هوية نظامنا السياسي

لست من المعجبين بتجربة أردوغان أو ما يسميه البعض بالتجربة التركية للإسلام السياسي، ولا أراها تجربة ملهمة أو متصالحة مع الديمقراطية، وأرى أن النسبة التي تم بها إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة في تركيا، تعكس بوضوح حجم الانقسام في المجتمع التركي، ولا تعكس بحق التوافق المطلوب لإنجاز تعديل دستوري يحترم الأعراف والقيم الديمقراطية، التي يبدو أن لها في الشرق خصائص خاصة مميزة.

لكن تأمل الإصرار من قبل أردوغان أن تمضي خطواته بشكل صحيح على المستوى الإجرائي وليس الموضوعي أو القيمي، يدفعنى للإعجاب بمهارات الرجل في تمرير طموحاته عبر إطار شبه دستوري وقانوني يبز فيه غيره مما يمارس لونا أفدح من العدوان على الديمقراطية لكن بشكل مكشوف.

في النهاية، حزب أردوغان الذي يحتفظ بأغلبية مقاعد البرلمان بنسبة 49.48% لم ينجح في تمرير التعديلات الدستورية، التي كانت تشترط حصولها على أغلبية الثلثين، ومن ثم مضى إلى محطة الاستفتاء على التعديلات، التي مررها بنسبة 51.6% بما يعني أن نصف المجتمع التركي لا يشاطر أردوغان أحلامه، ومع ذلك مضت الإجراءات بشكل صحيح، وبدا أن أردوغان يقترب من تحقيق أحلامه، بالانفراد بالخارطة السياسية التركية بما يمهد لصلاحيات واسعة تمكنه من أن يفعل ما يريد، هذا شأن تركي محض لاشك وإن سيكون له انعكاسات على مستقبل الإقليم، هذا السياق التركي يخص تركيا في النهاية، لذلك لم أفهم هذا الغضب في مصر من قبل بعض الكتاب والإعلاميين، وهذا الشعور بالشفقة والحزن المفتعل على الشعب التركي والغيرة على قيم الديمقراطية، والتي تذكرني برجل لايغار على زوجته ولا يستدرك عليها في قول أو فعل، بينما ترتفع عقيرته فى انتقاد زوجة جاره وإبداء كل ألوان الغيرة عليها.

من المدهش أن نسمع أبواقا معروفة بمدح الاستبداد والفساد وتسويغه والتغني بمآثره ليل نهار، ترفع عقيرتها بالحديث عن انتهاك القيم الديمقراطية في تركيا وانتقاد اعتقال الصحفيين وتكميم الأصوات المعارضة، والسعي للتحول للنظام الرئاسي الذي سيحول أردوغان أو خلفه إلى ديكتاتور محمي بنصوص الدستور، ويبدأ هؤلاء في امتداح النظام البرلماني الذي يضمن رقابة الشعب على السلطة التنفيذية، ويتيح التمثيل العادل للإرادة الشعبية ويضمن تداول السلطة بين الأحزاب، ويخلق حالة من المنافسة بين الأحزاب في تطوير برامجها وخطابها، بما ينعكس على حجم البدائل المتاحة للناخب في النهاية، بينما النظام الرئاسي يضمن للرئيس البقاء كشخص مسيطر هو رأس السلطة التنفيذية، وهو الذي يعين الوزراء وبعض القضاة ويحل البرلمان وغيرها من التعديلات، التي تسوغ الاستبداد والديكتاتورية كما يهدد صيغة الفصل بين السلطات وهو مبدأ راسخ في التجربة الديمقراطية، كل ذلك صحيح، وإن كان حقا يراد به باطل، وكل هذه الحمية والغيرة على قيم الديمقراطية والحكم الرشيد، تدفعنا لطرح سؤال الوقت عن ماهية نظامنا السياسي الذي تشبعنا بقيمه وأخلاقه إلى حد التبشير به والدعوة له وتوجيه النصائح للغير حوله.

ما هو واقع النظام السياسي المصري وإلى أي شكل سياسي ينتمي رئاسي أم برلماني؟ وماهو حجم التشبع بالقيم الديمقراطية في مجتمعنا المنتهك، كم مرة جربنا إجراء انتخابات نيابية؟ وكم عبرت تلك الانتخابات عن أحجام القوى الاجتماعية وأوزانها في الشارع حضورا وتأثيرا؟ كم حزب لدينا في البرلمان إذا كان تصورنا عن الأحزاب له علاقة بمفهوم الأحزاب دوليا وقياسا على تجارب الدول الرائدة في الديمقراطية؟ ما حجم المعارضة في برلماننا المصون عن المعارضة أو محاسبة السلطة التنفيذية عن أي إخفاق أو جريمة؟

هل قدم الرئيس في النظام الرئاسي المحترم الذي نحيا في ظلاله برنامجا يمكن حسابه عليه؟

هل هناك من رفع أصبعا في وجه النظام السياسي عندما انتهك الدستور أو القانون حتى لو كان دستورا طموحا؟

هل لدينا صحافة وإعلام حر أو أحزاب تمكن من الحركة في الشارع والتفاعل مع ناخبيها أو بناء تنظيماتها السياسية بحرية وحياد من الحكومة؟

هل ناقش البرلمان دواعي فرض الطوارئ أو تجاوز حالة الإذعان في مواجهة السلطة التنفيذية؟

هل أقدمت الحكومة على تنظيم انتخابات المجالس الشعبية المحلية أم ماطلت حتى الآن في تنظيمها دون مبررات؟

هل حمى البرلمان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات عندما صدع بما يعرف من تجاوزات وفساد، أم تركه نهبا للإعلام ينهش في سمعته ويشكك في مصداقيته عبر حملة إعلامية مدفوعة الأجر ليواريه النسيان لحساب خطط إلهاء جديدة؟

النظام السياسي في النهاية هو صيغة مؤسسية تحتكم إلى قيم ومعايير وسلوكيات يمكن تقييمها، وغيرتكم على الديمقراطية محمودة لكنها ليست في مكانها تأملوا واقعكم أفضل وانشغلوا بأنفسكم ودعوا زوجة الجار للجار وتابعوا أفضل شؤون منزلكم.

تعرفوا على هوية نظامكم السياسي المسخ قبل أن تنتقدوا أنظمة غيركم، انتقدوا كما شئتم لكن انتقدوا أحوالكم بهدف تغييرها للأفضل، أما اللجوء لهذا المخدر بالحديث عن شؤون غيركم بديلا عن التأمل في أحوالكم، فسيحسن في الغالب تجارب الآخرين، بينما تتراجعون أنتم للقاع الذي يبدو أنكم ألفتموه إلى حد مرضى.