حاتم حافظ: أبو تريكة والقمني

ليس لهذا المقال علاقة مباشرة بعنوانه، ما يعني أننا لسنا بصدد التعامل مع أبو تريكة ولا مع القمني كشخصيتين أصابا ما أصابا من الصخب في الفترة الأخيرة. ومع هذا يظل للمقال علاقة بهما بالقدر الذي يكون لأيهما صلة ما بالطريقة التي يبني بها الرأي العام في مصر قناعاته وأساطيره، الأخير تحديدا ـ صناعة الأسطورة ـ هو موضوع المقال، ذلك أن هذا المقال يتساءل عن الطريقة التي يتم بها تصنيع الأسطورة في مصر، ثقافيا.
على مدار السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لمع نجم لاعب الأهلي محمد أبو تريكة ونال عدة ألقاب تبودلت في وسائل الإعلام منها “الخلوق” و”حبيب والديه” و”الساحر” و”القديس”، وبالطبع تؤشر هذه الألقاب على التوجه العام لمن أطلقوها أول مرة ثم يؤشر شيوع هذه الألقاب وخروجها من المجال الرياضي إلى المجال العام على الطريقة التي يبني بها الرأي العام قناعاته. ما أعنيه أن تشكل أسطورة أبو تريكة بدأ من علاقته المباشرة بأرض الملعب (الساحر) كلاعب لا يجرؤ أحدهم على التقليل من موهبته وجدارته، انتهاء بعلاقته بالسماء (القديس) مرورا بعلاقاته الإنسانية خارج المستطيل الأخضر (الخلوق وحبيب والديه)، ثم الارتكاز إلى علاقته بالسماء في إعادة تدوير الأسطورة.
الأهم في رأيي ليس في هذا الاندياح من الخاص (العلاقة الأفقية بالملعب) للعام (العلاقة الرأسية بالسماء)، ولكن الأهم في تبني الجميع ثقافيا لهذه الأسطورة في مجملها والتشديد على العلاقة بالسماء باعتباره “متدينا”، وهي العلاقة التي تأسست على عدة مواقف منها: استنكار الحصار على غزة بعد تسجيله هدفا في بطولة الأمم 2008 ثم موقفه من مصافحة المطربة نانسي عجرم وغيرها من المواقف.
ما أعنيه أن صناعة الأسطورة الخاصة بأبو تريكة تمت استنادا على علاقته بالسماء، وهي علاقة دللت عليها مواقف إعلامية بالأساس، هذه الصناعة تغافلت عن وضع هذه المواقف في سياق أكثر عمقا، وهو سياق آليات السوق، باعتبار أن لاعب الكرة ـ أي لاعب كرة ـ الآن ـ هو ضمن منظومة رأسمالية إعلامية إعلانية لا يمكنه الفكاك منها، وهي منظومة غير أخلاقية بالأساس، بل هي منظومة غير أخلاقية بالمرة، وعليه تم تجاهل كثير من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر لولا الأسطرة الدينية التي استطاعت أن تحمي اللاعب مجال الأسطورة من المساس به، وعليه ـ وفي حماية الأسطورة ـ أصبح من الممكن تفسير ـ بل وتبرير ـ كافة أفعال اللاعب داخل الفضاء الوظيفي وخارجه، بما يتسق مع الأسطورة ذات الحضور. فأصبح الكلام عن رغبته في الاحتراف “مكافأة نهاية خدمة مشروعة” بل واجبة على كل مسلم، كما أصبح الكلام عن تراجعه عن الاحتراف “بطولة ووطنية” وانتماء إلخ.
ما أعنيه أن الأسطورة تفرض على المتعامل معها احتواء كافة المفردات والمواقف لسياقها ونسقها، طالما أن الأسطورة غير قابلة للنقد أو للمراجعة. وهو ما لم يحدث مع أبو تريكة فقط بل مع سيد القمني أيضا.
فعلى الضفة الأخرى من النهر تثار كل فترة قضية مكررة حول كتابات دكتور سيد القمني، لا مجال هنا لسرد فصولها، ولكن ما يعنينا أن الرأي العام في مصر صنع أسطورته حول الرجل بعيدا عن مجال كتاباته، حيث تشكلت الأسطورة حوله استنادا على علاقته بالسماء، فكان محورها التشكيك في إيمانه، متهمة إياه بالكفر والإلحاد، واصفة إياه بالعلمانية التي هي في أدبيات الإسلاميين قرينة الكفر والعياذ بالله!
تمت صناعة أسطورة القمني استنادا إذا على علاقته بالسماء، والتي تشكلت عبر بعض الآراء التي أطلقها بعض رجال الدين الذين أعلنوا جميعا ـ بلا أي إحساس بالألم ـ عدم قراءة كتابات الرجل، بل إن أحدهم ـ وهو الشيخ خالد عبد الله ـ بالغ قائلا إنه لا يضيع وقته في قراءة العلمانيين، أي أن صناعة الأسطورة في حالة القمني استندت على آراء لم تفند محورها إيمان الرجل أو علاقته بالسماء.
