ساراماجو يكتب عن “عمى الانتخابات” : فصل من رواية “البصيرة” ترجمة تامر فتحي

ماذا يحدث لو أن الأمطار هطلت بشدة وغزارة غير مسبوقة يوم إجراء الانتخابات؟ هل سيمتنع الناخبون عن التصويت أم أنهم سيتحدون الطبيعة ويذهبون إلى الدوائر الانتخابية كي يعلنون عن إرادتهم الحرة ويختارون ممثليهم؟ بهذا الافتراض يبدأ الكاتب البرتغالي الراحل جوزيه ساراماجو، الحائز على جائزة نوبل للآداب 1998، روايته المثيرة للجدل ” مقال في البصيرة”. البديل تنفرد بنشر الفصل الأول من الرواية على حلقات فتابعونا…

الحلقة الأولى

لننبح إذن” قال الكلب.

(من كتاب الأصوات)

يا له من مناخ سيء لإجراء الانتخابات، علق بذلك مأمور اللجنة رقم أربعة عشر وهو يقفل مظلته المبتلة و يخلع عنه معطف المطر الذي أثبت له قلة جدواه خلال عدوه المتلاحق للأربعين متر الفاصلة بين المكان الذي ركن فيه سيارته وبين الباب الذي دخل منه لتوه متسارع الأنفاس. أتمنى ألا أكون آخر من وصل، قال ذلك للسكرتير الواقف قرب الباب خشية تعرضه لأوساخ المطر التي حملتها الرياح و بللت بها بلاط الأرضية. قال له السكرتير مطمئنا،لم يأتي نائبك بعد، وما زال في الوقت متسع، رد عليه المأمور وهما يدخلان إلى الغرفة التي سيتم فيها التصويت، في جو كهذا، نحتاج لمعجزة كي نصل إلى هنا. حيَّ أولاً موظفي اللجنة الذين بدوا كمدققي الحسابات، ومن بعدهم ممثلي الأحزاب ونوابهم. كان حريصا علي التحدث معهم جميعا بنفس الطريقة، دون السماح لوجهه أو لنبرة صوته أن يبدر منهما ما يشي بميوله السياسية والمذهبية الخاصة به. فالمأمور، حتى وإن رئيساً على لجنة تصويت كهذه، يجب عليه، في كل الأحوال، أن يتخذ من أشد مشاعر الحيادية دليلا له، عليه، باختصار، أن يتحلى بآداب الذوق واللياقة دائماً.

ألقت رطوبة الجو في الغرفة ذات النافذتين الضيقتين المطلة علي ساحة تبدو كئيبة حتى في الأيام المشمسة، طقساً خانقاً ما يزال رطباً، ومعه ألقت شعوراً من عدم الارتياح لا يمكنك صرفه، كما يقولون في الأمثال، ولا بالطبل البلدي. كان عليهم تأجيل الانتخابات، قال ذلك ممثل الحزب الذي في الوسط، أو ممثل حزب الوسط، ” أقصد أنها تمطر من البارحة بلا توقف و الأراضي زلقة و السيول في كل مكان، هذه المرة ستصل معدلات الامتناع عن التصويت عنان السماء. أشار ممثل الحزب الذي في ناحية اليمين، أو ممثل حزب اليمين، برأسه موافقاً، لكنه شعر بأن مساهمته في الحديث لابد وأن تتخذ شكلاً تنبيهياً فقال، بكل وضوح، لا أريد أن أقلل من شأن خطورة الموقف، لكنني أشعر بالفعل أن شعور الأخوة المواطنين إزاء واجبهم الوطني ، الذي دفعهم من قبل لتظاهر في مناسبات عدة، جدير بكل ثقتنا، فهم مدركون، بالفعل، و بشدة، للأهمية القصوى لهذه الانتخابات المحلية و ما تشكله لمستقبل العاصمة. ما إن فرغ ممثل الوسط وممثل اليمين من قولهما، حتى استدارا، في شبه ريبة وسخرية، ناحية ممثل الحزب الذي في اليسار، أو ممثل اليسار، وهما في غاية الفضول لمعرفة ما سيدلى به من رأي. لكن، وفى تلك اللحظة تحديداً، دخل نائب المأمور في جلبة إلى الغرفة، والمياه تقطر منه من كل جانب، بذلك يكتمل كما هو متوقع طاقم الضباط، كانت التحية التي تلقاها النائب أكثر من مجرد تحية ودودة، بل أنها كانت حماسية للغاية. لذلك لن نتمكن من سماع رأى ممثل اليسار أبداً، مع أن بوسع الواحد أن يفترض، و على أسس بعض الأمور المعروفة سلفاً، و دون بهتان، أنه سيتخذ من تفاؤله التاريخي سبيلا له، بل ربما قال شيئا من قبيل، إن الناس الذين صوتوا لحزبي ليسوا من النوع الذي يتخاذل أمام عائق ضئيل كهذا، أنهم ليسوا ممن يفضلون البقاء في المنزل فقط لمجرد أن بعض قطرات بائسة تتساقط من السماء. إلا أنها، لم تكن مجرد قطرات بائسة من المطر، بل أنها كانت تمطر ملئ الجرادل والابرايق والأنهار كلها، وكأنها تمطر كلاباً وقطط، لكنه الأمل، بُورك للأبد، فكما يزيح بقوته الجبال من أمام الذين يصدقون فيه، فإنه قادر أيضا بقوته على دفع السيول والخروج من بينها جافاً تماماً.

