600 ألف طفل مريض بالتوحد.. تشخيص خاطئ وتجاهل متعمد

كتب: جمال عبد المجيد، سام حسين، بسمات السعيد، بريهان محمد، محمد ربيع، محمود دوير
يعاني أكثر من 600 ألف طفل من مرض التوحد، الذي يجعل الأطفال يواجهون صعوبات على 3 مستويات في حياتهم؛ أولها العلاقات الاجتماعية المتبادلة، وثانيها اللغة وقلة التحدث، وثالثها السلوك النفسي المضطرب.

ورغم المؤشرات التي صدرت عن المجلس القومي للأمومة والطفولة وكشفت عن تزايد المرض مؤخرا بشكل كبير، إلا أن مستشفيات الدولة سواء العامة أو الجامعية، مازالت تفتقر لمتخصصين للتعامل مع هؤلاء المرضى، ويتم التعامل معهم على أنهم مرضى نفسيين أو لديهم مشكلات في التخاطب، ويكون حينها العلاج المقدم لهم جزئيا وليس شاملا لتأهيل المريض وعلاجه بشكل كامل.

وبحسب تصريحات وزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، خلال مؤتمر اليوم العالمي لمرضى التوحد، في أبريل الجاري، فإن هناك مصابا بين كل 160 طفلا، ما يعني وجودهم بأعداد تتجاوز الـ600 ألف مريض، مؤكدة وجود 90 جمعية أهلية تعمل في مجال خدمة مرضى التوحد.

وقال الدكتور محمد الشندويلي، أخصائي التخاطب بمستشفى المعلمين بسوهاج، إن أعداد المصابين بالتوحد بدأت تزداد بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، لافتة إلى عدم وجود جهة مختصة أو هيئة مسؤولة تتولى حصر عددهم بشكل فعلي، مضيفا: “لعدم وجود جهة مختصة تتعامل مع حالات التوحد، يتم التعامل مع تلك الحالات على أنها فاقدة للسمع”.

وعن أنوع التوحد المنتشرة بالمجتمع، أوضح الشندويلي لـ”البديل”، أن هناك نوعا شديدا، وأقصى ما يمكن التوصل له مساعدته في التعبير عن احتياجاته الأولية من مأكل ومشرب وقضاء حاجته، والنوع الثاني يسمى بـ”متلازمة ريت” وهو طفل اكتسب مهارات ثم فقدها بعد سنوات من مولده، والنوع الأخير “متلازمة سبارجر”، والمقصود به فرط الحركة الشديدة، موضحاً أن أسباب الإصابة بتلك الأمراض غير معروفة حتى الآن، ولا يوجد علاجا إلا من خلال التدريب والمتابعة المستمرة للحالات، ولا يمكن لمريض التوحد أن يتواصل مع المحيطين به بشكل طبيعي.

ويرى الدكتور حسني عبد الغني، عميد كلية الطب بجامعة المنيا، أن علاج مرضى التوحد يجب أن يكون من خلال مراكز متخصصة، يعمل بها أساتذة من كلية التربية ورياض الأطفال؛ لأن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى إدماجهم في المجتمع على جميع الأصعدة، وحينها ستنتهي أزمتهم، مضيفا لـ”البديل”: “لا نمتلك أقساما خاصة بمرضى التوحد في المستشفيات الحكومية أو الجامعية، بالإضافة إلى وجود مراكز خاصة قليلة تعمل في هذا المجال.

أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد هلال، قال إن المراكز الطبية الحكومية لا تقدم أي خدمات لمرضى التوحد الذين يعتبرون إحدى الفئات الأضعف في المجتمع، ونظرا لمصاريف العلاج المرتفعة، التي تبلغ نحو ألفي جنيه شهريا للمريض، بما لا يمكن لأسرة بسيطة الالتزام به، وعلى الدولة توفير الخدمات الطبية اللازمة لهم.

وتابع هلال: “الدولة لا تملك برنامجا حقيقيا لعلاج مرضى التوحد، والمراكز الخاصة، تجارية تعمل فقط على لتحقيق مكاسب منهم، فلابد من دعم هؤلاء الأطفال نفسيا وعلميا وتأهيليا على حد سواء، وعلى الدولة رعايتهم”، مطالبا بإنشاء مستشفيات مجهزة بداخلها أقسام متخصصة لعلاج مرضى التوحد، ومنح الفرصة لكادر طبي مؤهل على أعلى مستوى للرعاية الطبية والإنفاق عليهم ورعايتهم تحت مظلة التأمين الصحي”.

