هويدا طه :التنوير هو الحل (3).. هواجس الكـُتاب

** بعد أن بدأت في مقالين ماضيين الكتابة عن الحلم بمشروع كبير يهدف إلى “تحرير العقول” أو تحرير العقل المصري.. ومن حقي أن أحلم.. قابلني أحد القراء وقال بود ولطف:” أنا والله بحب أقرالك بس يعني.. موضوع “تحرير العقول” ده موضوع دمه تقيل! ما تكتبيلنا حاجة أخف.. كل يوم فيه أحداث كتيرة.. ماتكتبي عنها وتسيبك من حكاية تحرير العقول دي”! بالطبع لم تأخذني العزة بالإثم فاتهم القارئ بأنه يريد أن يقرأ ما (يفش غله) ليس إلا! إنما شعرت وكأن اعتراضه يحمل اتهاما ضمنيا للكتاب عموما.. بأنهم أحيانا يكتبون ما يحلو لهم لا ما يريد الناس..

** تساءلت، ألا يكتب الكاتب عادة حلمه الذاتي لمجتمعه؟ هل أكتب سبابا للحكومة وأمريكا وإسرائيل والصهيونية والغرب فأنال الجائزة الكبرى لدى الناس؟! ( حسنا.. أعترف أنني منذ سنوات كانت حزمة أمريكا واسرائيل والصهيونية هي هاجسي الأوحد.. ثم اكتشفت أن بالإضافة إلى تلك المصائب الكونية هناك مصيبة أخرى أخطر تعشعش بداخلنا.. نخبة وعواما.. مصيبة اللاعقلانية والعنصرية التي لا نريد أو لا نحب أن نعترف بها.. ونتعامل مع الكون من خلالها باعتبارنا الشعب المختار .. على طريقتنا!)، والحقيقة- في رأيي- أن المهموم بالشأن العام إذا كان محظوظا بفرصة التعبير عن رأيه أمام الناس- بالكتابة أو بوسيلة أخرى- فهو إنما يكتب (هواجسه هو) أعلن ذلك صراحة أو لم يعلن! فإذا اتفقت مع هواجس المستقبلين لرأيه قالوا عنه كلاما عجبا! وإذا لم تتفق هواجس الطرفين يُـتهم الكاتب بالفوقية.. أو بأنه يكتب من واد ٍ بينما مجتمعه يعيش في واد ٍ آخر (حتى لو كان ذلك الكاتب منقوعا في طين بلده منذ نعومة الأظفار!) أو يقال إن اهتماماته كما قال قارئي العزيز..  دمها تقيل!

** واحدة إذن من مشكلات (بعض) المثقفين المصريين هي ذلك (التواطؤ) مع رغبات بعض الناس.. وذلك (التردد) في كشف عوراتهم خشية غضبهم أو استهجانهم أو.. عزوفهم! (عوراتهم الاجتماعية والثقافية..بمن فيهم الكاتب نفسه.. فهو إبن نفس الثقافة وإن اختلف فهو يختلف بجهاد شاق مع الذات اسمه.. الوعي!)، ولو دققت لوجدت رغبات الناس تلك تتمحور حول (إلقاء التبعة) على (أي آخر) فيما نعاني منه.. سواء كان ما نعاني منه هو الاستبداد السياسي أو الاستبداد الديني أو الاقتصادي أو استبداد تقاليد مهترئة.. تقاليد يمارس علينا طوال الوقت (طنين) بشأنها في صورة عبارة – أراها غبية للغاية – تتردد على معظم الألسنة.. “ضرورة الحفاظ على التقاليد”! ولا أفهم لماذا ينبغي علينا أن (نحافظ) على تقاليد أخذتنا على مدى قرون ولا زالت تأخذنا إلى الحضيض؟!

** هذه الرغبة الشعبية المصرية في التنصل من مسؤولية تدهورنا الحضاري والرضا بالدور السلبي ودور المفعول به على الدوام .. يتواطأ معها بعض المثقفين.. فتنتج مئات الآلاف من الكلمات التي يكتبونها تعبر كلها عن (الشكوى)! فترضى الناس! وإن أرادت الناس مزيدا فهي تريد (حلولا ينفذها غيرهم).. حلول يقدمها آخر غيرهم.. حلول لا تكلفهم أي ثمن! هذا يذكرني بأبو القاسم الشابي.. فحين غضب من شعبه الذي يشكو من الاحتلال لكن لا يريد أن يشارك في النضال ضده قال له في أجمل شعر:” أنت روحٌ غبية تكره النور.. وتقضي الدهورَ في ليلٍ ملسِ.. ليت لي قوة العواصف ياشعبي.. فألقي إليك ثورةَ نفسي”!

