سمر نور: حفلة بينوكيو

أقف على إفريز سطحه المختار، أدعو نجوم الأفيشات المعلقة في الفضاء للحفلة، “تك، تك، تك،….”، إنها دقات جسدي الخشبي على السيراميك. يخرج المدعوون من صورهم المكتملة على اللافتات المعدنية الضخمة. يأتون فرادى وجماعات، لتبدأ الليلة، وتختفي أصوات البشر خلف إيقاعي الراقص.
لم أكن سوى عروسة خشبية. تكبر أنفى كلما كذبت، لكن الرجل- ذا الضمادات البيضاء على أنفه- خلق من طين، واستقى دروسه من مئات الكتب المكدسة في حجرته، ولا يجد عبرة واحدة يمكن استخلاصها من حكاية أنفه الكبير الذي تحول إلى عجينة أدخلت لفرن شمسي ولم تنضج بعد، فقط أحمر وجهها!
يطل من سطح البيت على اللافتات المعدنية الضخمة المعلقة في السماء، إعلانات عن سلع استهلاكية، سمن، أدوات ماكياج، جرائد، شرائط كاسيت وديفيديهات، أفلام، برامج تليفزيونية، كل من يظهر على تلك الألواح المتلألئة في الليل، يلمع ويبرق مثل الأضواء المحيطة به، بشر مشذبين إلى حد الكمال. يتحسس الضمادات الملتفة حول أنفه ويبتسم، كأنه يبادل الجميلات المرتسمات أمامه بأحجام كبيرة الابتسامات المصطنعة.

لم تكن الفتاة ذات النقاب الأسود التي لا يبين منها سوى عينين مكحلتين تعرفنى أو تعرفه. لم تدرس قصتى في مدرستها، ولم تقرأ لها والدتها قصة بينوكيو المعروفة لذي العجينة البيضاء، ولم يتمناها نجار وحيد، ولم يصنعها بيديه على الأرض. لقد خلقت أنفها في السماء ولم يكن هناك مجال للاعتراض.
لماذا فشلت عمليته البسيطة وتحول التشوه من مجرد أنف كبير إلى عجينة بيضاء تملأها بثور حمراء قبيحة؟ لماذا هو تحديدا وليس كل هؤلاء البشر الذين يواجهون سطح البيت، حاملين بصمة عشرات أطباء التجميل؟
لم يكن هناك وقت لانتظار إجابات السماء. تنقل بين طبيب وآخر، وعملية تجميل وأخرى لإعادة تشكيل العجينة من جديد، لتتشوه كل مرة أكثر.
تحت الضمادات يخفى عجينته اللينة.
خلف النقاب تخفى أنفها النافر كراية متخشبة.
ظلت تحلم بإجراء عملية تجميل. لن تنفخ وجنتيها أو ثدييها أو تزيل الدهون الزائدة عن فخذيها وأردافها. ولن تشد وجهها كطبلة تنتظر من يطبع أصابعه عليها بإيقاع القبلات أو الصفعات، ستزيل فقط هذا الظل  الأعوج من وجهها، ستلينه في اتجاه مستقيم، وتشكله ليصل إلى أقل من مستوى ناظريها، ستعيده إلى حيث يعتقد الجميع أنه يجب أن يكون الخلق الجميل، بلا أخطاء تشوبه.
هو لم يحلم، لكنه فعل.
صارت أنفه تكبر كلما كبر بمعدل مضاعف بالنسبة لنمو جسده الضئيل، تحديدا ملامح وجهه الأخرى، لتتناقض أكثر مع عينيه الضيقتين. وصارت نظرياته تكبر معه. كان يرى الجمال فيما يميزنا عن الآخرين -حتى وإن كان تشوها- يخرج من أعماقنا ويفرض نفسه على الصورة، فيبدو للنقص جماله، الكمال يفقد سحره حين نصل إليه، جماله في هذا السعي الدائم تجاهه.
فلماذا لا يسعى إليه؟ في واقع الأمر لم تكن تجربة فلسفية قدر كونه اكتشاف مفاجئ لأهمية هذا العضو الكبير بالنسبة لحجم وجهه وتأثيره على حياته. لا يكف هذا الرجل عن إثارة سخريتي وتعجبي من عقله “الكبير” مثل أنفه خاصة أن “هي أخرى” كانت المدخل الأول لنقد فلسفته، هربت منه في آخر لحظة، واعترفت لصديق أنها لم تستطع التأقلم مع مشهد أنفه المشهر أمامها كسيف، ظنها مجرد فتاة فارغة العقل، لكنها لم تكن هي واحدة، كان هناك أكثر من هي، وأكثر من لا رافضة مشرعة كأنفه.

