كمال زاخر موسى: العلمانيون والبابا القادم

فى كل مرة نقترب من دائرة الإشكاليات الكنسية نواجه بعاصفة من الإنتقادات التى ترى أن الكنيسة مؤسسة إلهية يقودها الروح القدس، وهى قد تأسست على قواعد ثابتة تقررت عبر التاريخ خاصة فى القرون الخمسة الأولى وما تلاها من قرارات فيما يعرف بالمجامع المسكونية ـ مؤتمر عالمى يضم كل الكنائس فى العالم لبحث قضية خلافية أو أزمة مثارة ـ أو المجامع المكانية المنعقدة على مستوى الكنيسة الإقليمية.
وعليه فلا مجال للاقتراب من ثوابتها وقواعدها، ويدق الأمر عندما يتعلق الطرح بقداسة البابا شنودة، باعتبار الطرح مساساً بقامة سامقة وانكاراً لتاريخ شكلته معاركه منذ أن كان شاباً غضاً، ما لبث أن ترك مباهج العالم فى مبادرة إعتبرها البعض مغامرة من شاب جامعى وقت أن كان خريج الجامعة له موقعه المتميز فى المجتمع، بينما كان يقينه أنه يسير على خطى الإنجيل [ فاجاب يسوع وقال الحق اقول لكم ليس احد ترك بيتا او اخوة او اخوات او ابا او اما او امراة او اولادا او حقولا لاجلي ولاجل الانجيل، الا وياخذ مئة ضعف الان في هذا الزمان بيوتا واخوة واخوات وامهات واولادا وحقولا مع اضطهادات وفي الدهر الاتي الحياة الابدية ـ انجيل مرقس فصل 10 ].
وكان على موعد مع المتاعب والمعارك التى وطن نفسه عليها، سواء فى ديره أو وهو اسقف للتعليم، كما رصدتها مجلتى مدارس الأحد (1947 ـ 1954) والكرازة (1965 ـ اكتوبر 1967 ـ توقف ثم اعادة اصدار يناير/ مارس 1972)، وكما ألمح اليها بعض من رصد تلك الفترة فى مذكراته، ثم ما صادفه بعد تجليسه بطريركاً فى فترة تاريخية فارقة استغرقتها الأعمال الإجرامية التى عرفت بإسم الفتنة الطائفية، وكان التحفظ عليه واعتقاله بالدير، سبتمبر 1981 ـ يناير 1985، واحدة من ذرى معاركه وكفاحه.
ولا أحد يختلف فى كل هذا ولا يقبل بعكسه، لكن لا أحد من التيار العلمانى اقترب من هذه الأطر أو تعرض لشخص قداسة البابا، فكل ما تم طرحه عبر أوراق ومؤتمرات التيار كان منصباً على الجانب الادارى التدبيرى للكنيسة، انطلاقاً من أن الكنيسة ليست فقط مؤسسة الهية بل هى بحسب الآباء مؤسسة إلهية بشرية، تأسيساً على عقيدة التجسد والتى من خلالها وبها تم كسر الحاجز الالهى البشرى، وكانت الكنيسة الشاهد القائم والدائم على هذا.
فضلاً عن أن ملاحقة الكنيسة للعصر كان ملمحاً واضحاً فى تاريخها المديد، حتى تقدر على مواصلة تحقيق الغاية من وجودها بحسب المسيح الذى أسسها لحياة أفضل ولدور تنويرى يعبر للعالم وينقذه، وكيف يتأتى لها ذلك بغير تطوير آلياتها وأدواتها فى التواصل مع العالم؟، وكيف تتجمد فى تدبيرها عند نقطة أو عصر بعينه، وكيف لا تراجع واقعها فى جانب أخر على ضوابطها لتحميه من الإستغراق فى العالم، فيتحقق لها الأصالة والمعاصرة معاً، وهو أمر غاية فى الدقة والحساسية والجدة، وهو بعينه ما يسعى لطرحه التيار العلمانى.
واحدة من القضايا ذات الصلة “إختيار وانتخاب البابا البطريرك”، والذى كان محل اهتمام ورشة عمل للتيار عقدت فى 2008 أنتجت مشروع متكامل للائحة نراها أكثر ترجمة للقانون الكنسى، والتى اعتبرها البعض غير لائقة وقداسة البابا مازال على قيد الحياة، متغافلين عن قاعدة كنسية مستقرة تقول بأن تعديل اللائحة لا يجوز فى حالة خلو الكرسى البابوى، وأن هناك أكثر من مشروع للتعديل طرحه بعض الأساقفة فى كتب ومذكرات رفعت لقداسة البابا، ويغمضون عيونهم عن واقع يموج بالصراعات بين كوادر تسمح لهم اللائحة الحالية بالترشح للكرسى البابوى بعضها معلن وكثيرها يختبئ خلف الجدران.
