فيلم ” الجامع ” المغربي.. عندما يتحول الدين إلى ديكور.. ويصبح الديكور دينا

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

  • الفيلم يدور حول أزمة فقير أجر أرضه لبناء ديكور جامع لفيلم.. فحوله الناس لمسجد حقيقي تم استغلاله من الجميع
  • أهالي القرية حولوا معركة الجامع إلى قضية رئيسية ونسوا صاحب الأرض.. والسياسيون استغلوه لتغييبهم

كتبت : مروة سلامه

ما أصعب أن تتحول اللعبة إلي حقيقية بسبب الجهل ؟ . و ما أقسي أن يفرض عليك أحد واقعا لم تستطع التخلص أو الفرار منه لمصلحته الشخصية ؟ . و ما أسوأ أن يتلاعب البعض باسم الدين و هو برئ منهم ؟ .

هذا ما يناقشه الفيلم المغربي ” الجامع ” أحد أفلام المسابقة العربية بمهرجان القاهرة السينمائي. الفيلم يعد امتدادا لفيلم ” في انتظار بازوليني ” للمخرج المتميز ” داود أولاد السيد ” ، و الذي دارت أحداثه و تم تصويره في المكان نفسه و بنفس طاقم العمل ، فأحداث الفيلم  تقع في مدينة ” زاكورة ” و بالتحديد قرية ” ورزازات ” . ليرصد المخرج الواقع الذي يعيشه أهالي هذه المنطقة التي شهدت إقبالا شديدا في الفترة الأخيرة من قبل شركات الإنتاج الأجنبي و المغربي أيضا لتصوير أعمالهم السينمائية بها ، فمعظم أهالي القرية يقومون بإيجار أراضيهم لهذه الشركات . و علي الرغم من إتاحة العديد من فرص العمل و زيادة الدخل للسكان إلا أن هناك جانب سلبي خطير وراء عملهم بهذا المجال حيث أنهم تركوا عملهم بالزراعة وألقوا كل شئ وراء ظهورهم ليتفرغوا للعمل في السينما ، فلم يعد للكثير منهم سوي الظهور في أدوار ثانوية أو ككومبارسات في الأفلام بعد أن أصبح هذا العمل مصدر الدخل الوحيد لهم .

تدور الأحداث حول ” موحا ” الذي يقرر أن يؤجر أرضه لأحد شركات الإنتاج السينمائي لتصوير فيلم ” في انتظار بازوليني ” و هنا يظهر المخرج ” أولاد السيد ” بشخصيته الحقيقية ، فيبني عليها ديكور جامع ليستعين به في فيلمه ، و هنا تكمن المشكلة فبعد انتهاء التصوير يتم هدم جميع الديكورات ماعدا ديكور الجامع ، الذي حوله إمام القرية إلي جامعا حقيقيا لمصلحته الخاصة ، و هذا ما جعل البطل في مأزق حقيقي بعد أن أصبح من الصعب أن يسترد حقه . و يلقي ” موحا ” اللوم علي ” أولاد السيد ” بعد أن ضاق ذرعا من العمل بالسينما التي لم تجلب له سوي المشاكل علي الرغم من حبه الشديد لها ، فلقد حذره ” موحا ” من قبل بأن الناس يدخلون للصلاة في الجامع أثناء التصوير ، إلا إنه كان يسخر منه و يضحك علي هذا الكلام غير المقبول لأن الجامع لم يكن سوي قطعة ديكور .

