دكتور.محمد محفوظ :المؤلفة جيوبهم.. أبجديات الفساد في مصر

ذهب المعز وسيفه ، تلك الثنائية البغيضة التي تم توظيفها على مر العصور ، لتوطيد أركان إمبراطوريات وممالك وإمارات وجمهوريات القهر والاستبداد .
فدائماً كانت المنفعة المادية؛ نقدية كانت أم عينية (أموال – عقارات – أراضى.. الخ ) هي السهم الناجز لتأليف الجيوب وتخدير الذمم. بينما كانت القوة المادية ( أمنية كانت أم عسكرية ) هي الرمح النافذ لترويع القلوب وإخراس الألسنة.
فبالذهب يتم تأليف الجيوب ، وبالسيف يتم ترويع القلوب . قد تختلف المسميات باختلاف المكان والزمان ؛ ولكن يظل المعنى واحداً ، فما يساوى الذهب وما يشبه السيف ، كانا هما دائماً اليد اليمنى واليد اليسرى لأي نظام لا يستمد شرعيته من الشعب .
ولأن السيف – كان ومازال – يتم التلويح به  أو استخدامه في العلن؛ وفى مواجهة الأكثرية ( الشعوب المقهورة )، لذلك فإن أساليب القهر مهما تعددت وتنوعت؛ كانت دائماً لا تخفَى على أحد لأنها تتم في المواجهة.
بعكس الذهب الذي يتم منحه في الغرف المغلقة وخلف الأسوار والأستار، ولذلك يغيب عن الناس دائماً الأساليب التي يتم ابتكارها لكبش الذهب وهبشه؛ لتوزيعه على المؤلفة جيوبهم ( كبار أهل النظام والحكم والسلطة ) .
وتمثل مصر باعتبارها دولة مركزية عريقة ؛ نموذجاً جديراً بالدراسة في مجال تأليف الجيوب . ويمثل نظام مبارك الطبعة العصرية ؛ التي تتيح التعرف على أساليب توزيع المنافع المادية ؛ لتأليف جيوب رجال ونساء دائرة الحاشية الرئاسية .
ويتمثل الأسلوب الأول لتأليف الجيوب في ما يسمى ؛ تخصيص ( البدلات ) . تلك البدلات التي تتيح لشاغلي المناصب القيادية في أجهزة الدولة ؛ أن يحصلوا على عشرات ومئات أضعاف مرتباتهم بأساليب شرعية ( على الأقل من الناحية القانونية الشكلية ) .
فعلى مستوى الوزراء يحصل الوزير ومستشاريه ورجاله المقربين على بدلات من كافة القطاعات التابعة لوزارتهم ، في صورة مكافآت وحوافز وبدلات حضور اجتماعات ولجان وبدلات سفر ومأموريات وبدلات إشراف على مشروعات وصناديق فئوية ومؤتمرات ومهرجانات ، إلى آخر قائمة طويلة من البنود ؛ التي تشبه قائمة نجيب الريحاني في فيلم : أبو حلموس ؛ عندما أثار إعجاب ناظر الوقف الضلالي بقدرته على فبركة مصروفات وهمية تتعلق بذبح خاروف ( جردل لزوم دبح الخروف – حبل لزوم تكتيف الخروف – أجرة جزار لدبح الخروف – خرطوم لتنظيف المكان بعد ذبح الخروف .. الخ ).
هكذا بالضبط يتم إدارة المال العام في ظل نظام مبارك ، بحيث يحصل كبار المسئولين الحكوميين بكافة القطاعات – وزراء ؛ رؤساء هيئات أو مصالح ؛ رؤساء مجالس إدارة ؛ وكلاء وزارة ؛ مساعدو الوزراء –  على ثروات طائلة من مناصبهم العامة ( وكله بالورقة والقلم وباستمارات رسمية ) .
ولقد ذهل البعض عندما تم الكشف عن البدلات التي كان يحصل عليها رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام ورئيس تحرير جريدتها الأسبق ؛ والتي كانت تصل إلى ما مجموعه  3 مليون جنيه شهرياً .
كما انذهلت أنا شخصياً أثناء عملي بوزارة الداخلية ؛ عندما علمت أن من يتقلد منصب مدير الأمن – بأي محافظة – يتقاضى شهرياً من بند الحوافز والبدلات على ما يتراوح من 50 ألف إلى 100 ألف جنيهاً ، وذلك طبقاً لمدى اتساع دائرة محافظته وموقعها في هرم الإنفاق الحكومي .