وعندما طرحنا مشروعنا لم يناقشه هؤلاء ولم يقرأوه اكتفاء بالمطالبة برؤوس مقدميه، وكان خلفهم اصحاب المصلحة فى بقاء الوضع على ما هو عليه.
دعونا نعيد قراءة مشروعنا هذا فى ضوء بعض القواعد التى تحكم الإطار التنظيمى للكنيسة فمن السمات المستقرة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الإنضباط التنظيمى وفق نظام هرمى محكم، محدد فيه مهام ومسئوليات وصلاحيات كل درجة فى تكامل يعينها على أداء مهمتها الموكلة إليها من السيد المسيح له المجد ومن الآباء الرسل الأطهار، وقد تبلورت هذه المنظومة فى تاريخها المديد عبر قوانين المجامع المسكونية وترتيب الآباء الذى استمر ينحو نحو التوافق مع العصر ومتغيراته بالتطوير إضافة وحذفاً فى غير خروج عن أركان الإيمان للحفاظ على علاقة شعب الله بالعالم الذى هو فيه بمثابة الروح فى الجسد (على نحو ما توجد الروح فى الجسد هكذا المسيحيون فى العالم ـ من الرسالة إلى ديوجنيس)، ولم ينقطع هذا الفعل بالتوافق مع العصر الا فى بعض العصور المظلمة. وقد حرصت الكنائس الأرثوذكسية على أن تجمع قوانينها وترتيباتها فى مجموعات قانونية موثقة ومكتوبة، وتُراجعها كلما رأت ضرورة ذلك فى إلتزام بالضوابط الإنجيلية والأبائية المستقرة بما يحقق احتياجات العصر، لتكن دوماً متجددة وقادرة على أداء رسالتها فى عالم متغير .
ولا شك أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بحاجة إلى توثيق قوانينها بشكل معاصر فى مجموعات قانونية محددة ومكتوبة، فحتى اليوم لا نملك ما يمكن أن يندرج تحت توصيف “مجموعات قانونية” بالمعنى العلمى، ونعتمد على الرجوع إلى النصوص القانونية المتناثرة فى كتب وأبحاث آباء فى العصور المختلفة، فنحن لا نملك حتى الأن ترجمة عربية كاملة لأعمال وقرارات المجامع المسكونية فى القرون الخمسة الأولى، ولا الأعمال الكاملة لقوانين الكنيسة المنظمة لمهام وصلاحيات درجات الإكليروس المختلفة، أو الأحوال الشخصية فى الزواج وتبعاته والمواريث ونظمها، على سبيل المثال، بل نختلف حتى اليوم فى تحديد المفاهيم الإيمانية الأساسية ونتعامل معها وفق رؤى شخصية تفتقر للمنهج العلمى فى غالب الأحوال .
وهذا العمل ـ وضع مجموعات قانونية ـ عمل أكاديمى يتجاوز قدرات الأفراد أو حتى الهيئات الفاعلة فى الحقل الكنسى، يجب أن تتولاه الكنيسة بجدية وبإعداد محكم وترصد له كل امكاناتها العلمية والمادية، بداية من جمع المراجع الآبائية الأساسية وتحقيقها علمياً وترجمتها، وكذلك الباحثين المتخصصين سواء من ابناء الكنيسة أو علماء الكنائس الأرثوذكسية الشقيقة، مع الإستئناس بالتجارب المماثلة فيها، حتى نصل إلى أفضل النتائج، ولنبدأ بتشكيل لجنة عليا من المتخصصين من مجمع الأساقفة والأديرة المهتمة بالعمل البحثى الآبائى والمراكز العلمية الأرثوذكسية المدنية، تجتمع لتضع أهداف العمل وخطته وخطواته ومتابعة تنفيذه قياساً على المستهدف وتقييم المراحل المختلفة ومعالجة ما قد يظهر من معوقات أو مشاكل .
على هامش هذا يأتى تناول التيار العلمانى الوليد لبعض الجوانب التنظيمية الكنسية، ونؤكد مرة اخرى أننا نتحرك فى الحيز التنظيمى بعيداً عن القضايا اللاهوتية والعقائدية، وأننا لا نبدأ من نقطة الصفر بل نكمل مسيرة ممتدة لأكثر من قرن، كانت أبرز الإسهامات فيها الدراسات والأراء التى طرحها رموز ومؤسسى جماعة مدارس الأحد بدءاً من مؤسسها الأستاذ حبيب جرجس (1900) بدعم من قداسة البابا كيرلس الخامس، ومروراً بأطروحات الجيل الثانى (1948 ـ 1954) وعلى رأسهم الأستاذ نظير جيد ثم الأنبا شنوده أسقف التعليم، الذى طالب بإجراء العديد من التعديلات والضبط والتصحيح لمنظومة الإدارة والقوانين الكنسية واللوائح المنظمة للعمل الرعوى والإدارى داخل الكنيسة كمؤسسة تعمل على أرض الواقع المعاش.
