الرئيس بالبلوجينز والشعر الأبيض

أثار عمر الرئيس الفرنسي الجديد (39 سنة) الكثير من التعليقات، وربما الحسرات لدى أعداد كبيرة من المصريين، وهي حسرات على بقاء النخب الحاكمة في بلادنا بدون تجديد، حتى ولو اختلفت الأسماء تبقى السياسات هي نفسها وربما بنفس الطرق القديمة، ما يخلق مفارقات مع الواقع المتجدد أبداً، ولدى القراءة المتأنية لتلك التعليقات ومضمون تلك الحسرات، يمكن أن نؤكد أن الأهم من العمر هو تجديد النخبة الحاكمة، والأهم منهما هو السياسات الجديدة التي تتبناها تلك النخبة المجددة.

وأحسب لو أن أعداداً غفيرة من المصريين اطلعوا على تجربتي رجلين، أحدهما من أمريكا اللاتينية، من الأورجواي، والآخر من قارتنا، من شرق إفريقيا، بالتحديد من تنزانيا، لزادت حسراتهم على تلك النوعية من الحكام التي لا نصيب لنا خارج دائرتها التي تبدو مغلقة لا يدخل إليها غير الرؤساء من نفس المواصفات وذات السياسات.

الأول اسمه: خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو، والثاني اسمه: جون ماجوفولي.

الأول أمضى فترته الرئاسية الأولى والتي أصر على أن تكون الأخيرة، رغم مطالبات شعبية واسعة ببقائه في السلطة لمدة رئاسية ثانية، وعاد إلى بيته الريفي الذي لم يغادره حتى وهو رئيس إلا ليمارس شؤون الحكم من القصر الرئاسي.

غادر الرئيس خوسيه موخيكا كرسي الرئاسة بعد انتهاء ولايته الأولى والأخيرة، وهو في قمة شعبيته، وكان قد أجرى في ولاية رئاسية واحدة إصلاحات اجتماعية مهمة في الأورجواي، وانخفض عدد الفقراء والمحتاجين في البلاد، وحسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية، فإن معدل الفساد في الأوروجواي انخفض بشكل كبير خلال ولاية موخيكا، حتى صار هذا البلد الواقع في أمريكا الجنوبية المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فسادا في أمريكا اللاتينية.

خوسيه موخيكا، الذي يزيد عمره عن الثمانين سنة، ويرتدي البلوجينز، ولا يصبغ شعره الأبيض، لم يكن يحتفظ لنفسه إلا بنسبة 10 % من راتبه الرئاسي، ويتبرع بالباقي لجمعيات خيرية، مفضلاً أن يبقى بلا حساب في البنك، وبلا ديون “لأني أريد راحة البال والاستمتاع بوقتي في المزرعة مع زوجتي الآن وبعد انتهاء ولايتي”، لا يترك لنفسه إلا المبلغ الذي يكفيه ليعيش حياة كريمة، وسكن في نفس المنزل ونفس الحي وبنفس الطريقة قبل توليه الرئاسة، لأن أغلبية الشعب الذي صوت له من الفقراء، لذلك يجب عليه كما قال “أن يعيش مثلهم ولا يحق له عيش حياة الترف”.

وأغلى شيء لديه وفق تصريحه هو سيارته القديمة من طراز “فولكس فاغن بيتل” التي تقدر قيمتها بـ 1945 دولارا، وحين عرض ثري خليجي شراء سيارته الخنفساء بمليون دولار، قال لو فكرت بالبيع سوف أتبرع بها للفقراء، ولا يزال يعيش آمناً في منزله من دون حراسة، تحرسه محبة شعبه.

رفض منذ أول يوم تسلم فيه السلطة الإقامة بالقصر الرئاسي، وعرض على حكومته عام 2014 استعمال بعض أجنحة القصر الرئاسي لإيواء المشردين بعد اطلاعه على عدم كفاية طاقة استيعاب المراكز المتوفرة بالبلاد، بل فاجأ الجميع في إحدى المرات حين اصطحب بنفسه إلى القصر امرأة وأبنائها ليقيموا فيه حتى وجدت لهم المصالح الاجتماعية مأوى آخر.

آمن موخيكا بأهمية الاستثمار في التعليم لتحقيق تطور الشعب، وكان يقول إن “الشعب المتعلم لديه أفضل الخيارات في الحياة، ومن الصعب أن يتعرض لمكائد أو خداع الفاسدين”، وقام موخيكا بالمشاركة بنفسه في عمليات التنقيب على جثث المعارضين الذين تعرضوا لأعمال قمع النظام الديكتاتوري في بلاده خلال سبعينيات القرن الماضي.

الرجل الذي وصف بأنه “الرئيس الأكثر تواضعًا في العالم” اكتفى بخمس سنوات في السلطة، وسلم وشاح للرئيس المنتخب من بعده، وعاد ليعيش مع كلبه “مانويلا” واثنين من الضباط لحمايته، في مزرعة صغيرة على مشارف العاصمة.

في الوقت الذي غادر فيه خوسيه موخيكا منصب الرئيس في أورجواي انتخب جون ماجوفولي رئيساً لدولة تنزانيا، التي يبلغ عدد سكانها: (50 مليون نسمة).

الرئيس المدني المنتخب حاصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء، وبدأ معلمًا في الثانوية، ثم خدم مع شركة صناعية قبل أن يدخل عالم السياسة، وبعد انتخابه في أكتوبر 2015، أقال عددًا من المسؤولين البارزين، من بينهم رئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس مصلحة الضرائب، ومسؤول بارز في السكك الحديدية، ورئيس هيئة الموانئ، في إطار حملة أوسع لمكافحة الفساد.

قال ماجوفولي في أول خطاب له بعد انتخابه “عهدي معكم 4 سنوات أستسمحكم أن تمهلوني عامين فقط من اليوم، وأتعهد في نهايتهما أن لن يبيت منكم فقير أو جائع أو محروم، ولن ينعم الأغنياء بملذاتهم وإخوة لهم في الجنسية يفترشون العراء، فنحن لسنا أقل من البرازيل، ومن تجربتها مع العظيم “لولا دا سيلفا” الذي نهض بها في 4 سنوات وجعلها سادس أقوى اقتصاد في العالم، فظروفنا خير منها، وعدد سُكاننا أقل منها، ونسبة الفقر في بلادنا ليست مُرتفعة مثلها، سننهض مثلما نهضت، وإن لم يتحقق ذلك سأترك الحُكم على الفور قبل انقضاء مُدتي لمن سيُحقق هذا الحُلم”.

وقرن الرئيس التنزاني الأقوال بالأفعال فأصدر في اليوم التالي قراراً برفع الضرائب على الأغنياء من 10% إلى 30% وتطبيق حد أدنى وأقصى للرواتب ومن سيعترض أو يُحاول أن يُعرقل تلك القرارات بأي شكل من الأشكال سيُعتقل فوراً وستضع الدولة يدها على متجره أو منشأته، كما أمر بمنح إعانة بطالة لكل من لا يعمل حتى تتوفر له فُرصة عمل مُناسبة أو غير مُناسبة.

أوقف الاحتفالات الرسمية في يوم الاستقلال، لوقف الصرف غير المبرر، وحول التكلفة لوزارة الصحة، وأنقص عدد الوزراء من 30 وزيرًا في الحكومة، إلى 19 وزيرًا، وألزم جميع الوزراء بالكشف عن أرصدتهم وممتلكاتهم، وهدد بإقالة أي وزير لا يكشف عن حسابه، أو لا يوقع على تعهد بالنزاهة.

منع جميع سفريات المسؤولين للخارج بغير ترخيص مباشر منه، حيث يرى أن هؤلاء المسؤولين، عليهم أن يهتموا بالمشاكل الداخلية، أما السفراء، فعليهم أن يهتموا بها في الخارج، كما منع المسؤولين في الحكومة من السفر في الدرجة الأولى في الطائرات.

منع اللقاءات والندوات الحكومية التي تقام في الفنادق، وفي لقاء الكومنولث، أرسل 4 من المسؤولين فقط ليمثلوا البلاد بدلًا من 50 ممثلًا كانوا يستعدون للسفر كوفد حكومي.

وفي زيارة مفاجئة له قام بها للمستشفى الرئيسي في الدولة، وجد المرضى يفترشون الأرض، ووجد أيضًا بعض الأجهزة الطبية معطلة، فعزل جميع المسؤولين في المستشفى، وأعطى مهلة أسبوعين للإدارة الجديدة لإصلاح الأعطال، لكن وفي خلال ثلاثة أيام فقط، أصلحوا كل شيء.

أنقص ميزانية حفلة افتتاح البرلمان الجديد إلى 7 آلاف دولار من 100 ألف دولار، وحول المبالغ لتكملة نواقص المعدات الصحية بالمستشفى الرئيسي بالبلاد.

أرسل رئيس الوزراء في تفتيش مفاجئ لميناء دار السلام، واكتشف وجود تجاوزات ضريبية، واختلاسات بلغت 40 مليون دولار من العائدات، فأمر باعتقال رئيس الديوان في تنزانيا مع خمسة من كبار مساعديه، وبدأ بتحقيق جنائي معهم.

قام بتحويل ملايين الدولارات، بهدف تحسين أوضاع التعليم والصحة والمستشفيات وإنشاء الطرق، وشن حملة شرسة على المتهربين من الضرائب، وجمع في شهر واحد 500 مليون دولار، ويقوم يوميًا بزيارات مفاجئة للوزارات والمؤسسات الرسمية، وعقب كل زيارة، يقيل عددًا من كبار المسؤولين، بل ويحيلهم للمحاكمة.

قاد بنفسه حملة لنظافة الشوارع في العاصمة دار السلام وحين انتقدته بعض الأقلام في الصحافة رد عليهم وقال: “وماذا أزيد أنا عن عامل النظافة حتى أستنكف عمل ما يعمله؟ نحن الاثنان موظفان في هذا البلد ولا فضل لأحد منا على الآخر وكل ما في الأمر أني أردت أن أكون قدوة لهم ولكل تنزاني يعشق تُراب هذا الوطن ولا يريد أن يراه مُتسخاً على الإطلاق”.

أطلقت عليه وسائل الإعلام لقب: البلدوزر، حيث شغله الشاغل وهمه الدائم منذ أن تولى رئاسة الدولة: اجتثاث ومحاربة الفساد في تنزانيا، وصار لقبه لدى مواطنيه هو ناصر الفُقراء الذي راح يحقق حلم تنزانيا التي انتظرته طويلاً وها هو يتحقق اليوم على يد حبيب الشعب.

لا سن الرئيس ولا عمر زوجته، ولا نوع صبغة شعره هي الفيصل في شأن انحيازاته وقراراته وسياساته، والأمثلة في التاريخ والحاضر تؤكد هذه الحقيقة، المهم أن يحكمنا رجل ينتمي إلى أحلامنا، ويحقق أهدافنا، ويجمع كلمتنا، ويوحد إرادتنا، والأهم أن يحترم كرامتنا وإنسانيتنا، ولكم في موخيكا وماجوفولي عبرة يا أولي الألباب.