الشاعر شريف الشافعي: الطزاجة جوهر الشعر والبساطة سر الوصول للقارىء العادي

الدهشةُ أطلقتْ تجربتي خارج الخانات الضيقة والمساحات المتوقعة

  • · مُقتَرَحِي الجمالي يعمل لحساب ترجيح كفة الإنسان في صراعه مع الآلة
  • · “الروبوت” المتمرد على القطيع أرشدني إلى خلخلة قصيدة النثر التي باتت مجانية
  • · حضور قصيدتي في الذائقة الشعرية أهم وأبقى من حضوري الجسدي كشاعر كارنفالات

حوار – أحمد الشيمي:


“سألتُ المكنسةَ الكهربائيةَ

عن سرّ تعاستي

قالت:

“لأنكَ اسْتَعْمَلْتَنِي بغير حسابٍ

لدرجة أنني كنَسْتُكَ فيما كنَسْتُ”!

سألتُ نيرمانا عن سرّ تعاستي

قالت:

“لأن ساعتكَ منضبطة جدًّا

لدرجة أنني فشلتُ في أن أكونَ مركزَ مينائها

وأن أزرع عقاربي الشّفّافة محلّ عقاربها المرئيّة”

طقس شعري مختلف ينقلنا إليه دائمًا الشاعر المصري شريف الشافعي، وقوده حيوية الحياة، وسرّها بساطة الروح، ونفاسة الجوهر.

ديوانه الجديد متعدد الأجزاء “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” لفت الانتباه بشدة خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث صدر الجزء الأول منه بعنوان “البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية” في ثلاث طبعات عربية بمصر وسورية، آخرها عن مؤسسة سندباد للنشر والتوزيع بالقاهرة في يناير 2010، والجزء الثاني قيد النشر بعنوان “غازات ضاحكة”.

نال الديوان، وهو الرابع في مسيرته، حظه من الاهتمام النقدي على نحو قلما يحدث، ووصفه البعض بأنه “نقلة حيوية لقصيدة النثر”، و”انقلاب أبيض في شعر العرب”، و”تبشير بمذهبية جديدة في الكتابة”. كذلك، فقد اختير الديوان مؤخرًا للتدريس في جامعة “آيوا” الأمريكية لطلاب قسم الكتابة الإبداعية، باعتباره “إضافة أصيلة إلى منجز قصيدة النثر العربية”، و”تجربة مدهشة جمعت على نحو فريد الفضاءين الإبداعي والرقمي”.

كتب الشافعي “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” بلسان “روبوت” متمرد على قوانين الروبوتات (البشر)، ليعلن بكتابه الجديد ـ مضمونًا وشكلاً ـ اختلافَ منظور الرؤية وآليات التعبير عما هو سائد، وليعيد قراءة عصره اللاهث واكتشاف خريطة الجينوم البشري في آن واحد، ومن هذه النقطة بدأ الحوار معه من تلقاء ذاته:

  • · هل هو الشعر، أم هو التمرد؟! هل هو الإنسان الذي صار آلةً، أم الآلة التي صارت إنسانًا؟! هل هو المضمون المختلف الذي اختار وعاءً شكليًّا ملائمًا، أم هو الشكل الإخراجي الذي تعمد إحداث صدمة تخلخل حالة الركود؟

= بل هي الدهشة الطبيعية، التي تجعل الشعر شعرًا، وتضيف إلى فعل التمرد معنىً خلاقًا. هي طاقة الحياة الخصبة المتجددة، القادرة على استيعاب نثارات المشاوير والمشاهد، وخلق قصيدة نثر حيوية، وإنارتها من الداخل.

قد يكون هو البوح الإبداعي الأول للآلة بعد أن صارت إنسانًا، وذلك في ضوء تقدم علمي وتقني مذهل، وقد يكون هو البوح الإبداعي الأول للإنسان بعد أن صار آلة، في ظل تقهقر روحي مفزع. لا يهمني أن أعرف، بقدر ما يهمني البوح نفسه، وما قاد إليه من إبراز “الإنسان الإنسان” في مواجهة “الإنسان الآلي”.

