محمود طرشوبي : خريف الحزب الوطني

لم يشهد التاريخ المعاصر ممارسة سياسية بهذا النوع من فقدان الأدوات السياسية وقلة الوعي السياسي و إسناد المسئولية داخل الهيكل الحزبي إلي شخصيات لا تعرف الفرق بين ممارسة السياسة و التجارة في البورصة  فالأولي تحتاج إلي شخصيات فكرية علي قدر كبير من التفاني و العطاء في خدمة أفكارها السياسة سواء كانت في الحزب او في المجتمع و الثانية تتمتع بنوع من حب المغامرة و المنفعة الشخصية الضيقة التي تسيطر عليها الناحية المادية المطلقة و الفرق كبير , أقول هذا الكلام بمناسبة إعلان يوم 7 نوفمبر 2010 ميلاد فكر حزبي جديد علي مستوي الممارسة البشرية في الأحزاب السياسية في العالم و ذلك عندما أعلن الحزب الوطنى قائمة مرشحيه للانتخابات البرلمانية فقد تضمنت قائمته ٧٩٠ مرشحا بالرغم من أن عدد مقاعد البرلمان لا يزيد على ٥٠٨ مقاعد، ولم يكتف بمرشحين اثنين للمقعد نفسه فى بعض الدوائر، بل رشَّح ثلاثة فى عدد منها.

ويعنى ذلك أن الحزب الوطنى سينافس نفسه، وأن ٢٨٢ من مرشحيه سيخوضون صراعا ضد زملائهم، الذين يفترض أنهم ينتمون إلى حزبهم وليس إلى حزب آخر، وهذه الحادثة لم يحدث أن حدثت في التاريخ المعاصر منذ أن عرف العالم المعاصر فكرة الأحزب السياسة و اظن إن هذا الحدث سوف يدرس في الكليات و المعاهد و المراكز البحثية المتخصصة في الشأن السياسي علي انه الحدث الأسخف في تاريخ الممارسة السياسية في العالم المعاصر , بل و ستدرس علي أنها التجربة الفريدة التي تؤكد علي أن  الحزب الوطنى في مصر هو صاحب الفضل في إبتكار ممارسات سياسية لم يعرفها العالم المتقدم و اننا هنا علي أرض التاريخ مازالنا سباقين في ابتداع الأفكار التي يعجز عنها مفكرين الشرق و الغرب في أبتداعها .

إن الحزب الوطني بهذه الممارسة السياسية الضيقة في الفكر و الرؤي قد أثبت بما لايدع مجال للشك أنه حزب التجار و الحرفيين و المصلحجية و باعة الوطن و الأرض  و زاد في ذلك أن الحزب يلعب باعضاءه لعبة لا تمت إلي الممارسة السياسة باي نوع من الإرتباط غير أنها نوع من الفهلوة فقد قام الحزب بتقديم أوراق مرشيحه قبل إغلاق موعد الترشيح بحوالي ساعتين مما اضطرت اللجنة المعنية بذلك إلي تأخير ميعاد إغلاق اللجنة حوالي ساعتين من أجل عيون اللعبة الغير سياسية التي يمارسها الحزب الوطني , و لم تعلن أسماء مرشحي الحزب إلا بعد إغلاق باب الترشيح و ذلك لتفويت الفرصة علي الأعضاء الذين لم يتم إختيارهم ضمن قائمة الحزب في أن يتقدموا بأوراق ترشيحهم كمستقلين , و من ثم ظهرت تصرفات غير حضارية من اعضاء الحزب الوطني مثل المطالبة بإسترداد مبلغ التبرع للحزب الي فرضه الحزب علي أعضائه للموافقه علي وضع أسمه داخل القوائم المقترحة نهيك عن إتهامات لا حصر لها بين أعضاء الحزب و قيادته .

هكذا اثبت الحزب و رجاله القائمين عليه أنهم لا يمارسون دور اً سياسياً حقيقاً داخل الحركة السياسة المصرية و هي الحركة صاحبة التاريخ الطويل في المنطقة  بل هي ممارسات أفرزتها النتيجة الطبيعية للتزواج بين رأسمال المال و السلطة و هي علاقة غير شرعية و لا ننتظر منها بالطبع إلا أن تلد ولداً سفاحاً و ها هي الذرية التي رأيناها في أنتخابات 2010 البرلمانية فقد أشتد الصراع بين اعضائه علي الترشيح في انتخابات برلمانية يعتبرها معظمهم غنيمة وليست خدمة عامة .

