أحمد الفخراني يكتب عن: محاولة انتشال كرسي الزعيم..في “زهايمر ” عادل إمام

هل يخشى عادل إمام النسيان؟..زهايمر جمهور السينما الذي رفعه إلى زعامة مطلقة ثم غافله بالانصراف عنه إلى ممثلين: أقل خبرة وأكثر حيوية ومفتوحين على احتمالات أكثر لمسرات ابتدعتها مسيرة عادل إمام نفسه التي اشترطت البهجة والخفة قبل الجودة.

ممثلون قابلون للاحتراق السريع وتبادل كرسي الزعامة في ديمقراطية افتقدتها شاشة السينما طيلة عقدين عانينا فيهما من تربع الزعيم ونجمة الجماهير سابقا نادية الجندي.

في مشهد مثير للضحك”العادي” بفيلم زهايمر يرتدى الزعيم”المخلوع” قفازات الملاكم ويدخل 3 معارك مع ولديه وزوجة ابنه في حلبة ملاكمة ..رغم إن النتيجة المنطقية هي فوز الأضخم”أحمد رزق” والأكثر رشاقة “فتحي عبد الوهاب” و الأصغر سنا”رانيا يوسف” إلا إن عادل إمام يخرج منتصرا لا بقوة عضلاته لكن بسلطة الأب، فأقصى ما يستطيعه الابن هو حماية وجهه لا رد الضربة.

يحتمي عادل إمام في قداسة مفترضة..هل يصرخ في الجيل الذي نساه صرخة كانت مدوية فيما مضى”:”أنا. ..الزعيم”..وتحولت الآن إلى صرخة يائسة ومبللة بالعتاب؟

.

يبدأ الفيلم بمشهد لنيلي كريم”ممرضة” عادل إمام وهى تفتح شبابيك الغرفة المظلمة ليدخل النور،فيما يستيقظ عادل إمام متسائلا عن سبب وجود ممرضة في غرفته،لتبدأ محاولات إقناعه بأنه مريض بالزهايمر،وسط مقاومة ضارية منه،ومحاولات مستميتة لإقناع الآخرين بصلابة عقله وذاكرته وقدرته على إدارة الأمور وإنه لم يسقط بعد في هوة “العجز والتخريف”.

كل من حوله يخبره بأنه مريض بالنسيان:الممرضة التي لا يعرفها ،الخادمة التي لم يؤجرها، الجنايني الذي لم يختاره، غانيات يحدثونه عن قدراته الجنسية الفائقة على طريقة الشقلباظ، حارس الفيلا الذي رافقه مشوار عمره،أبناؤه رزق وعبد الوهاب،الطبيب.

يخبرونه عن تاريخ آخر ،مفبرك لا يعرفه عن طريق صور”تعبيرية” :فهو صائد بط محترف وملاكم قدير يهزم لاعب رغم عضلاته الضخمة.

ذلك التاريخ الذي لم يناسب أبدا قدرات عادل إمام في أفلامه السابقة رغم إنه من حاول تصديره وترسيخه على مدار 20 عاما،فهو زير النساء الذي يوقعهن بإشارة أو بغمزة أو بدون مجهود،وهو الذي يطيح بالعشرات بضربة من يمينه وبضربة من شماله،هل ينكره الآن؟.رغم إنه بلا وسامة لافتة أو عضلات خارقة.

http://www.youtube.com/watch?v=ZHqidDE6fgc***

عادل إمام وسعيد صالح “المخ والعضلات” تفرقا ليتفوق المخ تفوقا مطلقا ،بينما يتخبط” العضلات ” في الأدوار الثانية،ثم يأكله زهايمر الجمهور،ويدخل في مرحلة التخريف،القبول بأي دور مهما كانت قيمته.

في مشهد مهم ومبتور يذهب عادل إمام ليراجع تاريخه بنفسه يتأكد من ذاكرته، التي اتهمه فيها أبناءه وهددوه في حالة عدم الاستجابة لأوامر الطبيب و الخروج من المنزل بوضعه في مصحة أو عزله حماية له من أثر الشيخوخة.