كما ذهلت عندما علمت أن بعض مساعدي وزير الداخلية يحصلون على بدلات تتجاوز الـ 250 ألف جنيهاً شهرياً من القطاعات الخاضعة لإشرافهم .
يحدث هذا في وزارة الداخلية التي هي وزارة خدمات ، لا توجد بها موارد إلا من الرسوم التي يدفعها المواطنون لاستخراج بطاقات الرقم القومي أو جوازات السفر أو تصاريح العمل بالخارج أو تراخيص السيارات والسلاح أو الرسوم التي تدفعها الشركات أو بعض الجهات لخدمات التامين بأجر مثل ( تأمين شركات البترول والقنصليات والسفارات والبنوك وعمليات نقل المفرقعات والأموال .. الخ ).
فما بالنا بما يحدث في قطاعات الموارد ؛ مثل وزارة البترول التي تدير موارد الثروة البترولية والمعدنية التي تقدر سنوياً بالمليارات . أو مثل هيئة قناة السويس التي تقوم بتحصيل رسوم عبور القناة التي تبلغ المليارات . أو مثل قطاع البنوك العامة التي تكتنز مدخرات جموع المصريين التي تقدر بمئات المليارات . أو قطاع الضرائب الذي يجمع الحصيلة الضريبية من الأنشطة الصناعية والتجارية والمهنية ومن دخل العاملين بالقطاع العام والخاص.. الخ ، تلك الحصيلة الضريبية التي تقدر بعشرات المليارات .
إنها كعكة ضخمة ( تورتة ) مكتنزة بالفواكه والكريم شانتيه والشيكولاته والكراميل ، يغترف منها – العاملين عليها – المتحكمين بهيئات وقطاعات أجهزة الدولة ؛ عشرات ومئات أضعاف مرتباتهم بموجب استمارات رسمية لا تدخل ضمن بند المرتبات بل هي مجرد مكافآت وحوافز وبدلات .
ولأن الشئ بالشئ يُذكر ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل رأس النظام له نصيب هو الآخر من كل تلك البدلات المنصرفة من كافة قطاعات الدولة ؛ التي هي جميعاً بموجب الدستور والقانون تابعة لرئاسته ؟ بالقطع لا أملك الإجابة على هذا السؤال ؛ لعدم توافر المعلومات ؛ ولأنه يظل دائماً بعض الظن إثم !!!
أما الأسلوب الثانى لتأليف الجيوب ، فهو مكرس لرجال وسيدات النظام أصحاب شركات القطاع الخاص ( طبقة رجال وسيدات الأعمال الصناعية والتجارية والمالية .. الخ ) ، وهؤلاء يتم تأليف جيوبهم من خلال تخصيص الأعمال أو الأراضى . وبالطبع الأعمال المقصودة هي مشروعات الدولة ؛ والأراضى الموصوفة هي أراضى الدولة ؛ أو بالأحرى مشروعات وأراضى الشعب .
ويتم تخصيص تلك المشروعات والأراضى وفقاً لإجراء مألوف ؛ هو التخصيص بنظام ( الأمر المباشر ) ، ذلك الإجراء  الذي يتم اتخاذه بالمخالفة للقوانين . ولعل مشروعا ( مدينتى وبالم هيلز ) ؛ نموذج معاصر واضح فاضح جارح صارخ يوضح نصيب المؤلفة جيوبهم ( من رجال وسيدات النظام غير الحكوميين ) من الكعكة المكتنزة ، حيث ملايين الأمتار المكعبة من أراضى الشعب يتم تخصيصها – بأقل من سعر التراب الذي عليها – لتأليف الجيوب بدم بارد وقلب جامد وعين يندب فيها رصاصة .
وربما يتبادر إلى الذهن نفس التساؤل : هل تأليف جيوب بعض رجال وسيدات الأعمال – بالأراضى والمشروعات التابعة للدولة – يتم دون تجنيب نسب معلومة للقائمين على الأمور في أحهزة الدولة ؛ من باب أن ( طباخ السم بيدوقه ) ؟ ولكننا لا نملك أيضاً الإجابة على هذا السؤال ؛ لأن بعض الظن مازال إثماً ، ولأن الظن ما يزال لا يغنى من الحق شيئاً !!!
إذن ؛ من الواضح أن تكوين حاشية للنظام تواليه وتمتثل لأوامره وتدافع عن وجوده وبقاءه ؛ هو الهدف من استنبات طبقة ( المؤلفة جيوبهم ) . لأنه ماذا يمكن أن نتوقع من مسئول حكومى يتقاضى بدلات تساوى مئات أضعاف مرتبه إلا تنفيذ التعليمات مهما خالفت القانون واجترأت على الدستور .