تتوالي محاولات ” موحا ” لاسترداد حقه في الأرض ، إلا أن إمام الجامع الوهمي يحرض الناس عليه ، فأصبحوا يترددون علي الجامع للصلاة بعد أن اقتنعوا تماما بأن هذا جامعا حقيقيا و ليس أحد الديكورات السينمائية و بالتالي أصبح هدم الجامع أمرا مستحيلا ، فكيف له أن يهدمه ليسترد مجرد قطعة من الأرض ؟ . فكلما ذهب إلي أحد ذكره بالثواب الذي ساقه الله إليه بفضل هذا الجامع، و عن الآخرة حتى و إن كان هذا كل ما يملك هو و أبناءه في الدنيا. فالكل نسي أنه لم يكن جامعا و إنما قطع خشبية استغلت في السينما ، حتى أنه أصبح مزارا سياحيا للأجانب الذين أتوا إلي تلك القرية البعيدة حتى يروا ذلك الديكور الذي تحول إلي جامعا حقيقيا ، و في صورة كوميدية ساخرة يصور المخرج إمام المسجد الوهمي و هو ينظر بدهاء إلي جماعة من الأجانب و قد ملئ الطمع عينه ، فما أن يراهم يجري ليدخل إلي الجامع ليرتدي زي الجنرال الروماني الذي ظهر به في فيلم ” في انتظار بازوليني ” ، و يتسابق الأجانب للوقوف إلي جواره و التقاط صور تذكارية معه . لم تكن شخصية إمام الجامع الشخصية الوحيدة التي تتمتع بالانتهازية في الفيلم فتظهر أيضا شخصية السياسي مرشح المجلس الذي يستغل إمام هذا الجامع في الوصول إلى أكبر عدد من المصوتين. صور “داوود ” هذه الشخصية تصويراً حقيقيا تماما ًكما نراها في أرض الواقع.

” أولاد السيد ” مخرج يجيد تماما تطويع و توظيف مفرداته السينمائية لخدمة و إثراء فيلمه ، فلم يدع شئ يظهر في أفلامه إلا بغرض معين ، إلا إذا استخدم تلك اللقطات الطويلة التي يستعرض بها الأماكن الطبيعية الخلابة رغم بساطتها ، فمعظم مشاهد الفيلم خارجية تم تصويرها بشكل أضفي متعة بصرية للمشاهد . فعلي سبيل المثال يبدأ الفيلم باستعراضه للقرية و هو يتجول بسيارته باحثا عن ” موحا ” ، و يستمع إلي الراديو الذي ينبعث منه خطابا حول الدفاع عن القدس الشريف في إشارة منه إلي أن أهالي القرية يدافعون عن عدم هدم الجامع و كأنهم يدافعون عن القدس و نسوا أنه مجرد ديكور .

ولأن ” أولاد السيد ” يدرك المناخ الذي خرج فيه الفيلم فإنه كان حريصا على التأكيد على أن الهدف من فيلمه هو السخط على تحويل الدين لمجرد ديكور .. أو تحول الديكور والمظاهر إلى رمز للدين وذلك من خلال شخصية الشيخ ” سلام ” الواعي القوي الذي يعرف مبادئ و تعاليم الدين جيدا ، فهو الوحيد الذي يقف مع البطل دون أي مصلحة أو أغراض أخري دون أن يخشي في الحق لومة لائم ، فنجده يقود الجرافة بصحبة ” موحا ” ليهدم هذا الديكور بالقوة ، فيقف في وجه مقدم الشرطة و الإمام المزيف و يخبرهم بأن الصلاة في هذا المكان باطلة لأنه لا ينطبق عليه الشروط الشرعية للمساجد ، لأنه لم يكن جامعا من الأساس و إنما بني لغرض استغلاله في السينما و انتهي هذا الغرض و بالتالي عليهم رد الحقوق لأصحابها ، كما أن الصلاة في هذا الجامع باطلة لعدم توجيه الصومعة نحو القبلة . لكن المقدم يستغل سلطته و يمنعه من الهدم .

” الجامع ” حاز جائزة الإنتاج من مهرجان ” أيام قرطاج “،كما أنه حصل علي جائزة (سينما في حركة) في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي بإسبانيا، والجائزة الذهبية (بايار دور) لأفضل سيناريو في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم الفرانكفوني بنامور ببلجيكا .

فكرة الفيلم بسيطة و لكنها عميقة في الوقت نفسه ، فلقد ألقي المخرج الكرة أمام المشاهد ، ليضحك و يحزن علي حالة الجهل التي أصابتنا حتى أصبحنا فريسة لذوي المصالح الذين يستغلون هذا الجهل ، فيخرج المشاهد و هو في حالة غريبة ليعيد ترتيب أفكاره و يراجع نفسه و ما يدور حوله دون  مواعظ سئمنا  منها أو فذلكة فارغة .