هناك في مصحة “الرحمة” يجد سعيد صالح،محاميه القديم”العضلات” يواجه التخريف والنسيان المزدوج ،نسيانه لمستجدات العالم،ونسيان العالم له،فذاكرته عطلت عند عبد الناصر الذي هزم وعبر،وأبناؤه رموه من أعلى نقطة في الذاكرة ليرتطم بواقع مر وجاحد لا يعترف بتاريخه و”الأيام الحلوة” التي لا يذكر فيها سوى صداقته بعادل إمام ولا يذكره فيها أحد سوى عادل إمام.

ينتهي المشهد بعادل إمام”المخ” وهو يراقب “عضلاته”،صديقه المنسي خلف أسوار “الرحمة” والممرضات،تنهمر الدموع من عيني “الزعيم المخلوع” على المصير الذي كان ينتظره ويؤكده له أبناؤه حدوثه قريبا رغم “حلاوة الروح”.

مشهد مثله بقوة، لم تعهدها به منذ فترة، وبصدق قل أن تعرفه في أداؤه.

الزعيم موهوب بلا شك،موهبة فائقة في اصطياد بوصلة الناس،بل وتوجيهها لمدة 20 عاما بنجاح لم يسبقه إليه أحد ولن يواصله أحد،فالعصر مل الزعماء،يبحث عن أبطال كورق الكلينكس،سهل الاستعمال،وبلا قداسة،يصنعه على مزاجه،ليحطمه سريعا،ليصنع آخر.

ذلك المشهد الفارق،يجعله يستسلم،تهتز قناعاته بقدرته على فعل أي شيء أراد،على فعل الزعامة،تماما كما اهتزت في أواخر الألفية،عندما قدم فيلم مستخف “رسالة إلى الوالي” رغم صعود هنيدي بإسماعيلية رايح جاى،لم يدرك حينها إنه فقد الشيك على بياض الذي منحه إياه جمهوره سابقا وأصبح قادرا على عقابه،إذا قدم استخفافا جديدا،تماما كصدمته في فيلمه قبل الأخير “بوبوس”،الذي لم يستطع الصمود أمام حلمي ومكي.

*****

عندما أعلن عن فكرة فيلم ناجى عطا الله،الذي تحول إلى مسلسل لاحقا أعلن عادل إمام عن مشاركة كل من أحمد السقا وكريم عبد العزيز في الفيلم تحت لواءه،هل كانت رغبة في تأكيد الزعامة المفترضة،النجمين الشابين أعلنا ترحيبا ظاهريا،وتحدثا عن “الفخر بالعمل مع الأب والزعيم،الذي إن تمنى لبيا،وإن أراد نفذا،لكنهما عند التنفيذ تراجعا لتتأجل الفكرة.

في زهايمر،تتكرر التجربة،لكن بنجوم الصف الثاني:فتحي عبد الوهاب”الموهوب الذي لم يتقدم إلى رتبة جان” وأحمد رزق”الكوميديان الذي لم يرقى إلى رتبة نجم”.

وهو المطلوب تماما لتكتمل”نظريتي المتآمرة ” حول الفيلم،بديا –لي- كتعويض عن الأطراف التي تبتعد عن فلكه بشياكة وتردد في الجرائد إن العمل معه شرف.

في الجزء الثاني من الفيلم نكتشف إن الزهايمر والتخريف والعجز مجرد مؤامرة من أبنائه للحصول على إرثه،عن طريق إيهامه بأنه مريض والأقراص التي تظهر عليه أعراض الزهايمر.

لكنه بثبات زعيم، يكتشف المؤامرة، وبحنكة رجل كامل الأهلية يدبر ردها، وبطيبة أب يقسو دون أن يقتل.

