أئمة القراءات ورواتهم (ملف خاص)


أئمة القراءات ورواتهم (ملف خاص)

لأسباب كثيرة، ووقائع تطلب في مظانها، قرر عثمان بن عفان، جمع المسلمين على مصحف واحد، ثم أرسل منه عدة نسخ إلى الأمصار الرئيسة في هذا الوقت: الكوفة والبصرة والشام ومكة والمدينة التي حظيت بمصحفين، يسمى أولهما المدني العام، وهو المصحف الذي جعله عثمان لأهل المدينة قاطبة، والثاني المدني الخاص، وهو المصحف الذي اختص به نفسه.

لكن المصحف الذي جمع عثمان عليه المسلمين لم يكن “مصحفا واحدا” بالمعنى الحرفي، ولكنه كان عدة مصاحف، كتبت بطريقة تحتمل القراءات المختلفة المقبولة والمتواترة، ثم أمر الخليفة الثالث بإحراق ما يخالف مصاحفه “المعتمدة” من النسخ التي ضمت روايات آحادية لم تتواتر، أو ضمت ما يعرف بقراءة التفسير، وهي عبارات كان بعض الصحابة يكتبونها في المصاحف لتبيين معنى بعض الآيات، مثل “أرشدنا الصراط المستقيم” ومثل “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر”.

كتب عثمان ومعه كبار قراء الصحابة المصاحف مراعين مساحة الاختلاف المقبول في القراءات، والذي يعبر عنه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله.. اقرأ (أي هشام) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه.

ويرجح أئمة القراءات أن المراد بـ”الأحرف” أوجه القراءة المختلفة، وتعدد طرق أداء بعض الكلمات القرآنية تيسيرا على القبائل العربية، ويسوقون في هذه المسألة عددا من الأحاديث، من أهمهما تلك المحاورة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل، الذي أخبر الرسول أن الله أمره أن يقرئ أمته القرآن على حرف، فقال النبي إن أمته لا تطيق ذلك، ومازال يراجع جبريل حتى قال له: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف.

وبالطبع لا يعني هذا الحديث الأئمة السبعة المشتهرين، الذين لم يكونوا قد ولدوا، كما أن قراءاتهم لم تشتهر في حياتهم، إذ إن أول من جمعها هو أبو بكر بن مجاهد المتوفى سنة 324 هجرية.

وقد اشتهر سبعة من أئمة القراءات، هم: الإمام نافع المدني، وراوياه قالون وورش، والإمام ابن كثير المكي، وراوياه البزي وقنبل، والإمام أبوعمرو البصري، وراوياه الدوري والسوسي، والإمام ابن عامر الشامي، وراوياه هشام وابن ذكوان، والإمام عاصم الكوفي، وراوياه شعبة وحفص، والإمام حمزة الكوفي، وراوياه خلف وخلاد، والإمام الكسائي الكوفي، وراوياه أبو الحارث والدوري.

وقد نظم الإمام الشاطبي (538 – 590 هـ) خلافات الأئمة السبعة في قصيدته المشهورة بين طلبة هذا الفن: حرز الأماني ووجه التهاني، وهي نظم يتألف من 1173 بيتا، حظيت بالعديد من الشروح قديما وحديثا.

أما إمام أئمة القراءات محمد بن الجزري (751 – 833 هـ)، فقد وضع ثلاثة شروط لقبول القراءة واعتبارها قرآنا: الأول، التواتر، من جمع عن جمع، فلا تقبل روايات الآحاد. والثاني، موافقة اللغة العربية ولو بوجه ضعيف، فما لا تقبله اللغة بأي حال لا يقبل كقرآن. والثالث، موافقة رسم أحد المصاحف التي كتبها عثمان بن عفان، فلا تقبل قراءة تخالف رسم المصاحف العثمانية.

وقد أشار الإمام ابن الجزري إلى هذه الشروط في منظومته الشهيرة طيبة النشر في القراءات العشر بقوله: فكل ما وافق وجه نحوِ ** وكان للرسم احتمالا يحوي ** وصح إسنادا هو القرآن ** فهذه الثلاثة الأركان.

وقد وجد الأمام ابن الجزري أن هذه الشروط تنطبق على قراءات أئمة ثلاثة، هم: الإمام أبو جعفر المدني، وراوياه ابن جماز وابن وردان، والإمام يعقوب الحضرمي، وراوياه روح ورويس، والإمام خلف العاشر، وراوياه إسحاق وإدريس، فضم الثلاثة إلى الأئمة السبعة المشتهرين، ونظم خلافات العشرة في قصيدته طيبة النشر، فإذا سمعنا عبارة القراءات السبع، فالمقصود السبعة المذكورين في الشاطبية ورواتهم، أما القراءات العشر، فتعني سبعة الشاطبية مضافا إليهم الثلاثة الذين أثبتهم ابن الجزري في الطيبة.

وجدير بنا أن نشير إلى أن أئمة القراءات العشر عاشوا في حقبة تمتد من النصف الثاني للقرن الأول الهجري وحتى العقود الأولى للقرن الثالث، فأسبقهم ميلاد الإمام ابن كثير المكي، الذي ولد عام 45 هجرية، وهو أيضا أسبقهم رحيلا، حيث توفى عام 120 هجرية، أما آخرهم ميلادا ووفاة فهو الإمام خلف البزار، الشهير بالعاشر (150 – 229).. وأما الرواة فآخرهم وفاة هو محمد بن عبدالرحمن المكي، الشهير بقنبل، راوي ابن كثير، وتوفي عام 291 هـ.

إعداد وكتابة: هيثم أبو زيد