واستنكرت منار حسين، المدير التنفيذي لإحدى جمعيات رعاية الأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة بالغربية، قلة الاهتمام الرسمي من الدولة لمشاكل أطفال التوحد، خصوصا أن عددا كبيرا منهم يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة للغاية، وعلاج المصابين بالتوحد مكلف جدا لأن كل طفل يحتاج إلى معالج خاص لمدة عام أو عامين داخل وحدة رعاية نهارية، وحتى لو توفر ذلك لا يمكن توفير العلاج التام لهم، حيث يحتاج تأهيلهم وتعديل سلوكهم وما يعانونه من مشاكل لغوية إلى جهد شاق لأنه من المستحيل إصلاح الخلل الدماغي، لكن يمكن المساعدة في تعديل الكثير من السلوكيات والمشاكل اللغوية ليستطيعوا العيش بسهولة في المجتمع.

وأوضحت حسين لـ”البديل” أن أبرز مشاكل مرضى التوحد، انعدام المراكز المتخصصة بتشخيص المصابين أو حتى المهتمة بتأهيلهم وإكسابهم مهارات حياتية تعينهم على تحسين النطق واللعب والتعاون مع الآخرين، حيث يوجد بوزارة الصحة 8 وحدات طب نفسي فقط، تقدم خدمات التشخيص والجلسات، فيما توجد وحدتان فقط للرعاية النهارية لأطفال التوحد؛ الأولى في مستشفى العباسية، والثانية بالإسكندرية، تستقبلان الأطفال أقل من 5 سنوات، مضيفة أن فكرة دمج أطفال ذوي الإعاقة داخل المدارس لا يتم تنفيذها بالشكل السليم؛ لأن المدارس غير مؤهلة لاستقبال الأطفال ذوى الإعاقة والمصابين بالتوحد.

وطالبت حسين بضرورة توفير مكان تابع للدولة يسع أطفال التوحد، يكون عبارة عن مدرسة؛ يشمل إقامة كاملة بمقابل بسيط، ما يساعد الطفل على اجتياز الاضطرابات التي يواجهها، مؤكدة أن ازدياد أعداد المصابين بالتوحد وعدم توفر المراكز المعنية بتأهيلهم، كان من أهم الدوافع وراء تأسيسها جمعية يعمل بها عدد من المتطوعات في مجال تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

الدكتورة داليا يحيى ندا، مدرس علم الاجتماع بآداب دمنهور، قالت إن مصر بها حوالي 800 ألف حالة توحد بين الأطفال، وفقا للإحصائيات الرسمية، إضافة إلى الحالات التي لم يتم حصرها، التي يقع معظمها في المناطق العشوائية، موضحة أن “التوحد” اضطراب عصبي سلوكي ينتج عن خلل في وظائف الدماغ، وأسبابه كثيرة؛ أهمها الاشتباكات العصبية التي تتلاقى فيها الخلايا العصبية، لافتة إلى عوامل بيئة تحفز الإصابة بالمرض، مثل بعض الأطعمة والمعادن والتدخين، بجانب العوامل البيولوجية، مثل التخلف العقلي، أو عوامل وراثية، مؤكدة إصابة الذكور بالتوحد أكثر من الإناث.

وحول إمكانية دمجهم في التعليم العام، أضافت مدرس الاجتماع لـ”البديل”، أن بعض الحالات المرضية البسيطة يمكن دمجها؛ لأن طفل التوحد، عادي في الغالب، لكنه لا يتواصل اجتماعيا أو بصريا، بينما التوحد غير البسيط، يجب تأهيله أولا حتى يندمج في المجتمع.

وكانت محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية ألزمت الدولة بتوفير العلاج الدوائي وتشكيل فريق طبي متكامل يضم طبيب تخاطب وطبيب نفسي وطبيب أطفال متخصص في النمو لمرضى التوحد، وجاء الحكم بعد لجوء والد طفلة للقضاء نتيجة توقف صرف علاج ابنته، حيث قضت المحكمة بوقف تنفيذ قرار رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، بالامتناع عن صرف الدواء المقرر لعلاج الطفلة ياسمين علي عبد الكريم، التي تعاني من مرض التوحد متوسط الشدة والمتمثل في عقار “Efalex وMemexa وCerebrocetam”، وهو علاج نفسي موجود بمستشفيات التأمين الصحي.