لم أراهن على شكل صادم أجوف، لإيماني بأن الشاعر الحقيقي ليس بحاجة إلى أجهزة الصدمة الكهربائية وتوليد النبضات ليعلن أنه آتٍ بحياة جديدة، أو حياة مستحيلة. راهنتُ على النبضات ذاتها، نبضات الحياة، نبضات الشعر، نبضات الإنسان، وكان طبيعيًّا أن تحمل هذه النبضات الطازجة كثيرًا من إيقاعات وروائح وملامح العصر الجديد، فهي نبضات تفاعلية ملموسة، لا تدير ظهرها إلى الواقع وحركة التاريخ. ببساطة شديدة، الشكل الإخراجي جاء مغايرًا مختلفًا، لأن النبضات ذاتها جاءت مغايرة مختلفة في مذاقها وماهيتها، في كيميائها وفيزيائها.

هناك بعض الدواوين والمؤلفات التي صدرت بعد “الأعمال الكاملة لإنسان آلي”، وقد سعت إلى استنساخ التجربة على نحو ساذج مضحك، بداية من رموز الإنترنت على الغلاف، مرورًا بالتمسح بأجواء التجربة، والسطو على بعض عباراتها. والحقيقة أنني لا ألتفت لهذه الكتابات، رغم أن بعضها لأسماء لامعة على الصعيد الإعلامي، فكل ما هو غير أصيل لا يمكن أن يحمل قيمة، فضلاً عن أن هذه الكتابات اكتفت بالتمسح الشكلي بمصطلحات ومفردات عصرنا الحديث وعوالم الإنترنت، وكأنها تقدم رصدًا قشريًّا أو طرافة محضة في قالب شعري، ولم تقدم روحًا شعرية متوهجة ولا رؤية إنسانية شاملة، ناجمة عن اصطدام الشاعر بهذا العصر، وتفاعله معه، ومعاناته فيه.

  • · ألا يُعَدّ إعلاؤكَ للإنسان الآلي كمؤلف اعتباري للديوان بمثابة إعلانٍ لانتصار “الميكانيكي” على “الروحاني” في هذا العالم؟

= لستُ معنيًّا أساسًا بفكرة الإعلان، الإعلان عن أي شيء، وليس هذا دوري كشاعر. لكن في تصوري أن النص يحمل مقترحًا غائيًّا يزيد احتمالات ترجيح كفة الإنسان، في صراعه مع الآلة.

“الطاقة البديلة أكذوبة كبرى، في عالم نفدت طاقته الروحية”، في هذا الفلك يدور النص، فلا مكان للبدائل، فإما أن تعود الطاقة الروحية، وإما أن تتأكد النهاية الحتمية لذلك الكائن الآلي. الميكانيكي إذن لا يمكن أن ينتصر على الروحاني، بعكس ما يدعي السؤال.

للوهلة الأولى، قد ينخدع البعض في عنوان النص، وفكرته، فالأمر يبدو وكأنه انتصار للآلة، فالروبوت هنا هو البطل، بالمعنى الكمي، وهو الثورة، والثائرون كلهم، إذ لم ينضم أحد إلى لوائه! لكن المنتصر في حقيقة الأمر هو الإنسان، لأن هذا الروبوت ـ ببساطة ـ هو روبوت منقلب على قوانينه وبرمجياته، شاذ عن منظومة الحياة الآلية، راغب في الارتداد إلى إنسانيته. الإنسان الغائب، الذي يبحث عنه الروبوت، هو البطل الفعلي، وليس الروبوت الحاضر، الذي يبحث عن الإنسان في صحراء الكون مترامية الأرجاء.

  • · “تتمنّى ساعةُ القلبِ، لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً، فتدقّ دقّتينِ مثلاً في تمامِ الواحدة! هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ، حاشا، الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ/ كلّ ما في الأمر، أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا، أن كواكبَ المجرّةِ وإلكتروناتِ الذّرّةِ، من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها”. هكذا يقول الآلي. أيمكن أن يكون “الخطأ” أحيانًا مطلبًا؟!