هذا الصراع الذي بدأ منذ أن حل مجلس شعب 1987 لأسباب سلطوية يعرفها الجميع و أعلن عن الدعوة لإنتخابات في 1990 و قد قامت كل الأحزاب بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين بمقاطعة الإنتخابات مما جعلها فرصة أمام كل أعضاء الحزب الوطني للدخول في صراع علي من يفوز بمقاعد المجلس الذي كان الأسواء في تاريخ الممارسة النيابية في مصر لغياب أي نوع من المعارضة بداخله و لم يتفوق عليه إلا مجلس 2005 برغم وجود جزء من المعارضة بداخله إلا أنه كان أسوء برلمان عرفته في مصر منذ نشأة مجلس النواب في 1866 تقريباً , سواء كانت في تشريعاته أو ممارسات أعضائه و سلوكياتهم داخل و خارج المجلس .

هذا الصراع أستمر بشدة من ١٩٩٠، وظل فى ازدياد حتى انتخابات ٢٠٠٥.

وبالرغم من أن الحزب أستطاع أن يكبح جماح أعضائه في المنافسة علي تصدر قائمة مرشحي الحزب حتي عام 2005 ويختار مرشحا واحدا للمقعد الواحد،  إلا أنه في انتخابات 2010 اكد علي أن مصالح أعضائه الخاصة أقوى من أى روابط حزبية , و هكذا ظهر للوجود نوع جديد من الإنتخابات لم يحدث أن عارفها العالم أو خطرت ببال أحد من مفكريه السياسين و هي إن الإنتخابات التي كانت تجري في المقرات الحزبية بين أعضاء الحزب الواحد علي من يمثله في الإنتخابات , الان تجري انتخابات خريف 2010 في الدوائر الإنتخابية نفسها و بين أعضاء الحزب الوطني أنفسهم .

وإذا كان هذا الشذوذ الحزبي في الممارسة السياسية يحتمل وجوده في بلاد العالم المتخلف سياسياً مثل بلادنا فمن الممكن أن يحدث في دائرة أو دئراتين , أن يوجود تيابباابابعاعبأما أن يحدث ذلك فى نحو ١٥٠ دائرة يتصارع فيها 282 من أعضائه كمرشحين علي مقاعد البرلمان المصري بنسبة تقترب من 60 % من أجمالي عدد الدوائر فهذا ما يفتح الباب لأن تجعلنا نقول أن الحزب الوطني قد وضع حجر الأساس لنهايته المرتقبه كحزب سياسي يقود الدولة المصرية , و لا ينفعه إرتباطه الحالي بالسلطة أن يمتد عمره السياسي لسنوات مقبله , فالنظام القادم في مصر أيا كان الشخص الذي سيتربع علي عرشه لا أظن أن يرتبط أسمه باسم حزب قاد البلاد نحو نوع جديد من الفوضي السياسية سواء في الممارسة السياسية بنظم الترشيح للإنتخابات البرلمانية أو بالممارسة الفعلية في دوائر الحكم .

و لكي يكتمل هذا المقال بالتأكيد علي إن السنوات القادمة حبلي بسقوط الحزب الوطني في دائرة النسيان حين تتخلي عنه السلطة بإعتباره أبن سفاح من زواج غير شرعي بين السلطة و المال , لابد من الحديث عن ترشيح العدد الأكبر من الوزراء في أنتخابات 2010 و مدي تأثيره علي العملية الإنتخابية بل و العملية التشريعية أيضاً , بإعتبار الوزير سلطة تنفيذية و نائب المجلس سلطة تشريعية فكيف يجتمعان في شخصاً واحد ؟ .

الأمر الآخر هو قراءة البرنامج الهزيل الذي أعلن عنه الحزب كبرنامج إنتخابي له للترشيح لأعضائه , و الذي ما زال يدندن حول نفس القضايا و المشكلات التي مازال الحزب و حكومته يتكلم عنه منذ ثلاثين عاماً و لم تحل و لن تقوم حكومة الحزب بحلها نظراً لسيطرة فكر المصلحة الشخصية علي المنفعة العامة داخل فكر صناع القرار داخل الحزب الوطني الذي أشرف علي السقوط  بعد أحداث ترشيحات إنتخابات خريف 2010 .

كاتب مصري