روسيا على خط الأزمة الفنزويلية

يبدو أن روسيا مصممة على مزاحمة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق كثيرة، فبعد سوريا والعراق وأفغانستان وكوريا الشمالية ولمساتها في اليمن وليبيا، ها هي تمد شبكة النفوذ إلى فنزويلا، والتي تعتبرها واشنطن إحدى حدائقها الخلفية.

فنزويلا بين الدعم الروسي والتدخلات الأمريكية

في اتصال غداة الدعوة الأمريكية إلى مناقشة الوضع الفنزويلي في مجلس الأمن، أجرى الرئيسان الروسي، فلاديمير بوتين، والفنزويلي، نيكولاس مادورو، اتصالًا هاتفيًّا بالأمس، بحثا خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين.

الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، أكدت أن روسيا ستساعد فنزويلا على تطبيع الوضع الداخلي إذا طلبت كراكاس ذلك، وعلقت زخاروفا على الدعوة الأمريكية لمناقشة الوضع الفنزويلي في مجلس الأمن بالقول إن الوضع في فنزويلا لا يهدد السلم والأمن الإقليميين.

فيما أكد وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير لوبيز، أن “المعارضة الفنزويلية تحول ولاية تاشيرا إلى حلب أخرى”، وأنها تسعى بدعم خارجي لتحويل فنزويلا إلى سوريا، وكان الوزير الفنزويلي قد أمر بنقل 2000 جندي و600 من ضباط العمليات الخاصة إلى المناطق التي تشهد اضطرابات.

اتهام لوبيز تزامن مع رفض فنزويلا محاولة الولايات المتحدة طرح أزمتها أمام مجلس الأمن، فسفيرها لدى الأمم المتحدة، رفائيل راميريز، قال إن الوضع في بلاده شأن محلي، متهمًا واشنطن بتشجيع العناصر العنيفة داخل بلاده في مسعى للإطاحة بحكومة الرئيس مادورو.

كلام راميريز قابله تحذير أمريكي من تدهور الوضع في فنزويلا، وتحوله إلى صراع شبيه بما يحدث في سوريا وجنوب السودان، ومندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، نيكي هالي، قالت “إن الأمور تتجه نحو الأسوأ، ونحن نحاول القول إنه من الضروري أن يقول المجتمع الدولي: احترموا حقوق الإنسان الخاصة بشعبكم، وإلا فإن الوضع سيسير في اتجاه سبق أن رأينا آخرين كثيرين سلكوه”.

الوضع في فنزويلا

من أروقة مجلس الأمن الذي يتناول الوضع في فنزويلا للمرة الأولى، إلى الشوارع التي لا تزال تشهد مواجهات عنيفة بين القوات الأمنية والمعارضة، أعلنت الشرطة الفنزويلية ارتفاع عدد ضحايا المواجهة إلى 43 منذ بداية الاحتجاجات، كما أكدت نهب نحو 20 محلًّا تجاريًّا، وإضرام النار في مبنيين للشرطة، ومهاجمة موقع للجيش في ولاية تاشيرا قرب الحدود مع كولومبيا.

وحول الإضرابات في فنزويلا يقول النائب السابق في البرلمان الفنزويلي، عادل الزغير، إن الولايات المتحدة تحاول تأجيج الأوضاع في فنزويلا، وإن المظاهرات التي تحدث في كاركاس، على سبيل المثال، تحدث بنسبة 10% من مجمل العاصمة الفنزويلية، وهذه المظاهرات تحدث في أماكن الأغنياء وبعض مناطق الطبقات المتوسطة، وهي لا تحدث في المناطق الشعبية التي تمثل غالبية الشعب الفنزويلي.

وقال الزغير إن النفط يلعب عاملًا مهمًّا في سياسة الدول تجاه فنزويلا، وأضاف أن فنزويلا تفوقت على المملكة السعودية في الاحتياطي النفطي، فالرياض لديها 270 ألف مليون برميل، بينما فنزويلا لديها 286 ألف مليون برميل.

وهنا يجب النظر إلى موقف الشركات النفطية الأمريكية من فنزويلا، والتي تلعب دورًا في تحريك المشهد السياسي في أمريكا، وهذا الموقف يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية تبقى حتى اليوم الوجهة الأولى للصادرات النفطية الفنزويلية، فبين 10 و12% من كل النفط الذي يصل إلى أمريكا يأتي من فنزويلا، لذلك نشهد تنامي شعور الإحباط لدى الشركات النفطية الأمريكية؛ لأن الرئيس الفنزويلي الراحل، هوجو تشافيز، قرر تأمين عمليات استخراج النفط وتصدير النفط في فنزويلا، وهي العمليات التي كانت تقوم شركات أمريكية بإدارتها في السابق، وبالتالي يسود شعور عام بالعداء حيال حكومة مادورو كامتداد لتشافيز، وكانت أصابع الاتهام قد وجهت للاستخبارات الأمريكية لعملية الانقلاب التي استهدفت تشافيز عام 2002، ولكنها باءت بالفشل.

ويرى أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج تاون الأمريكية، داوود خير الله، أن للولايات المتحدة لها مصالح اقتصادية مع كاركاس، وأن خلق فنزويلا وضعًا جديدًا في القارة الأمريكية الجنوبية، ونوعًا من الاستقلال عن الإرادة الأمريكية، ونوعًا من الخروج على الطاعة لأمريكا، كل هذا يشكل سابقة خطيرة للولايات المتحدة.

من جهتها تحاول فنزويلا أن تغلق باب رياح التدخل الخارجي، فالرئيس الفنزويلي، وبعد مرور 5 أسابيع على اندلاع التظاهرات، مدد حالة الطوارئ في البلاد للمرة السابعة، وعلى كتف كولومبيا جارة فنزويلا وحليفة واشنطن أمر بنشر آلاف الجنود في ولاية تاشيرا الواقعة غرب البلاد.

ويرى مراقبون أن أمريكا ماضية في مشروعها الذي يستهدف فنزويلا، وأما لسان حال مادورو فيتلخص في عبارته الشهيرة التي وجهها منذ أشهر للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حين حذره من أن كراكاس سترد بحزم على أي عدوان أمريكي، ويملك الرئيس الفنزويلي مجموعة من الأوراق القوية التي قد تؤهله لمجابهة واشنطن، منها أنه يحظى بدعم الطبقة الفقيرة والمتوسطة في فنزويلا، والأهم من ذلك دعم الجيش الفنزويلي الواضح له.

وأما بالنسبة للمقارنة بين الوضع الفنزويلي والسوري، فيرى محللون أنه قد لا تصح على المستوى الإقليمي، فالمحيط الإقليمي لفنزويلا معظمه صديق لكاراكاس، على عكس دمشق، فسفير بوليفيا لدى الأمم المتحدة انضم إلى نظيره الفنزويلي؛ ليؤكد أن اجتماع مجلس الأمن من شأنه أن يمثل عقبة، بدلًا من أن يساعد على حل الأزمة.

الجدير بالذكر أن من أهم الأسباب لتدهور الوضع في فنزويلا الهبوط الحاد في أسعار والنفط، في الوقت الذي يعتمد الاقتصاد الفنزويلي عليه بصورة كبيرة، الأمر الذي مارس ضغوطًا على الإدارة الفنزويلية في تأمين بعض المتطلبات الاقتصادية لشعبها، وازدياد نسبة التضخم فيها.