وقد إستشعرنا إنتباه الكنيسة لأهمية هذا عندما أضافت إلى العمل المجمعى الرسمى أُسقفتى التعليم والبحث العلمى فى حقبة الستينيات من القرن الماضى، وتولاها كأساقفة إثنان من رموز مجموعة مدارس الأحد وأبرز المطالبين بضبط المنظومة القانونية للكنيسة؛ نيافة الأنبا شنودة ونيافة الأنبا غريغوريوس .
وتأتى مراجعة وتعديل لائحة انتخاب البابا البطريرك على قمة الإهتمامات كونها تتعلق بالمركز القانونى الأعلى فى المنظومة الكنسية لتكون متطابقة ومتوافقة مع القواعد الكنسية التقليدية الصحيحة وهو ما رصده من سبقونا، وتأتى محققة لإحتياجات الكنيسة اليوم، خاصة بعد ما أضفى على هذا الموقع السامى من أبعاد دولية وإعلامية فى حبرية قداسة البابا شنودة الثالث الأمر الذى جعله محط أنظار قوى عديدة، ويصبح التدقيق فى رسم ملامح من يشغله مهمة غاية فى الأهمية والحتمية .
ويرصد القارئ أهم ملامح مشروعنا وهى :
– إستحداث منصب ” نائب البابا ” وهو منصب إدارى يضبط الحركة داخل الكنيسة فى الفترات الإنتقالية التى تعقب خلو الكرسى البابوى، وفى فترات غياب البابا لمختلف الأسباب، مما يحقق لها الإستقرار فهذه الفترات عادة ما تكون بمثابة ثغرات فى السياج الداعم للكنيسة والذى عادة ما يستغله عدو الخير للتسلل الى الكنيسة .
– إلغاء منصب ” قائم مقام البطريرك ” باعتباره أحد موروثات دولة الطوائف والملل وعدم ملائمته للعصر .
– إستحداث نظام الدوائر المتخصصة فى مجالات عمل الكنيسة المختلفة كخطوة ضرورية للتحول من النظام الفردى فى قيادة الكنيسة إلى النظام الجماعى والمؤسسى، وهو ما درجت عليه الكنيسة فى عصور الإستنارة، وما اتخذته بعض الكنائس لتثبيت وتأكيد واقعها أمام متغيرات العصر الجارفة وهذه الدوائر ليست أجهزة إستشارية بل هى مكون أساسى فى منظومة إتخاذ القرار .
– توسيع القاعدة الإنتخابية، بضوابط لازمة، حتى تأتى أكثر تحقيقاً للمبدأ الكنسى ( حق الشعب فى اختيار راعيه ) ومتمشية مع التوسع الجغرافى والبشرى الذى تشهده الكنيسة، سواء فى داخل الوطن أو خارجه .
– إلغاء نظام القرعة الهيكلية لأسباب عديدة أهمها :
( 1 ) عدم إتساقها مع فلسفة الإنتخاب بل وإهدارها لها .
( 2 ) عدم قانونيتها فالمفترض أن تُجرى بين متساويين وهو ما لا يتوافر فى حالة المرشحين للكرسى لتباين الأصوات الحاصلين عليها .
( 3 ) أنها لم تُتَبع فى الكنيسة على مدى تاريخها إلا ثلاث مرات وفى عصور حديثة ولأسباب مختلفة فلا ترقى لأن تكون قاعدة يقاس عليها .
( 4 ) دفعت بنمط التواكل إلى الذهنية القبطية العامة بزعم أن الإنسان ليس عليه الإختيار بل هى مهمة يختص بها الله مما دفع بالإنسان القبطى إلى السلبية والتواكل والعزلة إنتظاراً لحلول سمائية معجزية دون المشاركة الإيجابية فى فعل التغيير والتصحيح والتطوير .
( 5 ) التعارض مع قوانين الرسل التى تؤكد فكرة قبول الله لمن إختاره الشعب ( فإذا قبلوه جميعاً قبله الله ـ قوانين الرسل ـ المجموعة الثانية ـ ق 52
( 6 ) عدم تحصنها فى مواجهة تدخلات غير معلنة مما يشكك فى مصداقيتها .
وفى كل الأحوال فما أقدمنا عليه هو عمل بحثى فكرى أملته علينا الضرورة وحاجة الكنيسة فى عالم متغير، وحكمنا فيه إنتمائنا العضوى للكنيسة، ونؤكد على أننا نقدمه للكنيسة ممثلة فى مجمع اساقفتها برئاسة قداسة البابا شنودة الثالث باعتباره السلطة العليا فى الكنيسة . نقدمه كتقدمة فكرية من منطلق محبتنا لكنيستنا وحرصنا على أبنائها ومستقبلهم الذى هو مستقبلها ـ
Kamal_zakher@hotmail.com