أسماء ياسين: السيطرة على الإيقاع

بعكازه أشار العجوز إلى أرض فارغة إلا من عشب وشجيرات قصيرة، كانت الشمس ساطعة، سطوعا يوضح خلاء الأرض من كل شيء بدءًا ببيوتها القديمة. قال:”هنا كانت الدار، وهناك كانت البئر التي كنا نشرب منها كلنا ” دق بعكازه دقتين على الأرض” وهنا كانوا يلعبون”كل شيء اختلف الآن، وبقيت السماء والشمس الساخنة على حالهما”.
بعدما رحلنا رغما عنا اختفى كل شيء، ذهبنا إلى هناك ، وبقينا هنا. “هل ترى البئر، إنها فارغة الآن، جف ماؤها”، وأمسك حجرًا قريبًا القاه في البئر؛ أصدر الحجر صوتًا يدل على الخواء وقال: “لم يبق إلا الجفاف”. وأنه قبل الرحيل رحل، الأمر ليس دابة تنقلنا نحن وأمتعتنا القليلة الى بعيد ، وأشار إلى رأسه “الرحيل يبدأ من هنا، صدقني يبدأ من هنا”

كانت الأناشيد في خلفية الصورة على الدوام مقدسة بديعة، لكنها ليست تراتيل كنسية، أو همهمة مصلين. والبحر خائن يفتح سبلًا ممهدة للذهاب إلى الجانب الآخر من الأرض، العالم بأسره يقع على بعد ورقة صغيرة ممهورة بخاتم أزرق. يصنع الانتقال قطيعة بين جانبين، يشقه بسيف إلى قطعتين.
المياة كتومة لا تخبر عن المكان، ربما اللافتات بحروف بعينها تستطيع أن تفعل ذلك. وكان الشاعر ككل الشعراء يعي جيدًا أن أحلى قصائده سيكتبها قبل الموت بقليل. وأنه ما إن يحط في بلاده حتى تحل الحرب؛ وماء البحر كله أعجز من أن يمحو عن الجدران نصف القائمة نصف المهدمة لون الدم. بصمات القتلة واضحة جلية، دون الحاجة إلى رأي خبراء الطب الشرعي، لكنه يرفض الاعتراف بالهزيمة، فقط يضحك، ويترك شعره يسترسل على كتفيه، كأنما هذه طريقته الخاصة جدًا في الاعتراض.
كان السفر إلى أعلى الخريطة عبر البحر طريقًا أخرى نحو التأمل، لكنه يجعل منه كائنًا نكرة، وهو لا يحب ذلك، يرفض هذا النوع من العقاب. يلوِّن لسانه، ويخفي عينيه بمنظار أسود؛ حتى لا يرى بوضوح. إنه يؤمن بالخرافة، غير مكترث لما سيظنه من تعلموا القراءة والكتابة مبكرًا. يطرح أسئلته بطريقة تشعرك أنه يلقي جملة خبرية، لاتنتظر إجابة ” إن البحث عن إجابات هي مهمة هؤلاء الذين يملكون أوقات فراغ كافية”. لا يخجل كونه مغرم بالسيطرة على الإيقاع، ولفترة قصيرة سيلاعبكم بطريقتكم، سيحاربكم بسلاحكم فقط هذه الجولة.
بتأنٍ وبجواره موسيقا يحبها، يصنع قهوته الصباحية، “أروع قهوة تصنعها لنفسك، لا أحد قادر على منحك طعم القهوة التي تحب”. مثله مثل كل محبي العزلة طردت الكلمات كل من حاول ان يعيش بقربه؛ فصفق لكلماته، وانحنى لها في إجلال عرفانًا بقيمتها، وبدأ – وهو يحصى المكعبات الزرقاء في السجادة التراثية أمامه- يحصى نتاج فعلها العظيم.
الضوء الخافت من الأباجورة ذات القبعة الكبيرة يكفيه وأكثر، واللافتات الملونة خارج النافذة تضيء وتطفيء دوريًا، دونما اهتمام بالعابرين أسفلها، يأكلهم البرد فيحكون أياديهم في بعضها اجتلابًا لبعض دفء.
كان حين يمشي لا يلتفت، لكن عقله يتساءل كثيرًا ” هل نسيت شيئًا ورائي؟ “.
حيث العشب أصفر ذابل يجلجل جرس مجهول المصدر، والأغنام تأكل من الأرض، لأنها لا تعرف لنفسها عملًا آخر، ستظل تجتر العشب حتى تساق إلى الذبح، والطفل الذي بدأ شاربه يخط تحت أنفه يمسك واقفًا وسط المقابر كراسًا يقرأ منه قصيدًا لا يفهم ثلث معانيه، يتمها فيغلق الكراس، ويتمتم متسائلًا إن كان عليه أن يبكي أو لا.
من شباك العربة يبدو الشجر الموغل في القدم قصيرًا، مثمرًا، يتساءل- ناسيًا وضع علامة استفهام في آخر الجملة كالعادة- إن كانت جميلة وقريبة حقًا. لكنها مؤكد كاملة إلا من شيء واحد لا يدركه تحديدًا.
خلف الحاجز يقف، عاجزًا عن الإمساك بالقمر في الجهة الأخرى. لكنه في مرة من المرات سينجح في عبور الحاجز، وعندها ستحتضنه كل النسوة هناك، القديمات منهن، وذوات الضفائر، وهو الذي يكاد يكون وسيمًا، بقيت لديه بعض فتوة، ويعلم أن ليس لصراخه صدى، وليس لهمسه رجع؛ لذا ينفث دخانه في هدوء مبالغ فيه، يحرق سيجارته وتحرقه هي المقابل. أما البحر فأغلق كل متاريسه، وأقفل الشباك على الشمس، فصار ليل طويل، وظلام أطول.