على هذا الأساس أجد مشابهة في الأسطورتين اللتين إنشغل بهما الرأي العام مؤخرا، حيث أنهما استندا على العلاقة الرأسية بالسماء، وَصْفُها في حالة الأول بالحسنة منحه لقب القديس، ووصفها في حالة الثاني بالسيئة منحه لقب الكافر، وحسب موقع كل منهما في العلاقة الرأسية تمت إعادة تدوير الأسطورة، بالنسبة للأول تم تبرير مواقفه كلها في إطار القدسية الممنوحة له، كشخص لا ينطق عن الهوى، ولا يخرج الباطل من بين يديه، وبالنسبة للثاني تم تكفير كافة مقولاته وتجاهل شهادته بأن لا إله إلا الله محمدا رسول الله على إحدى القنوات، ورفض قراءة كتاباته وفحصها، رغم أنها الفضاء الذي كان لابد أن يحاكم ويناقش من خلاله. أي أن الرأي العام المصري صنع أسطورتيه استنادا على فضاء غير الفضاء الذي كان يوجب التعامل مع الرجلين موضوعي الأسطورتين، وعليه تم تصنيف الأول والثاني في خانتي “القديس” و”الكافر” دون الالتفات إلى أن إيمان الأول وكفر الثاني لا علاقة له بمجال عمليهما، فضلا عن أن إيمان الأول وكفر الثاني ليس له علاقة بدرجة إجادة أي منهما لعمله، فإذا كان الأول لاعب كرة وإذا كان الثاني باحثا اجتماعيا فإن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بجدارتهما في مجال عمليهما. فضلا عن أن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بنا لأن أي منا لا يملك مفاتيحها لأن الإيمان محله القلب!
أستنتج من ذلك عدة نقاط منها: أولا أن النموذج الأمثل للمصريين ثقافيا هذه الأيام هو الشخص المتدين، قد يحاجج البعض أن اللاعب موضوع الأسطورة موهوب في مجاله وهذا صحيح، ولكن ما أعنيه أن فعل الأسطرة تجاهل لاعبين آخرين في مثل موهبته بينما تم انتقاؤه خصيصا على أرضية تدينه. وهي الأرضية التي مررت عددا من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر، مثل قبوله مبلغ المليون جنيه هبة من رجل الأعمال ساويرس ثم رده مرة أخرى احتراما لتعاقداته مع شركة اتصالات منافسة للشركة التي يملكها ساويرس، وغيرها من المواقف التي تم تبريرها على أرضية أن القديس لا يمكنه أن يخطئ سواء في الفعل أو نقيضه، فحتى إن أراد فإنه لا ينطق عن الهوى كقديس “ليس من هذه الأرض ولكنه من السماء”، التعبير الأخير ورد في أسبوع واحد في مقالتين لاثنين من الكتاب المحترمين في جريدتي الأهرام والمصري اليوم، الطريف أنهما ـ كاتبا المقالتين ـ لا ينتميان للفضاء الرياضي أساسا، وهو ما يعبر عن أن إعادة تدوير الأسطورة عملية لا يقوم بها فرد ولا مؤسسة ولكنها عملية تستقر بعد فترة في اللاوعي الجمعي، طالما لا تتم مراجعتها.
ثانيا أن مثل هذه الطريقة في صناعة الأسطورة ما كان لها أن تكون إلا في سياق ثقافي عام يعمل على تنميتها. في هذا السياق يمكن فهم إعلان مدرب فريق المنتخب حسن شحاتة عدة مرات في مقابلات تلفزيونية أن النجاح الذي حققه هذا الجيل من اللاعبين ـ أفريقيا ـ سببه الأساسي تدين معظمهم والتزامهم دينيا، وهو السياق الثقافي الذي يحيل المسألة برمتها للسماء، وهو نفسه الذي فسر هزيمة 67 في ضوء العلاقة بالسماء على اعتبار أن الهزيمة كانت عقابا سماويا على اشتراكية الدولة، وهو السياق الذي يتجاهل الأسباب الموضوعية للنجاح أو الفشل، وهو ما يمكن إحباطه بسهولة لا مجال له هنا.
ثالثا إذا عرفنا أن فرص صناعة أسطورة مؤسسة على علاقة شخص قبطي بالسماء ضئيلة للغاية إن لم تكن مستحيلة، فهمنا أن المصريين يصنعون أساطيرهم وفق منهجية دينية قبلية، تؤطر المؤمن في خانة الملائكة وتؤطر الكافر في خانة الشيطان، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التأطير يتم وفق نظرة أحادية تماما تفترض أنها تملك الحقيقة المطلقة. باعتبار أن الإسلام هو الدين الصحيح الوحيد من جهة وباعتبار أن الإسلام ليس له إلا صورة وحيدة هي التي صنعها رجال الدين من أصحاب العمائم أو من أصحاب الياقات البيضاء من الدعاة الجدد.
رابعا وأخيرا وهو الاستناج الأكثر رعبا أن المصريين ليسوا فحسب غير قادرين على مراجعة أساطيرهم بل إنهم أيضا لا يرحبون بذلك، بدليل أن أيا ممن يعيدون تدوير أسطورة القديس لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة كما أن أيا ممن يعيدون تدوير أسطورة الكافر لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة بقدر عدم ترحيبه بقراءة كتابات الرجل والاستسلام في الحالتين لمكنة إعلامية تعيد تدوير الأساطير بلا رحمة.