كاميليا حسين :بلا أي محاولات للمواربة …عن أبي

أريد أن أكتب عنك عن غيابك ووجودك الدائم كعرج لا يخفَي علي أحد مهما اجتهدتُ، عن غيابك الذي فتح في قلبي ثغرةً ليتسللَ منها أشباه الرجال ،وأشباه الصحاب وأشباه البشر وما بينهم من عابري سبيل ،أريد أن أكتب عن الثغرة التي تسربتُ منها قطرةً قطرة.. غباءا حينا واحتياجا حينا آخر،أريد أن أكتب أن كل حب وكل كراهية وكل افتقاد وكل عجز وكل خبرة مكتسبة من الخارج وكل ادعاءات الثقة والقوة والعزة، وكل لحظات الترفع ،وكل محاولة لرفع صوتي عاليا،وكل محاولة لانتهاك الخطأ لمجرد إنني أعلم جيدا أنه خطأ ،وكل محاولات التبسم والتمسح بأذيال الغرباء ،وكل الزحام والفراغ وكل شئ كانت في جزأ منها محاولات متتالية للهرب من غيابك للاحتماء من حقيقة أنك لست هنا وأن كل قفزاتي مهما ابتعدت عن الأرض وكل رفساتي مهما تركت من جراح وكل الأشياء المنطقية و اللامنطقية لن تعطني ولو لحظةً واحدة منك ،أنني لن أعرف أبدًا صوتَ تنفسِك في النوم،ولن أذكر مهما عصرتُ رأسي رائحةَ عباءتِك ،أنني لا أملك عنك سوي ذاكرة مثقوبة ،بالكاد لديَ ظلال صوتك ،وارتفاع رأسك البعيدة عن الأرض ،وضحكتك ،وتلك اللحظة الممتدة في الزمن لعشر دقائق كاملة أذكرها تماما وأذكر انها انتهت بحضنك ،لكن _لأن ذاكرتي تأبي أن تتم نعمها _لا أتذكر مهما اجتهدتُ كيف كان طعم حضنك،لدي عنك حكايات معطوبة وعلب صغيرة من المربي لا تذكرني بسواك،وحرماني الدائم من ضمتك كل صباح كي لا أفسد انتظام الأسلاك المتصلة بصدرك،لدي صورة عريك لا تنمحي،ولدي ظل دراجة حمراء كبيرة أحلم باعتلائها ولا أصل إليها أبدا،ولدي عصا سوداء برأس نسر تنكسر كي أتعلم منذ صغري أن الأشياء كلها لا تبقي بعد رحيل أهلها،لدي ذكري ضبابية عن كيف يمكن أن يبدو شارع السوق القديم ومحل (عم سيد)من هذا المكان المرتفع جدا فوق كتفيك،ولدي ذكري بعيدة عن طعم أصابع الموز في كفيك ،لدي أخيرا فراشك الخالي المرتب المنتظم الأبيض الذي قال بوضوح ما خشيت الممرضة أن تقله…أنك لن تكن هنا مرة أخري أبدا .ء

في كل ليلة أرتب تفاصيلك في رأسي.. أعصر ذاكرتي وأستجدي حكاويهم عنك بهدوء وصبر كمراهقة تستجدي تفاصيل فارسها، أدعو الله فقط أن أحلم بك، أن تقضي معي ولو بعض ليلة..لكنك أبدا لم تأت، أريد أن أعاتبك…تسعة عشر عاما..ولم تفكر أبدأ في المرور بي..(ماوحشتكش؟)ء

أتذكر غناءنا في المطبخ ..ولا أتذكر طعم حضنك أبداً، أحيانا أخشي علي ذاكرتي من خيالي أخشي أن أضيف إليها كي أزين عرجها ….جديداً.أكتب عنك… أريد لحظة حرية ولحظة صدق وجرأة وجنون كافيين كي أتخلص من غيابك وأخلق جديداً.ديداً .ر

الكتابة عن الغائبين صعبة..وغياب الكتابة أصعب

أريد أن أكتب عنك عنها وعنهم عن شوارع المعادي التي تخبرني في كل لياليها وتؤكد أني وحيدة ويتيمة وخائفة مهما ادعيت العكس

عن الكلاب السوداء البعيدة التي يدفع صوت نباحها أمي للجنون

وعن بيتي…ر

عن الأزرق والرمادي و الأبيض وكل الألوان التي نختبئ خلفها من شيء واحد….من غيابك

فقط قليل من الحرية..والصبر…ومزيد من حريق غيابك..وسأكتب ..أعلم أنني ذات يوم سأستطيع الكتابة