كانت هي حكايتنا مستسلمة تماما لقدرها كبطل إغريقي. تكتفي بحلم إعادة خلقها على شاكلة أخرى، ترى في حلمها شابا وسيما، والوسيم بالضرورة كما تراه رجل دقيق الأنف. يشكل أنفها تارة كأنها قطعة من الطين، أو ينحتها في الصخر لتبرز تفاصيلها بصعوبة تحت طرقات أزميله.
قالوا لها إن تغيير خلقتها حرام، فصدقت دون مناقشة وأسدلت نقابا أسود على فضيحتها. تخفى تشوهها، وتبرز عينيها المكحلتين كشارة جمال تحجب أنفها الخفي. قال لها آخرين ليس حراما، فقررت أن تبحث عن عمل آخر بجانب عملها الصباحي، لتدخر ثمن عملية تجميل.
لم تكن تجهد عقلها بالتفكير، تسمع وتنفذ في صمت.
تدربت في عملها الجديد على برامج جرافيك. وحققت ما لم تحلم به من قبل، مرأى صورتها المثالية، جسدها المتناسق، وملامحها المنمقة. أعادت رسم أنفها الكبير من جديد.  فبدت صورتها على الشاشة كما تتمنى أن تكون بعد أن تنتهي من جمع ما يكفى الشاب ذا البالطو الأبيض من أموال.

قالت: هذا المثال الذي يحتذي به. أنف “هو” دقيقة الصنع أطلت من صفحة الموقع الإلكتروني. اقتربت من الشاشة وكادت تلصق أنفها الكبير على أنفه. من أين له بهذا المثال، رسمت أنفها مثله تماما، وأرسلتها إليه.
قال: هذا ما تخيلت ورسمت مثاله. أنف “هي” دقيقة الصنع أطلت من صفحة الموقع، ابتعد قليلا بعجينته المتكورة في منتصف وجهه وكاد يخبط رأسه بالحائط وراءه. ركز في مثالها الشبيه بأنفه المصطنعة على الشاشة، وأرسل يطلب التعرف عليها.
لم يكن كمال أنفيهما ما جذب أحدهما للآخر، كان هذا السحر المنبعث من التشوه الخفي.
يسير في طريقه إليها..
كيف يسوق هذا الأنف المكتمل إلى غرفته؟ شغله الأمر وجعله يحتمل كل هذا الزحام والضجيج والمباني المرتجلة في وجه الطريق، و”تك، تك، تكتك تتكتك”.. هذا الإيقاع الذي يتبعه، وقع قدم خشبية محترفة على الإسفلت، يجعل جمجمته تكاد تنفجر، لم يحاول النظر وراءه، كان مشدودا لأعلى حيث الإعلانات المتراصة على الطريق، تطل عليه باستهانة، وتتحول نظرات المرتسمين عليها بأحجام كبيرة تجاهه، تراقبه حتى باب الكافيه الذي سيقابل صاحبة الأنف الكبير فيه، يتردد قليلا أمام الباب الزجاجي المغلق، لا يرى ما وراءه، فقط يرى صورته بحجمها الطبيعي كأنه ينظر في مرآة، يردد بينه وبين نفسه سلسلة الأكاذيب والحكايات التي سيلقيها على أذانها بالداخل، ليخفى ضماداته البيضاء عن عينيها.
اختارت تربيزة منزوية لتجلس عليها، تلقى نظرة على مظهرها، تتأكد من وضع الكحل حول الفتحتين الوحيدتين الظاهرتين من وجهها، وتتأكد من أن أنفها مختفي تماما خلف طبقتين من القماش، تبين منها القماشة السوداء لتمتص الأضواء وتقلل من حجم مصيبتها المؤقتة. جمعت ما يكفى طبيبها الوسيم، تستطيع التخلص من فضيحتها، وامتلاك وجه مكتمل الجمال، ستستمتع كثيرا حين تتزوج صاحب الأنف المثالي، حين تلمس أنفه بأنفها الوليد، لن يعرف أصل هذا الأنف وفصله، سيصبح ماضيه مجرد ذكرى مدفونة تحت نقاب، تبتسم في المرآة.
لن تظل جالسة في مكانها، ولن يقف العمر كله على باب الكافيه، الأبواب المغلقة دائما تفتح، ومن يرى نفسه في المرآة سيرى عالم آخر لو أنه، فقط، اقتحم الجدار.
سأعود إلى الرقص مع صحبتي، قبل أن تزعجهم أشعة الشمس، وتعيدهم إلى حيث كانوا قبل الحفل.