبناء ترث من أبائها كل شئ حتى الأخلاق ، فنجد الطفل يروي له أن ابن شقيق المدير سرق نقودا من حقيبة المعلمة ، و رغم علمها بذلك لم تعاقبه ، فهذا الطفل ضربه ، و لكنه لم يخبر المعلمة مبررا ذلك بأنها لم توبخه عندما سرقها ، فهل ستتحرك لترد له حقه .

فيلم “وداعة” يؤكد علي أن السينما الرومانية الجديدة  استطاعت أن تخلق أجواء فريدة  لترصد الواقع ليس المحلي فحسب بل العالمي أيضا  دون زيف أو خداع . جدير بالذكر أن الفيلم يعرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية..