عبد المجيد المهيلمي يكتب: تمديدستان وتوريثستان (2) الأتابكة

في المقال الأول من هذه السلسلة التي تحمل العنوان الرئيسي نفسه تكلمت عن الأتابكة ووعدت القارئ بالعودة إلى هذا الموضوع تفصيلا. فالنبدأ أولا بتعريف الكلمة، الأتابك كلمة تركية تتكون من لفظين هما: (أتا) بمعنى أب، و (بك) بمعنى أمير. ومن هنا فالأتابك كلمة تعني الأب الأمير أو الوالد الأمير. والأتابك هو الوصي أو المربي الذي يتولى الوصاية والرعاية على سلطان أو أمير صغير. وهو التقليد الذي كان متبعا في العصر المملوكي وأيام الأيوبيين، فقد جرت العادة آنذاك أن يولي السلاطين أبنائهم حكم ولايتهم، وكانوا يلحقون بهم أتابكة أو أوصياء.

بهذا المنطق السالف، وببعض التصرف الذي فرضته فقط مقتضيات العصر الحديث، يتعامل أقطاب النظام مع نجل الرئيس. فنرى الحزب الوطني الديمقراطي وقد زخر بالأتابكة، والقارئ المصري أذكى من أن نعرضهم اسما اسم، يكفي لكي يتعرف عليهم مشاهدة  أحد مؤتمرات الحزب أو متابعة تصرفات مرافقي السيد جمال مبارك في زياراته للقرى مثلا. فلا أحد يجروء أن يتخلف أو يختلف أو أن يقل له أف. والعجيب أن أقطاب الحزب يلجأون إلى ممارسات عفا عليها الزمن، بينما يلحون علينا بالكلام عن التطوير والتحديث والمستقبل. وهم لا يدرون بأن الفجوة شاسعة بين الكلام والفعل، وأن ممارسات القرون الوسطى يستحيل أن تقودنا إلى مستقبل أفضل.

نقرأ ونسمع من حين لآخر عن المنافسات والخلافات الحقيقية أو المفتعلة والوهمية بين كل من الحرس القديم والحرس الجديد في الحزب الوطني. إلا أن المتأمل للمشهد سوف يجد أن هناك خيطا قويا يجمع الحرسين وأن هناك قاسما مشتركا بينهما، أعني قيامهم بدور الأتابكة لمبارك الابن. فالكل أتابكة مخلصون قائمون بتدبير الأمور في سبيل تسليمه مقاليد الحكم – باسم الشعب طبعا!- حينما يقرر الأب أن يستريح أو عندما يقضي الله أمرا كان مفعولا.

يؤكد التاريخ الحديث أن التمديد ينجب التوريث (ابشر يا أستاذ جمال). فبنظرة عابرة إلى كل الجمهوريات التي انتقل فيها الحكم من الأب إلى الابن (سوريا وتوجو مثلا) سنكتشف أن كرسي الرئاسة تحول إلى كرسي عائلي بالتقادم، وكأنه قطعة أثاث من المقتنيات التي لا يجوز لأحد المساس بها ونقلها خارج منزل الرئيس. فالحيازة المستمرة الهادئة لكرسي الرئاسة لفترة طويلة من الزمن في بيت عائلة واحدة هو نوع من أنواع وضع اليد المُكسب للملكية ليس فقط في نظر أعضاء عائلة الرئيس، بل أيضا بنظر الأتابكة والإمعات (وإن حمل بعضهم درجة الدكتوراه!) وأصحاب المصالح والمستفيدين وضعاف النفوس وهم للأسف الشديد كثيرون من المحيطين بالرئيس في بلاد العالم الثالث. هؤلاء يزينون عملية السلب والسطو على السلطة ببعض الحجج والذرائع التي تظهرها وكإنها حق للابن كما هو حق لأي مواطن آخر. فيسمعونك كلام على نغمة أن الابن مواطن عادي يمارس حقوقه السياسية التي كفلها له الدستور، وأن كون والده رئيسا للجمهورية لا يجب أبدا أن يكون السبب في حرمانه من حقه كمواطن للترشح، فهذا ليس ذنب اقترفه يوجب معاقبته. ويقسمون لك أن المسؤلية كبيرة وهو عازف عنها ولكنه كمواطن عادي يريد أن يخدم فحسب، لأنه يشعر أكثر من أي مواطن آخر بحكم موقعه بمعاناة الشعب وهو يرغب فقط في تأدية واجبه تجاه مواطنيه لحل مشاكلهم والتخفيف عن كاهلهم. يبدو ذلك منطقيا على السطح، ألا إنه منطق مغلوط شديد العوار. فالشعب يتساءل: هل يحق لأي مواطن عادي مصاحبة الرئيس في رحلاته الرسمية، ومقابلة ملوك ورؤساء الدول، وحضور اجتماعات مجلس الوزراء، واصطحاب الوزراء والمحافظين في زياراته المختلفة وتسخير كافة وسائل الإعلام القومية لتغطية نشاطه، و…. و…. و…. بالطبع لا.

ولا نتكلم هنا عن الإزاحة التي تتم أولا بأول بطريقة منهجية كلما ظهر أي منافس جاد محتمل للرئاسة أكثر شعبية بسبب أغنية مثلا، أو قطع الطريق على مصريين نبهاء أحسن تأهيلا وأطول وأعرض خبرة من الابن وهم الذين تفوقوا علميا ونجحوا عالميا في مجالات مختلفة. وهو ما يعد قطعا جريمة في حق الوطن تحرمه من الاستفادة من أبناءه المتفوقين.

فالمطلوب دائما وأبدا أن يظل الجميع خارج بؤره الضوء، وتسليط كل الأضواء بصفة مستمرة على الابن لاغير، حتى يبلع الشعب المغلوب على أمره الطعم المسموم ويبدأ في ترديد: وهل يوجد بالساحة غير آخر العنقود! وحتي يرسخ في ذهن الجماهير بأن الساحة خالية تماما من أي بديل مناسب وأن الذي نعرفه أحسن من الذي لا نعرفه. وعلى الرغم من أن مشروع التوريث، في حد ذاته، يهدم أسس النظام الجمهوري الحقيقي الذي أقسم الرئيس على الحفاظ عليه طبقا للدستور الذي فصلوا المادة 76 منه على مقاس الابن المدلل ويرفضون تماما فكرة تعديلها التي تطالب به الجمعية الوطنية للتغيير. إلا أن التغيير قادم بإذن الله، فلتاريخ يفيدنا بذلك، يذكر أن تشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا قال يوما: “عندما تثمر شجرة الصندل تيناً، عندها ستتغير الأوضاع”. لم تثمر بالطبع الشجرة تينا، ولكن الأوضاع هناك تغيرت كثيرا.

mehelmyam@yahoo.com