أردوغان وإسرائيل.. الخلاف لا يفسد للمصالح قضية

رغم تطور العلاقات التركية الإسرائيلية السريع، إلا أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لا يزال يحاول إظهار نفسه معنيًّا ومهتمًّا بالقضية الفلسطينية، التي باعها سريعًا لغرض مصالحه الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يفضح مدى ازدواجية وتناقض هذا السلطان التركي.

حيث تستعد تل أبيب لاستقبال وفد اقتصادي تركي يُعَد الأرفع والأكبر منذ عشر سنوات، ويضم أكثر من 120 رجل أعمال، من بينهم مصدّرون ومديرون عموم لشركات تركية كبرى، في مجالات الطاقة والبناء والطيران والغذاء والزراعة، حيث من المقرر أن يصل هذا الوفد إلى الأراضي المحتلة خلال الأسبوع المقبل، ليشارك في تنظيم منتدى أعمال إسرائيلي-تركي، يحضره من الجانب الإسرائيلي 20 من رؤساء السوق الإسرائيلية، وسيهتم المنتدى بموضوع العلاقات التجارية الإسرائيلية-التركية، الأمر الذي يشير إلى محاولات تركية إسرائيلية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية على نحو متزايد بين الطرفين.

وصول هذ الوفد الاقتصادي التركي إلى الأراضي المحتلة يتزامن مع حالة من الغليان تسود فلسطين، خاصة في ظل حملات الاعتقال التعسفية التي يُصعد بها الاحتلال من جرائمه، ناهيك عن عمليات إطلاق النار العشوائية التي انتشرت خلال الأيام الماضية من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، أضف إلى ذلك معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها أكثر من 1600 أسير في سجون الاحتلال منذ أكثر من شهر، في ظل عدم مبالاه إسرائيلية بصحة هؤلاء الأسرى، الذين بدأت أوضاعهم الصحية تنهار نتيجة الإضراب.

بعيدًا عن الظروف التي تواكب وصول الوفد التركي، فإن هذه الخطوة تتناقض تمامًا مع تصريحات الرئيس التركي، الذي يخرج من وقت إلى آخر؛ ليشن سلسلة من التصريحات المهاجمة للكيان الصهيوني، لكنه سريعًا ما يناقض تصريحاته، ويرسل الوفود الاقتصادية والسياسية، ويستقبل ويرسل البرقيات والرسائل والمحادثات الهاتفية، ويتبادل التنسيق العسكري والسياسي والاقتصادي مع الكيان الصهيوني، الأمر الذي يفضح مدى النفاق والازدواجية التي يتعامل بها هذا الديكتاتور التركي مع السياسة الخارجية، خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية وإسرائيل.

قبل حوالي أسبوع من وصول الوفد التركي إلى الأراضي المحتلة، شن أردوغان هجومًا لاذعًا على حليفه الصهيوني، حيث قال تعليقًا على مشروع القانون الإسرائيلي الداعي لحظر رفع الأذان في القدس، خلال منتدى حول القدس في إسطنبول: إن كنتم واثقين من معتقداتكم، عليكم ألا تخافوا من حرية معتقدات الآخرين، فنحن واثقون من معتقداتنا؛ لذلك لا نخشى حرية المعتقدات. ولفت أردوغان إلى أنّ مشروع القانون ما زال موجودًا في البرلمان الإسرائيلي، وأنّ مجرد مناقشة هذا الموضوع أمر يدعو للخجل، وشدد على أن تركيا لن تسمح بحظر الأذان في القدس، واتهم إسرائيل بالاحتفاظ بالقدس دون المسلمين، وتساءل: ما الفرق بين الممارسات الإسرائيلية الحالية، والسياسة العنصرية والتمييزية التي كانت مطبقة تجاه السود في أمريكا سابقًا، وفي جنوب إفريقيا مؤخرًا؟ ودعا أردوغان المسلمين إلى الإكثار من زيارة القدس والمسجد الأقصى، وتابع: انطلاقًا من معتقداتنا ومسؤولياتنا التاريخية المتوارثة، فإننا نولي اهتمامًا كبيرًا للقدس وقضيتها ولكفاح إخوتنا الفلسطينيين من أجل العدل والحق، ونبذل جهودًا مضاعفة لجعل القدس مدينة الأمن والاستقرار والسلام مجددًا.

الهجوم التركي قابله هجوم مضاد من جانب إسرائيل، حيث انتقدت تل أبيب أردوغان، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، إيمانويل نحشون، إن من ينتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي في بلده، يجب ألا يعظ أخلاقيًّا الديموقراطية الحقيقية الوحيدة في المنطقة، وأضاف في بيان أن “إسرائيل تحمي باستمرار حرية العبادة الكاملة لليهود والمسلمين والمسيحيين، وستستمر في ذلك رغم محاولات تلطيخ سمعتها”، واستدعت إسرائيل السفير التركي في تل أبيب “كمال أوكيم” على خلفية تصريحات أردوغان.

في ذات الشأن تناولت بعض وسائل الإعلام والمسؤولين الإسرائيليين مسألة التناقض التركي بشكل يسخر من شخصية أردوغان، حيث قالت صحيفة “معاريف” العبرية، قبل أيام، إن التصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي مؤخرًا تعتبر الأكثر قسوة منذ توقيع اتفاق المصالحة بينهما في يونيو الماضي، وخلصت معاريف إلى القول: إن شخصية أردوغان تفاجئ إسرائيل دومًا، وتجعله خارج التوقعات، كما حصل إبان المواجهة الساخنة بينه وبين الرئيس الإسرائيلي الراحل شيمون بيريز في منتدى دافوس قبل سنوات، عندما انسحب من المؤتمر، ورفض مصافحة بيريز.

وأشارت الصحيفة إلى أنه لم يعرف سبب الهجوم المفاجئ لأردوغان على إسرائيل، إلا أن تصريحاته المتكررة ضدها في الماضي زادت كثيرًا من شعبيته في العالمين العربي والإسلامي، وظهر أيضًا في صورة المدافع عن المسلمين المضطهدين، ما ضاعف أيضًا من شعبيته داخل تركيا، فيما قال عضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، يؤاف غالنت: لا شيء حقيقيًّا في هجوم أردوغان الكلامي، لأنه يخرج من حين لآخر بتصريحات انطلاقًا من مصالح سياسية داخلية، لكن عندما يصل الأمر إلى حدود التطبيق العملي، فأعتقد أن لتركيا مصالح أخرى.

يبدو أن الرئيس التركي لا يزال متمسكًا بسياسة عقد المؤتمرات الخاصة بفلسطين وإلقاء الخطب المكتوبة بعناية فائقة وباحترافية غير مسبوقة؛ في محاولة منه لإظهار نفسه على أنه السلطان التركي المعني بالقضية الفلسطينية ومصالح الفلسطينيين، لكن هذا لا يعطيه حق زيارة الاحتلال الصهيوني والشرعية والضوء الأخضر لجذب المزيد من الاستثمارات على الأراضي المحتلة وإرساء عملية التهويد التي يسعى إليها الاحتلال بمساعدة بعض الدول العربية وتركيا.