أميمة عبد الشافي : قصة عن ألعاب الهواء التي تؤذينا لو نظرنا إليها

خيالات الليل بيضاء ! عندما أغادر مكاناً حميماً عائدة إلى منزلي تتخاطفني الأضواء المفروضة على علاقاتي بجيران الطريق ، تقذفني رائحة الود اللزج إلى أطيافك التي لم تترك لي سوى لمسة يد باردة على خدي وهي تزيح خصلة شعر فارة .. ، لمسة واحدة جعلت كل خيالاتي بيضاء إلى الأبد ، فكيف أقنعهم أن الليل والملح ورعشة أصابتني من يد باردة على قلبي المتوهج لم تنجح في تلوين خيالي الذي تحيله مخاوف الأمهات إلى ورم غبي ؛ فتتكتك رأسي بأنني لست متضايقة من إصرار الجالس بجانبي على تجاوز مساحته في الكرسي حتى أبعد من حدودي ، أفكر ..

– مش مشكلة .. أنا فعلاً مش متضايقة ، بس لازم أقوله يبعد شويه .. !!.

أطلب منه أن يبتعد قليلاً فيفعل ثم يبتسم ويعلق كأنه يكلم الهواء

– صيف إسكندرية جميل .. ، حضرتك مش إسكندرانية برضه .. ؟! .

هل أتشاجر معه ؟ أقول له مثلاً أن إسكندرية ليست مدينة المتاح ، وأن أوقاتها لا تحسب بالساعة وأنه ليس من حقه أن يتصور أن لنا قلوباً مالحة لا تعرف حرقة الشمس ، من ترككم تعتقدون أننا فراشات تزين شارع الكورنيش ؛ فيأتيني جنوبي محترق وأنا أمدد خيوط أحلامي فلا يترك لي سوى لمسة واحدة تصيبني بجفاف أبيض لا أجد معه معنى لأي وساوس تملأ انتظاري المترقب للوصول ، لكنني كذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من البحث عن كلمة تعلن مسئولية المدينة والظلمة عن هذا التجاوز ، ربما لأنني مازلت لا أجد سبباً منطقياً يختصر وجودنا في مصعد خال إلا منا ووعد دافئ بالأغاني إلى لمسة باردة ، وعبارة ملعونة ..

– المكان هنا ­ جوه الأسانسير ­ زيّ أي مكان فِـ الدنيا .. فِـ إسكندرية لازم الحب يكون مرشوش بمية البحر .. بريحته .. ببراحه .. .

هل تصور أن ما يقوله شعراً ؟ هل كان صغيراً جداً وخائباً جداً لا يعرف أن ماء البحر يفسد الأسرار ، وأن الكلام لا يزين ذكرياتنا بقدر ما يناسب حكاياتنا التي نغزلها بمهارة ، حتى وإن كان خيالها أبيض ؛ فيتركني فداءً للعبة ” إغواء البحر” الأثيرة ، تلك التي تجبرنا على أن نوفر لها جمهوراً صغيراً وخائباً .

تلزمني واقعة كهذه طبعاً ؛ حتى أعلق عليها كل تخبطاتي السابقة ، وأموراً عارضة كأن أقبل الحدود بمنطق يناسبني ؛ فأمتنع مثلاً عن التأخر في تسكعاتي الليلية ، أو أقبل بهدوء الخروج إلى أمان رجل لا يهتم برصِّ الكلام في البحور ­ سواء كانت مالحة أو عذبة ­ . ربما أنني سأكون في حاجة لاحقاً إلى تفويت هذه الأمور فعلاً ، وساعتها ستنتظم أسبابي ؛ فأطلب من أحدهم أن يبتعد قليلاً ؛ لأن هذا لا يليق ، وأرفض بشكل قاطع أن أستقل المصعد إلا وحيدةً تماماً ، ولن يخذلني البحث الأحمق عن جدوى يدٍ تتسرب من الراكب الخلفي بين جانب مقعدي والزجاج ، فلا تطال سوى ملامسة النسيج الرقيق لفستاني ، أو أي من الأشياء التي كنت أراها غير منطقية ؛ فيمنعني ذلك من الاعتراض عليها ، كما أنني لن أهتم بأن خيالي لا يحتوي تبريراً ملوناً . سيضايقني ذلك لأنه يجب أن يضايقني ، وسأنسى محاولاتي لتوريط المدينة في هذا ، وكأن الأمر لا يخصها ؛ فأحمد الله على خيال أبيض أملكه كفراشة تتأرجح ثقتها مع حركة الهواء ، والأجنحة ، وحتى مع انحناءات الكورنيش المفاجئة ؛ فتختصر فشلها في اللعب إلى تغيير المقعد ، والسيارة برد بسيط :-

– أيوه إسكندرانيه ، ونازله المحطه الجايه .