وقع المأمور مرسوماً، مع الطاولة التي أكتمل نصابها الآن، مع كل ضابط و ضابطة، كُل في مكانه، ثم طلب من السكرتير أن يعلقه، كما ينص القانون، خارج المبنى، لكن السكرتير، اعترض بما يتوافق  والبديهية العامة و أوضح، أن الورقة لن تصمد لدقيقة واحدة على الحائط في الخارج، ففي غضون ثانيتين سيسيل الحبر منها وفى الثانية الثالثة ستنزعها الريح من مكانها. ضعها إذن في الداخل، بعيداً عن المطر، فالقانون لا يفتنا بما يجب علينا فعله في مثل هذه الظروف، المهم في الموضوع أن يُعلق المرسوم أعلى مكان يكون فيه واضحاً للعيان. ثم سأل زملائه إذا كانوا موافقين على ذلك، فأجابه الكل بأنهم موافقون، لكن على شرط واحد طرحه ممثل اليمين و هو أن يتم تسجيل هذا القرار في غضون دقائق في حالة إذ ما تمت مسألتهم بهذا الخصوص. لدى عودة السكرتير من مهمته الجو البارد، سأله المأمور عن الحال في الخارج، فرد عليه وهو يرفع كتفيه في لا مبالاة وسخرية، نفس الشيء، مطر، مطر، مطر، ألا يوجد ولا حتى ناخب واحد بالخارج؟ لا حس ولا خبر. نهض المأمور ودعى موظفي صناديق الاقتراع وممثلي الأحزاب الثلاثة أن يتبعوه إلى داخل غرفة التصويت، التي وجدوها خالية من إي شيء من شأنه أن يلوث نزاهة الخيارات السياسية المزمع التصويت عليها هناك طيلة اليوم. وبعد أن أتموا هذا المراسم، عادوا إلى أماكنهم ليتفحصوا السجل الانتخابي، الذي وجدوه كغرفة التصويت خاليا ًمن أية أخطاء غريبة أو ثغرات أو أي شيء أخر من شأنه أن يثير الريبة.

ثم حانت اللحظة الحاسمة حين أزاح المأمور غطاء صندوق الاقتراع ليكون على مرأى من الناخبين ليتأكدوا من خلوه، و ليكونوا شهداء غداً، إن تطلب الأمر، على حقيقة عدم تعرضه لفعل إجرامي، في أواخر الليل، أو لأي تلاعب في الأصوات قد يزيف من إرادة الشعب السياسية السيادية الحرة، و بذلك لا تكون الانتخابات مزورة، وكما هو متوقع ومعروف، فإن هذا التزوير، دعنا لا ننسى، كان من الممكن حدوثه من قبل، أثناء أو بعد التصويت، وذلك حسب نفوذ المتلاعبين و المتورطين معهم و الفرص المتاحة لهم. كان صندوق الاقتراع خالياً، لا تشوبه شائبة، لكن ما من ناخب واحد في الغرفة ليتفحصه بعينيه. ربما ضل احدهم طريقه هناك في الخارج، وهو يكافح السيول، صامداً أمام الرياح الكاسحة، متشبثاً بالبطاقة التي تثبت أحقيته الكاملة كمواطن في الإدلاء بصوته، لكن، بالنظر إلى السماء الآن، يمكن القول أن أمامه وقت طويل كي يصل، هذا لو،لم يغير رأيه في النهاية بمنتهى البساطة ليعود إلى بيته تاركاً مصير هذه المدينة لهؤلاء الذين تقلهم عرباتهم السوداء الفارهة إلى باب اللجنة ثم تعيدوهم ثانية فور إن ينتهي الجالس أو الجالسة في المقعد الخلفي من الإدلاء بأصواتهم.