= عندما يتمنى الروبوت “الخطأ”، وعندما يقدس “الفيروس”، وعندما يفرح بالوجع، فإنه في حقيقة الأمر ينشد الاقتراب من إنسانيته المفقودة، بكل ما تعنيه من فطرية وبكارة ولا نسقية، ولعل هذه التطلعات التي تنتاب الروبوت تبرز الملامح الخاصة لهذه الحالة الإبداعية، فهي حالة تحولية، تراهن على عدم الاستقرار، والرغبة في التحلل والتحرر المطلقين من كل شيء، أملاً في الخروج من صيغة كابوسية راهنة، والوصول إلى أية صيغة أخرى محتملة، حيث لن تكون الصيغة البديلة أسوأ، بأي حال من الأحوال! هي لحظة تمرد على المألوف، انفكاك من ميكانيكية الحياة وهوس الانضباط الخانق، تزحلق فوق الثوابت، تحرك ضد قوانين البشر، وقوانين الروبوتات، وأنظمة التشغيل والبرمجيات المعهودة.

هي أيضًا لحظة بحث؛ بحث عن نيرمانا، حمالة الأوجه والتيمات المتعددة بأسمائها الستة عشر، الطاقة الإنسانية الغائبة عن الحاضر، والحاضرة في الضمير. وهي أخيرًا لحظة اكتشاف؛ اكتشاف لجوانيات الذات، وإحداثيات الواقع المعيش، الفعلي والافتراضي في آن واحد. إن هذا الروبوت المبدع، المتمرد على القطيع، والذي يُجري مائتي محاولة حياتية وإلكترونية (سيرش) للبحث عن نيرمانا، لم يقفز من النافذة منتحرًا، بل إن معنى الانتحار النسبي قد يصبح “فرصة حياة”، لمن هو ميتٌ أصلاً!

لقد قرر الروبوت الانسحاب غير المسبوق، غير محسوب العواقب والنتائج، من هذه الغرفة الكونية المجهزة، المرتبة، الصالحة لحياة ميكانيكية الطابع، رقمية الانتظام، محسوبة الأبعاد، لكنها غرفة غير مشمسة، لا تمرح فيها الأرواح. لقد انتقل الإنسان الآلي من حياة هندسية زائفة، تساوي جوهر الموت، إلى حياة افتراضية، فوضوية، يبحث فيها عن ذاته الإنسانية المنقرضة، ويطارد فيها بحريّةٍ نيرمانا المفترضة، ذات الأسماء والدلالات المتعددة، التي يؤمن بوجودها جميعًا وحده.

وقد عاد الإنسان الآلي إلى نقطة البداية حقًّا، ولم يعثر على نيرمانا، أو ذاته السرابية المنقرضة، التي كان يدرك مسبقًا أنه لن يجدها، لكنه أبدًا لم يعد حاملاً الصفر الحسابي، بل تحرر فعليًّا من كل القيود، اكتشف فردانيته وخصوصيته، تحرك ضد الإجراءات، ضد البرمجيات، خارج شروط الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة، أية قوة، ضد سيادة النظام، أي نظام. ومن ثم، فإنه تمكن من كشف ومعاينة سوءات عصره، الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، ووضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس أو النفق المظلم.


  • · أطلقتَ القصيدة في اتجاه بحور الإنترنت وفضاءات الرقمية. أيحتمل النص الورقي مثل هذه الانفتاحات اللامحدودة؟ وهل للتخطيط والاشتغال الواعي حيز في ديوانك الأخير، الذي يبدو مشروعًا متكاملاً، والذي جاء بعد تسع سنوات من التوقف؟

= بداية، هو لم يكن توقفًا، كانت فترة لالتقاط الأنفاس والمراقبة الهادئة للمشهد، بعد ديوان “الألوان ترتعد بشراهة” المطوّل المرهق، إذ تجاوزت صفحاته ألف صفحة. وبعد افتتاح “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” (صيف 2008)، شعرتُ بأن سنوات التأمل العميق لم تضع سدىً، وبأنني كنت أكتب الكثير والكثير بداخلي أثناء صمتي طوال هذه السنوات التسع، وأنني الآن في آخر مراحل التأليف، وهي مرحلة تحويل ما بداخلي من زخم شعوري وأفكار وانشغالات إلى أسطر وكلمات.