وماذا نتوقع من رجال وسيدات أعمال تواطئوا مع المسؤلين الحكوميين ليخصصوا لهم أراضى ومشروعات الدولة ؛ إلا أن يمثلوا قاعدة للنفوذ والاحتكار والغش والجشع ، فيكدسوا المليارات التي تجعلهم يسبحون بحمد النظام ويروجون له باعتباره راعى الاستثمار ومحرك التنمية . وبحيث تصبح هذه المليارات تحت طلب النظام لتلميعه وقت الانتخابات المزورة لإضفاء الشرعية الكاذبة عليها . وبحيث تصبح نواة لبناء مؤسسات مستقلة شكلاً ولكنها تابعة للنظام في المعنى والمبنى . وبحيث يكونوا حليف النظام غير الحكومى الذي يتحكم بأرزاق قطاعات عريضة من الشعب تعمل بالقطاع الخاص ؛ فيسهل الضغط على تلك القطاعات للتأثير على ولاءها أو على الأقل ضمان عدم تمردها .
إنها حلقة كريهة ؛ تنغلق على نفسها لتخدم هدف تكوين طبقة من المؤلفة جيوبهم بذهب المعز ؛ الذي هو في واقع الأمر وحقيقته ذهب الشعب وأمواله وأراضيه ومشروعاته وأصوله وموارده .
إنها دائرة جهنمية من ( النهب المنظم ) ؛ تحكمها قاعدة : سلم واستلم ، سلم ضميرك واستلم ثمنه ، تنكّر للدستور والقانون وامتثل للأوامر والتعليمات . نهب منظم تمارسه أجهزة ومؤسسات الدولة بكافة مستوياتها ؛ لتثبيت دعائم وأركان كرسى الحكم ؛ بالمخالفة لأحكام الدستور التي تحمى المال العام .
المادة ( 23 ) من الدستور تنص على : ( يُنظم الاقتصاد القومى وفقاً لخطة تنمية تكفل .. ضمان حد أدنى للأجور ووضع حد أعلى يكفل التقريب بين الدخول ) . فأى تقريب للدخول تمارسه دولة المؤلفة جيوبهم ؛ عندما تكون البدلات الممنوحة للمناصب القيادية  بأجهزة الدولة تساوى مئات أضعاف مرتباتهم .
كما تنص المادة ( 33 ) من ذات الدستور المقهور على : ( للملكية العامة حرمة وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقاً للقانون) . ولكن أى حرمة تصمد أمام من استحلوا كل الحرمات ؛ وذاقوا طعم لحم هذا الشعب المسكين ؛ وخصصوا أراضيه ومشروعاته للمؤلفة جيوبهم من رجال وسيدات الأعمال .
نحن إذن أمام جريمة مكتملة الأركان لنهب أموال وأصول وموارد الشعب . ولكن الأمر الذي يدعو للاستغراب هو أن لدينا جهازاً رقابياً لرقابة المال العام ؛ يعمل به 12 ألف موظف ؛ يُسمى الجهاز المركزى للمحاسبات . فهل لايملك هذا الجهاز برنامج كمبيوتر واحد( سوفت وير ) ؛ يتيح له تتبع مجموع البدلات التي يحصل عليها كبار المسئولين بالدولة لتأليف جيوبهم ؟
وهل لم يكن يعلم الجهاز بمخالفة الدولة للقانون ؛ في عقدى مشروعى مدينتى وبالم هيلز . وإذا علم ولم يقم باتخاذ الإجراء القانونى المناسب ؛ فما هي قيمة وجوده إلا استنزاف ميزانية الشعب للصرف على 12 ألف موظف وجودهم مثل عدمه !!!
إنها – وبكل المرارة – أجهزة رقابية ورقية ؛ وأبنية تبدو شامخة ولكنها مخوخة تخلو من المضامين ؛ ترأسها قيادات رقابية تعرف كيف تصنع الفرقعات الإعلامية ؛ بينما تطرمخ على القضايا الحقيقية التي تمس مصالح الشعب . مجرد ديكور رقابى – ربما وبكل الأسف – ينال نصيبه هو الآخر من كعكة ( المؤلفة جيوبهم ) .
بسم الله الرحمن الرحيم
( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) صدق الله العظيم (البقرة – 188) .