في نصف الفيلم الثاني،فاصل من الهزل،عادل إمام الذي نعرفه،أردتونى”ملاكم” سأكون،وصائد بط محترف سأفعل،مهرج ما أسهل،زير نساء أنا ذاك.

يتفق عادل إمام مع من اتفق مع أبناؤه، لرد مؤامرتهم إلى نحورهم، يساعدوه بقناعة أكبر، بل وبإيمان إنه قضيته هي الأنبل في مواجهة أبناء يتآمرون على تاريخه بفبركته للحصول على إرثه.

أي إرث؟ تاريخه الفني الذي لا يتعرض فقط للاهتزاز، بل للمساءلة عن جدواه؟ عن نواياه،عن الثغرات لا المجد الذي صنعه الزعيم في مسيرة الفن المصري.

عن مطالبات بترك الساحة لجيل من الممثلين خاض الفن على طريقة الزعيم”ما يطلبه المستمعون”، والجودة تأتى لاحقا.

لكنها “مجرد مؤامرة..يدخل عادل إمام السباق،يرتدى زى الملاكم وينتصر وفقا لقداسة الأب،ويرتدى بدلة مضحكة على شورت،يحمم الأبناء باعتبارهم أطفالا،ويوهمهما إنه –كزير نساء-متزوج من اثنتين.

يدير اللعبة،بقسوة لا تقتل،حين يقنعهم إن ثروته جاءت من الكوكايين-التخدير والوهم كأفلامه المسلية-وإن كل ما عليهم هو بيعها للحصول على الثروة للنجاة من فخ الفلس،بعد أن أعطاهم جزءا من إرثه وأضاعوه بنزقهم.

يقترح فتحي عبد الوهاب “الابن المدبر” على أحمد رزق “الابن المنساق بضعفه” بيع هذا الإرث قطاعي من أجل ربح أسرع وأكبر.

لكنهما يقعا في يد الشرطة،ليصلا إلى النهاية،لكن الأب الذي يقسو ولا يقتل لم يعطهم سوى دقيق أبيض لينجوا من التهمة بطيبة الأب ومن الفلس بتقبيل يد الأب،الزعيم،فلا حامى إلاه،والخروج عن نصه عقوق.

كالخروج على نص الدولة، عقوق يستوجب التأديب، قسوة بلا قتل، حصار بلا أمل سوى العودة لأحضان الأب.

لم تكن تصريحات عادل إمام عن تأييده للزعيم مبارك ونجله، مفاجئة أو، أو محض صدفة، فهو أول من احترق بنار التغيير، وبعصر مل الزعامة.

محاولات عادل إمام لتوريث عرش الكوميديا لنجله محمد لا تختلف عن محاولات مبارك توريث عرشه لجمال،لا في الأسباب ولا في الفشل،فالنجلين يفتقدان للكاريزما وتاريخ الوالدين يتعرض لهزات المسائلة عن قدسية هذا التاريخ.

النجلان تراجعا،والوالدان تشبثا أكثر بالعرش.

بعد توبة الولدين –غير النصوح- وحماية الأب-غير الخالصة-لهما بعد إن ظلا في طوعه،يشترط عليهما أن يرسلا إليه الحفيدة التي لم تتعد 5 سنوات إليه في عزبته “ليربيها ” لأن “اللي زيكوا ما يعرفوش يربوا”..فالجيل سارق الإرث ،من قبل المتاجرة بالكوكايين وعزل الزعيم ليس أهلا لاستلام راية مواصلة الحياة.

ينتهي الفيلم بمشهد يذكرك بصورة مبارك في انتخابات الرئاسة الماضية، نفس الخضرة الرائقة في الخلفية كمالك وحيد للأمل..تجرى الحفيدة “ملك” وسط مساحات خضراء نحو عادل إمام..كرهان على جيل آخر قادم بدلا من الجيل العاق، يقرر أعماله كمجد وأعمال أبناؤه كمخدر لا يصلح للبقاء.