بالنسبة لحضور الوعي في الكتابة، أحب أن أوضح ببساطة أن الشعر عندي ليس اهتمامًا، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جدًّا، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو “التمثيل الضوئي” الذي فُطرت عليه روحي، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدًّا، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات. الميكانيزم معقد بالتأكيد، هذا أمر مسلّم به، لكنني لا أقف كثيرًا عنده، طالما أن العملية تحدث من تلقاء ذاتها (عملية تحويل طاقة الحياة إلى طاقة شعرية)، وطالما أن المنتج غزير وافر بفضل الله، والأهم أنه منتج جديد، مرغوب فيه، لا يشبه غيره، قادر على أن يترجم بأمانة شفرتي الوراثية، ويعكس مكابدات صديقي الإنسان في كل مكان، ويرسم صورة بانورامية لهذا العصر الآلي الرقمي، بتركيز شديد.

أنا لا أبسّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على “الشعرية الخام” إذا جاز التعبير.

أن أكون شاعرًا معناه: أن أنبض، أن أحيا. ولماذا لا أحيا في ظل الموجة الرقمية، أو غيرها من الموجات؟! بل لماذا لا تتفجر “الشعرية” من الفأرة والكيبورد والتيار الكهربائي المتردد؟ ولماذا لا تحلق الروح في فضاء افتراضي، باحثة عما تفتقده في هذا العالم؟ وماذا ستجني الروح من خسارةٍ لو كسبتْ اغترابًا إضافيًّا فوق اغترابها المزمن؟!

هو عصر رقمي نعيشه، هذه حقيقة، ولا يمكن أن تغيب تأثيرات وانعكاسات هذه “الرقمية” ـ كنمط حياة ـ عما يكتبه الشاعر الحقيقي اليوم، وإلا فإنه يكتب عن عصر آخر، ويعيش حياة أخرى، فوق كوكب آخر! والنشر الإلكتروني للشعر هو أحد ـ وليس كل ـ وجوه الاجتياح الرقمي للشاعر. والأهم بالتأكيد من اختيار الشاعر للرقمية كوعاء جديد للنشر، أن يكون ما في الوعاء جديدًا معبرًا عن معاناة الإنسان في العصر الرقمي الخانق.

أتخيل أن “حياة الشعر” مرهونة في الأساس بكونه “شعر حياة”، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة ـ بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية ـ تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.

تجربتي كلها تشتبك مع جوانيات الحياة الرقمية، هذا ما أثق به، والعدد الأكبر من القراء والأصدقاء المبدعين والنقاد قد اطلعوا على الديوان من خلال نسخته الإلكترونية، لكن صدور الديوان بأجزائه المتعددة في طبعته الورقية أمر مهم بالنسبة لي، لأن الوسيط الورقي لا يزال قادرًا على تطوير نفسه وتطويعها لاستيعاب تشكلات فنية جديدة تتمثل روح الحياة الرقمية، وهذا ما أردتُ إثباته من خلال الغلاف والإخراج الطباعي المغايرين للمألوف في الدواوين الورقية.

في تصوري أن الكتاب الإلكتروني لن يحل تمامًا محل الكتاب الورقي بالسرعة التي توقعها البعض، لكنه سيتجاور معه بالتأكيد لفترة قد تطول، والأهم من هذا التجاور، أن تأثير “الرقمية” كجوهر حياة سيتجه بقوة إلى الكتاب المطبوع نفسه، مضمونيًّا وإخراجيًّا، كما حدث في “الأعمال الكاملة لإنسان آلي”، وأنا هنا بالطبع أتحدث عن الكتب الإبداعية على وجه التحديد.


  • · صدرت ثلاث طبعات للأعمال الكاملة لإنسان آلي في فترة وجيزة، وتحمست دور نشر متعددة لتوزيعه، واختير الديوان للتدريس في جامعة “آيوا” الأمريكية. إلى أي مدىً أنت راضٍ عن تجربة صديقكَ الآلي؟!