** إذن دعوني أكتب لكم عن هاجسي الدائم..  هاجسي أصبح (البحث عن) أسباب تخلفنا الذاتية الكامنة (أسباب أخرى غير أمريكا وإسرائيل والغرب والحكومة!)، فلست ممن يركنون إلى فكرة أن الآخر- أيا كان- يصحو من نومه كل صباح (ناوي للمصريين على شر!) بل أعتقد أن المجتمع المصري مجتمع متخلف لأن عقله الفردي والجمعي أسير للخرافة واللاعقلانية والقابلية للاستعباد (وأنا مثلكم أنتمي لهذا الشعب!) و… أقولك؟! بلاش.. إلى قارئي العزيز صاحب التعليق المذكور أعلاه.. سأختار هذا الأسبوع الكتابة عن حدث طازج من تلك الأحداث التي (تحدث كل يوم)!

** ما رأيك في (أحدث إصدارات ألبومات الظواهري وبن لادن؟!) هذان الرجلان اللذان يعيشان في كهف ما في تورا بورا.. لديهم فيه على ما يبدو استديو صوت يسجلون فيه تخاريفهم.. ثم يبثونها عبر الأثير في (عقول الناس)؟! فجأة حلموا حلما أو رأوا رؤية عظمى.. ترشدهم إلى أن مصر المنكوبة لن تحل مشاكلها إلا إذا قضي على مواطنيها المسيحيين! وأن مشكلة مصر الأعظم ليست التخلف ولا الاستبداد ولا.. إنما.. مشكلتها العظمى هي أن امرأة ما يقال أنها أسلمت..  محتجزة في دير أهل ملتها، وأن على المسلمين الأشاوس تحريرها كي ترفع عقيرة الإسلام في الدار! دعونا نتذكر شيئا.. هل تذكرون أيام كانت تنزل إلى الأسواق الفضائية ألبومات بن لادن مسموعة كانت أو فيديو كليب.. فيخرج متظاهرون مصريون حاملين المصاحف دعما لتيمور الشرقية؟! من منهم ياترى كان يعرف مكانها على الخريطة؟! تلك التيمور الشرقية؟! ولماذا هي دون اختها الغربية؟! أو حتى كم منهم عرف لماذا يجرجرهم بن لادن إلى الشارع للتظاهر من أجلها؟! في وقت كانت الحركات الوطنية مثل كفاية وغيرها تكاد تتوسل لمثل هكذا جماهير.. أن تخرج متظاهرة من أجل حقوقها هي نفسها.. فلا تكاد تجد أذنا تسمع أو عقلا يبصر؟! ( هل تريد إذن أن تتغاضى عن أن تلك الجماهير بذكائها الفطري كانت تعرف أن تضامنها مع التيمورية ليس له ثمن.. بينما تضامنها مع ذاتها له ثمن.. لا تريد ببساطة أن تدفعه؟!)،

** تلك الجماهير نلوم أنفسنا ونبرر عدم استجابتها لنداء المشاركة في النضال الوطني بأن المثقف والمناضل الذي يناديها لا يلتحم بها (وتلك حقيقة أيضا! للأسف.. إنما.. قضية أخرى!) بينما هي ذاتها تلك الجماهير استجابت لنداء ساكني الكهف البعيد! وبينما تحلم أنت وغيرك أن تعي الجماهير المصرية قضيتها الحقيقية.. وتلوم نفسك لأنك فشلت في الوصول إليها.. لاقناعها بأن تشارك في التصدي للاستبداد والقهر الذي تعيشه.. فإن بن لادن وتلميذه السمين أيمن الظواهري كانا (ومازالا طبعا) يستطيعان تحريكها حتى من بعيد ودون التحام ولا يحزنون! باستخدام فرضيات لاعقلانية خرافية وأسطورية متمسحة بالدين تداعب غرائز المحرومين و(تغيب عقولهم)! وإن كان في الماضي جرجر المصريين لدعم مسلمي تيمور الشرقية.. فهو الآن التفت إلى مصر ذاتها لكن بتمييز ديني عنصري بغيض ومتخلف! وبعد أن كان الفتور قد طال حماسة الجماهير لشرائطهما التي فيها يصدحان (بسبب التعود وليس لأن الجماهير احتكمت للعقل فيما تسمع من هذين النائمين بالكهف!) أراد بن لادن استعادته مجددا لدى بعض المصريين بهذا التهديد العنصري.. لكن هذه المرة ضد إخوانهم في الوطن والأرض والماء والكلأ!

** ورغم أن الاستنكار كان السيد إعلاميا وجماهيريا ونخبويا لهذا التهديد القاعدي (والحمد لله).. فإنه وفي الخفاء (وهذا ما يسمى.. المسكوت عنه) وجدت فرضياتهم العنصرية المتخلفة هوىً عند بعض عقول مازالت (أسيرة).. هذا إذن ما يجعلنا نحلم بأن “التنوير هو الحل”!.. التنوير أولا قبل القفز على واقعنا.. والحلم بالديمقراطية والحداثة وتلك الأشياء غير المفهومة.. في قاموسنا المظلم بالتخلف والجهل والسباحة في الأساطير!.. “التنوير هو الحل” لفك أسر العقل المصري من التعاطي الأسطوري سواء مع حقائق الحياة أو مع.. أحداث كل يوم! فيا قارئي العزيز.. هل إذا حلم أحد المنقوعين في طين بلدنا بيوم تتحرر عقولنا (جميعا).. يقال له.. دمك تقيل؟!