يعني إيه مصري؟

في ظل الأحداث المتلاحقة والتحديات الكثيرة التي تفرضها علينا الحياة، تأتي الهوية كتحدٍ وعنصر تتجاذبه أطراف عدة، تحاول كل منها فرض مفهومها وإن استعملت في ذلك القوة، وفي حالة عدم رضوخ الفرد لمفهوم طرف من هذه الأطراف المتناحرة يواجه تهما جاهزة في محاولة لبث الشعور بالذنب وتأنيب الضمير على هوية ضائعة؛ لذا وجدت أنه من الضروري أن أكتب وأعبر عن غضبي واستيائي من هذا الواقع المفروض علينا، رغبة مني في التأكيد بقلب صادق ولسان صريح عن طموحي وأحلامي، التي قد أجد لبعضها صدىً في قلوب المصريين من أمثالي، أولئك الذين تنبض قلوبهم، كما ينبض قلبي، بالحب والعشق للمثل والقيم الغالية التي تحركنا، والتي جعلتنا على ما نحن عليه اليوم، وتملؤنا بالأمل في أن نكون ما نرجو أن نكون عليه في المستقبل.

المصري بين التكفير والعلمانية

لا أذكر أي شيء عن فترة ازدهار التيار التكفيري، فلم أكن ولدت بعد، ربما عاصرت بعض آثار تلك الحركة، أو ربما بدأت أدرك عمق هذه الأزمة بعد أن تكيف المجتمع على وجودها بصورة وبحدود معينة هي التي شكلت الخليط الاجتماعي الذي ولدت فيه. لا أذكر عن منزلي ولا عن مدينتي (الإسكندرية) ولا عن عائلتي أو أصدقائي أو جيراني أي توجهات متطرفة كتلك التي نسمع عنها في الأفلام والمسلسلات، أو أذكر رؤية ذلك الرجل المتجهم الوجه، الجاحظ العينين، الأشعث اللحية، قصير الجلباب ذي الغطرة، الذي كل كلامه “شخط ونطر”، وكل مناقشاته حامية حادة مستعرة، وكل نصائحه منفرة. لم تكن تلك هي البيئة التي ترعرعت فيها بصغري، ولا أذكر أي شيء عن دروس الدين المتزمتة وغسيل الدماغ الذي تهيج به القنوات والبرامج والمسلسلات والأفلام.

على صعيد آخر، لم تكن نشأتي في البيئة الرخوة اللينة التي تدمر كل الحدود وتمسح كل الخطوط الحمراء بين ما يجب وما لا يجب. تربيت في منزل محافظ على الآداب والأخلاق والقيم، تلك القيم التي وجدت أن الإنسان عامة بما هو إنسان يطالب بها، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو جنسه، فالخصوصية لها حدود إن زادت عليه كانت تزمتا وتعسيرا على المجتمع الذي خلق ليتكامل سويا، وإن قلت عنها كانت إباحية مفرطة وفسادا للعلاقات الاجتماعية التي نحتاج إليها لتكوين ذلك المجتمع المتطور.

إن الزوج لا يحتاج أن يكون على ديانة معينة أو فكر معين ليغار على زوجته أو ليطلب من ابنته الاحتشام أو ليطلب من ابنه ألا يعود للمنزل متأخرا قد فاحت منه رائحة المخدرات أو الخمور، فالإنسان يميزه العقل والتعفف، فهو ليس كالحيوان ليقضي حاجته أين يشاء ويتزاوج في أي مكان، وكوننا بشرا لا نحتاج لمسميات لنلتزم في سلوكياتنا بمعايير قيمية وأخلاقية معينة، فحتى المجتمعات العلمانية وإن كانت أنكرت سلطة الأديان فإنها لم تنكر القيم، وإن كانت أرجعتها لمعايير نسبية، أي أن كل شخص وفق هواه، إلا أنها لم تنكر أن لكل منا معاييره وتصوراته عن السلوك الجيد والقبيح.

نعم لقد أيدت الأديان السماوية هذه الميول الطبيعية للإنسان في البحث عن الكرامة والنخوة والعفة والحياء، ليس هذا إلا لأن الأديان جاءت بما يطابق واقع الإنسان وحقيقته، جاءت لتنظم له شؤون فطرته التي خلق عليها لا لتمحوها وتعسف عليه شؤون حياته أو لتبيح له كل التصرفات بحيث تفسد عليه إنسانيته، فالهدف الأعلى للأديان هو التوفيق أو التنسيق بين المكونات المتضادة في الإنسان: العقل والغضب والشهوة، وسلوكياته الاجتماعية بغية مساعدة الإنسان للوصول لسعادته بطريقة أسهل لا لتصعيب ذلك الهدف عليه.

وبالتالي، فهذا المنزل المحافظ الذي نشأت فيه قد ينظر له “المتسيب” أو “المتحرر” على أنه متزمت ورجعي بينما “المتزمت” في وجهة نظري سينظر لمنزلي على أنه غير منضبط و”متحرر” وسينتقده أيضا، وفي هذا الجو من الاستقطاب الشديد بين التزمت المنفر والتسيب الأخلاقي القبيح كان التحدي صعبا على مثل تلك البيوت البسيطة، التي لو لم تبحث عن المرساة الثقيلة أو الأساس الراسخ الذي يمنعها من الانجراف في تلك التيارات المتشددة يمينا ويسارا فإنها ستنهار حتما، ففي النهاية لم ولن تتوقف اتهامات الطرفين ولا هجومهم العنيف علينا، سقط منا من سقط بعض أن خارت قواه في مقاومة هذه العاصفة الفكرية العنيفة، بينما صمد منا القلة بعد أن وجدوا ما يستعينون به على هذه التحديات.