= راضٍ إلى أبعد الحدود عن كل ما حدث، ويحدث، وأهم ما يرضيني أنني كتبتُ ـ وأكتبُ ـ كل ما أريد أن أكتبه بتصالح تام مع الذات والحياة والواقع، بالصورة السلسة المتدفقة التي تشبعني، وكأنني يُملى عليّ، وبالإخراج الفني المغاير، الذي يتسق مع هذا المضمون الجديد. لي أن أراقب ما يحدث بسعادة بالغة، ولا أملك سوى تحية هذا الروبوت المتمرد، باعتباره مفجّر هذا النص، بعيدًا عن النمطية وكليشيهات الكتابة النثرية التي باتت مستنسخة. إن صديقي الآلي قد راهن منذ البدء على أن يكون صوت نفسه، وصوت صديقه الإنسان في كل مكان، وأن يطلق “فيروسات” جمالية، تعمل على قهر الثوابت، وخلخلة “أنظمة التشغيل” الإدراكية المتعارف عليها.

من حق صديقي الآلي، ومن حقي بدوري، السعادة والفخر بما حدث، وهناك أيضًا صدىً نقدي وإعلامي كبير للنص، في الصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية العربية والمجلات الأدبية المتخصصة، وأجمل من هذا كله، هناك تواصل حميم عريض مع القراء من سائر الأقطار العربية، ممن أحسنوا التفاعل مع النص، بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وإن رسائل هؤلاء القراء وكلماتهم وتعليقاتهم في موقعي الشخصي وفي الجروب الخاص بي على “الفيس بوك” مؤشر حيوي على أن الشَّمال الجغرافي الذي قصدته بوصلتي الإبداعية هو فعلاً الشَّمال الجغرافي، وليس تخاريف ملاح أسكره دوار الشِّعر!


  • · قلتَ من قبل: “لقد أَسْكَنَتْنِي الغُرْبَةُ قصيدتي، ومَنَحَتْنِي قصيدتي ألفَ وطنٍ، بفضل الله”. هل لابتعادك عن مصر منذ ثلاث سنوات دور في تفجير تجربة إنسانك الآلي الباحث عن ذاته؟

= إقامتي في السعودية منذ حوالي ثلاث سنوات وجه من وجوه الغربة التي يرسمها النص، فهذا الابتعاد عن الوطن يحرم الإنسان بالتأكيد من كثير من سمات الحياة العادية الطبيعية. لكن معنى الاغتراب الأكثر عمقًا وشمولية في النص متعلق باستلاب الذات، وغيابها، واحتلال ملكات الإنسان، وتوجيه مسلكه إلى حيث لا يرغب، وإثقاله بالقيود والضغوط الخانقة، بما يفقده شخصيته وهويته. إن قمة الاغتراب أن يفقد الإنسان إنسانيته، ولا يدري مَنْ هو، ويزداد تعطشه إلى الآخر الحيّ، وليس إلى الوسائل والتقنيات المساعدة. يقول “الروبوت” في “غازات ضاحكة” (الجزء الثاني من: الأعمال الكاملة لإنسان آلي):

“الغريبُ  الذي يعبرُ الطريقَ

ليس بحاجةٍ إلى عصا بيضاءَ،

ولا كلبٍ مدرّبٍ ..

هو بحاجةٍ إلى أن تصير للطريقِ عيونٌ،

تتسعُ لغرباء”

  • · هلا رسمتَ لنا بعض ملامح الجزء الثاني “غازات ضاحكة”؟

= يواصل الروبوت في هذا الجزء تحسسه لما هو إنساني خالص، ويضع يده بالفعل على كثير من الفوارق بين الحقيقي والزائف، ويعبّر في لقطات مكثفة عن حالات متداخلة، منها حالة الألم (وجع ضرس العقل الإلكتروني) التي تؤدي إلى محاولة البحث عن مسكّن أو علاج، وحالة استنشاق الغازات المخدرة التي تقود إلى شد عظام الفكين وظهور ابتسامات بلاستيكية بلون القطن الطبي تعني حياة مصطنعة وتواصلاً باهتًا مع الآخرين من الزوار المعقّمين، وحالة الغيبوبة التي تنجم عن الإفراط في استنشاق الغاز المخدر وتتضح فيها هلوسات وأحلام الروبوت الطامح إلى الارتداد إلى صورته الطينية، ثم حالة الموت التي تجسد انتصارًا لإرادة الحياة البديلة على قوة أجهزة الإعاشة الجبرية في المستشفى. ومن أجواء هذا الديوان:

