هويدا صالح : شغف قديم

امرأة محيرة والله .. هكذا همس  صديق زوجها الطيب الذي اختفى بعد وفاته ، ولم تسمع عنه شيئا إلا بضع مرات اتصل بها على الهاتف ،ليسأل عن بنات المرحوم كما داوم على الترديد ، لكن الظروف باتت تجمعه بها في اليوم الخامس من الشهر ، موعد صرف معاش الزوج. موعد يحسبه الواحد محددا سلفا من كثرة تكراره .تجده في وجهها تماما وهي خارجة من الباب الزجاجي لبنك القاهرة في شارع قصر النيل . يقترب منها ويجد نفسه مضطرا إلى إقامة حوار من طرف واحد ،في الغالب يكون هو . وهي تنظر إليه نظرات لا تدل على شيئ محدد . يشعر بالارتباك ،فلا يعرف هل هي سعيدة بكلامه أم حزينة أم غاضبة أم شيئ رابع لا معنى له ، ولما لا يعرف بينه وبين نفسه ما هو شعورها تجاه ما تسمع في تلك اللحظة يلعنها في سره ،ويواصل ثرثرته ،ووجهها السمين الطيب يظل على حاله إلا من هزات خفيفة للرأس وكرمشات طفيفة أسفل مؤخرة العينين ،وحين يبلغ به الارتباك حدا لا يمكنه من إكمال حكاياته يقول لها:

ـ طيب . أشوفك قريب .. وسلمي على البنتين ..

يهم بالانصراف ، ثم يستدرك :

ـ إلا هما في سنة كام دلوقتي ؟

يتهلل وجهها بفرح طفولي ،وتعكس صفحة وجهها التي خلت من كرمشات طفيفة أسفل مؤخرة العينين  فرحا طفوليا ،فتبدو طيبة وبهيجة ،وتقول في صوت شغوف :

ـ شذى في تانية ثانوي ، ونهلة في أولى إعدادي ..

فينبهر بتعيبرات وجهها الشغوفة ، ويغمض عينيه نصف إغماضة ، ويتوه في لقطات يستدعيها من ذاكرة بعيدة ويهمس كأنما يحدث نفسه وينسى الواقفة بجانبه :

ـ ياااه السنين مرت بسرعة كده .. الله يرحمه .

يتذكر سهراتهم الصاخبة بمرح البنتين ، ووجهها الذي كانت تنيره الضحكات والمرح حين يغلبه محمود في الشطرنج ، والشاي بالنعناع وأطباق الطعام ، وقلبه الذي يخفق كلما جاءت عيونه في عيونها ، وخجلها الأنثوي الشهي وهي تتعمد البعد عن محيط عيونه . كم كانت شهية ومغوية!  حين غيب الموت محمود ،توقعت أن يعاود سيرته ويسأل عنها وعن بناتها ، بل بالغت في التوقع ، وانتظرت أن يرسل الدفء في بيتها وعمرها. اختلقت أسبابا لتتصل به ، لكنه في فعل غير مبرر اختفى تماما من حياتها ، وظل سنوات يبتعد عن كل ما يقربه منها ،ولم تعد تراه . سنوات مرت ،ثم بدأ يظهر في طريقها حين تأتي لصرف المعاش .

في كل مرة تنوي أن تكلمه ، تنوي أن تفتح أفقا آخر للحديث، عله يتذكر ضغطته الودودة على يدها وهي تستقبله ، أو تودعه . عله يتذكر رعشة صوته حين كانت تتصل به . أخته قالت لها مرة أنه لم يتحمل غياب صديقه ، وكلما رآها أو سمع عنها يعصره الحنين إليه ،وهي خبأت دمعاتها في منديلها وقالت بأسى :

ـ يعني أنا اللي تحملت . على الأقل يطل على ولاد صاحبه ولا كان عيشنا من غير ملح ؟!

في  كل مرة تقابله تقرر أن تطيل الحديث قليلا عله يلمس مدى حاجتها إليه ، وفي كل مرة  تخيب ولا تقدر على الوقوف في محيطه دقائق . تتمنى أن تطول الدقائق التي يستوقفها فيها ،لكنه يفر من أمامها دون أن تعرف لماذا الفرار الدائم ، وكأنها كتب عليهما ألا يلتقيا .

يهمس بكلمات لم تتبينها، ثم يشد على يدها بمودة الأيام الخوالي ، ويحلفها برحمة الغالي أن تتصل به إذا احتاجت لشيء . وحين يكمل قسمه تختفي كل الفرحة والشغف من وجهها ويعود صفحة بيضاء سمينة بكرمشات أسفل مؤخرة العينين وتهمس :

ـ إن شاء الله .

تسير في طريقها الذي حفظته قدماها بخطوات حادة وحاسمة ، ثم يستوقفها الفرن الإفرنجي . تتذكر أن شذى طلبت منها بيتزا ونهلة طلبت ساليزون ، وأنهما أقسما عليها برأس أبيهما ألا تنسى .

فتحت حقيبتها ، وأحصت النقود جيدا حسب بنود الصرف التي حددتها بدقة ، ورتبتها في أجندة صغيرة لا تفارق حقيبة يدها . أعطت البائع الجالس خلف ماكينة عالية  مائة جنيه ، وقالت في فرح :

ـ 2 بيتزا كبيرة ونصف ساليزون مشكل وكيلو باتون ساليه .

تناولت الحقيبة  وسارت إلى محطة المترو ، ويتردد في ذهنها لحن لأغنية لا تحفظ كلماتها بدقة ، ولكنها تسير على إيقاع لحنها، و تهمس :

ـ أنا عندي حنين  ما بعرف لمين  .