من المستفيد؟

يفرض عليّ تفكيري أن أسأل عن المستفيد من وراء هذا الاستقطاب القوي في المجتمع. ما الذي لا يعجب بعض الأطراف في الطريقة التي كنا نعيش بها؟، كانت طريقة بسيطة تبحث عن الحق عند أهله فتدرسه وتحاول تطبيقه، في مجتمع رأى أن الالتزام بالحق هو سبيل النجاة، مجتمع عريق قرأ في التاريخ فوجد أن كل مجتمع وحضارة في الماضي لم تقف من أجل مبادئها وقيمها قد سقطت عند أضعف التحديات التي واجهتها على الرغم من قدراتها المادية الهائلة. من المستفيد من تقسيم المجتمع إما لمتهاونين في الحق والفضيلة أو لمتزمتين ومنفرين عنها؟.

إننا مجبولون على كره التزمت والتعنت في القيم والعادات الاجتماعية. لا أنسى كم كنا نسخر كأطفال من المتزمتين في “الإتيكيت” وقواعد “الشوكة والسكينة”، كنا أطفالا لا نعي لكن لم يعجبنا ذلك التزمت ورأيناه مبتذلا سخيفا، وأن هناك طرقا أخرى للأكل أسهل من ذلك التكلف وتحافظ في نفس الوقت على المظهر الجيد المقبول للإنسان وهو يأكل. كذلك فالمجتمع يرى أن التكلف والتعسير في العادات الاجتماعية والتقاليد والقيم هو أمر منفر، لذلك فإن تحوير بعض مكونات المجتمع لهذا النموذج المتزمت تسمح لا شعوريا وتبيح التخلص من ذلك المكون في أي لحظة، ولن تذرف الكثير من الدموع عليهم، فذكرياتنا عن ميولهم المنفرة ستجعلنا أكثر راحة بعد التخلص منهم.

ولكن هذه المعادلة لن تحقق هدفها إلا لو تأكد المستفيد من هذه المؤامرة أن من لم تجذبه النداءات المتزمتة قد نفر منها إلى النداءات المتحررة والتي تمثل الطرف الآخر للتطرف، وكلاهما قبيح، فإما أن يتحول المجتمع للمتزمتين، أو أن يتحول للمتحررين، الذين بلا شك وإن كانوا لن يشاركوا في التخلص من المتزمتين إلا أنهم لن يمانعوا في هذا، وبذلك لا يبقى في المجتمع إلا المكون الرخو والمائع الذي قد سقط بالفعل بعيدا عن القيم والتقاليد التي تشكل هويته المصرية. وعلى الرغم من امتلاك هذا المجتمع، في تلك الحالة، لبعض مقومات القوة وقدرات المقاومة للغزو الخارجي فإن انعدام العزيمة مع ترسخ العقدة من النموذج المتزمت الذي قد تخلص منه للتو ستمنعه من تكوين رأي قوي بمقاومة العدو الخارجي والانتباه للمعركة الحقيقية.

لم تكن معركة التزمت والتحرر إلا إعدادا للمعركة الحقيقية، وهي الاستعمار الحديث. الاستعمار الذي يجرد المجتمع من عقيدة المقاومة (فكريا) من قبل أن تبدأ معركة الحديد والنار، تلك العقيدة التي مع زوالها لا تُجدي أي مقاومة للعدو مهما كانت الأسلحة التي يمتلكها المجتمع متطورة، ذلك لأن العقل الذي يقف وراء الطلقة والصاروخ هو بالفعل عقل قد وقع تحت سيطرة الغزو. فالمعركة انتهت في الأذهان وانتصر فيها العدو، فلم تعد معركة الميدان إلا تحقيقا لنتيجة معركة العقول والأفكار والغزو الثقافي. فتكون الهزيمة هنا أشد إهانة وأثقل وقعا وأكثر إيلاما؛ لأنها تنتهي في الميدان من قبل أن تبدأ.

الحل…

لعل من قرأ يعتقد أن الحل هو ترك المتزمتين ليفتكوا ببنائنا الفكري والحضاري، وهذا خطأ كبير في فهم المعركة، لكن الحل ليس بالتأكيد في التسليم لحركات التحرر والإباحية التي ملأت كل أركان أدوات الإعلام والتعليم الحديثة، بل الحل في تغذية الطرف الذي يسعى العدو بالدعوات المتطرفة يمينا وشمالا أن ينسفها. تلك الطبقة الثقافية التي تسعى للحق من أجل الحق، لا من أجل الأهواء أو الرغبات الشخصية، ولا تلبية لنداءات خارجية تسعى لتقسيم المجتمع المصري على نفسه في صراعات واهية، يعتقد فيها البعض أنهم الذئاب وأن الباقين أغنام، بينما كلنا في نظر الذئب الحقيقي وجبة شهية، لن يفرق حين يفتك بنا وينتصر علينا بين مسلم ومسيحي، أو متحرر ومتزمت، فاللحم كله يصبح شهيا لو استخدمت البهارات المناسبة.