“التمرةُ الصغيرةُ

التي أخرَجَتْها أمّي من فمها

بعد أن مَضَغَتْها

كانت كافيةً جدًّا لإشباعي

أنا الوليد المحتاج إلى السّكّرِ الأحاديِّ

حديقةُ النخيلِ كلّها

غيرُ كافيةٍ لإزالةِ الملحِ بداخلي

أنا الكبير المحتاج إلى أمّي المركّبةِ

*    *    *    *

في الحفلِ التنكّريّ

أردتُ ألا يعرفني أحدٌ

فذهبتُ عاريًا تمامًا

النساءُ كلهنّ عرفنني

تفادين مصافحتي

خشيةَ أن أعرفهنّ وأفضحهنّ

واحدةٌ فقط

لم تعرفني، ولم أعرفها

رقصتْ معي ستّ رقصاتٍ

وفي الرقصةِ السابعةِ

اكتشفتُ أنها ملابسي

التي خَلَعْتُها قبل الحفلِ

  • · رغم الحضور الكبير لشعرك في المنابر والأوساط الثقافية في العالم العربي، والإشادة بفرادته وتميزه، فإنك على الصعيد الشخصي غائب عن المهرجانات والمؤتمرات والتجمعات الشعرية، الرسمية والهامشية. بم تفسر ذلك؟

= لستُ شاعر كارنفالات، يكفي أن شعري حاضر ومؤثر كما تقول، يصل بيني وبين صديقي الإنسان في كل مكان. حضوري الجسدي في المحافل لن يفيدني ولن يفيد غيري بشيء، حضور قصيدتي في الذائقة الشعرية الجديدة هو الأهم والأبقى. إنني أترك للدهشة أن تطلق بمعرفتها تجربتي خارج الخانات الضيقة والمساحات المتوقعة.

يشار إلى أن الشاعر شريف الشافعي يعمل صحافيًّا في مؤسسة الأهرام بالقاهرة منذ عام 1996، وسكرتير تحرير مجلة “نصف الدنيا” الأسبوعية، وقد حصل على إجازة في فبراير 2007، منتقلاً إلى مدينة الْخُبَر السعودية، التي يقيم فيها حاليًا، حيث يُسْهِمُ في إصدار المجلات والمطبوعات الطبية الخاصة بإحدى المؤسسات الكبرى.

ولد الشافعي في مدينة منوف بدلتا مصر عام 1972، وله ثلاثة دواوين شعرية قبل “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” (2008)، هي: “بينهما يَصْدَأُ الوقتُ”, 1994, سلسلة “كتاب إيقاعات الإبداعي”، و”وَحْدَهُ يستمعُ إلى كونشرتو الكيمياء”, 1996, الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة, بالإضافة إلى “الألوانُ ترتعدُ بشراهَةٍ”, 1999, الذي صدر في أكثر من ألف صفحة عن “مركز الحضارة العربية” بالقاهرة، كما صدر له أيضًا كتاب بحثيٌّ بعنوان “نجيب محفوظ: المكان الشعبيّ في رواياته بين الواقع والإبداع” عن الدار المصرية اللبنانية عام 2006. والشافعي عضو في اتحاد كتاب مصر، وفي نقابة الصحفيين المصريين، وفي منتدى الكتاب العربي على الإنترنت في سويسرا، وله صفحة شخصية باسمه في المنتدى، فضلاً عن موقعه الإلكتروني الخاص على شبكة الإنترنت:

http://www.sharif.50megs.com/

——————–

(*)، صحافي وكاتب من مصر

doback_2005@yahoo.com