هل يدخل يوسف الجنة؟

ويوسف هو الصديق المسيحي لابني الأكبر عبد الرحمن الذي سمم مدرس التربية الدينية العلاقة بينهما بتطرفه وتشدده وكراهيته للآخر.

طرح عليّ عبد الرحمن السؤال أعلاه قبل عامين وهو لايزال في الفرقة الرابعة من المرحلة الابتدائية، ولم يكن حينها أكمل عامه العاشر بعد، رددت على السؤال بسؤال: ولماذا لا يدخل يوسف الجنة؟، فأجاب: لأن مدرس الدين أخبرنا بأن المسلمين فقط هم من سيدخلون الجنة وأن باقي البشر سيكون مصيرهم النار وبئس المصير، مضيفا: إن الدين عند الله الإسلام ولن يقبل عند الله غيره، وفقا لما قاله له مدرسه.

مدرس التربية الدينية طلب من تلامذته في حصة الدين التي لا يحضرها غير المسلمين ألا يصادقوا المسيحيين “فالمرء على دين خليله، ورفيقك في الدينا هو رفيقك في الآخرة، وبما أن المسيحي لن يدخل الجنة فسترافقه في النار إن اتخذته صديقا”، هذا ما حشره هذا الرجل الذي عينته إحدى مدارس اللغات ليلعم الأطفال القيم والمبادئ التي حض عليها الدين الحنيف.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يفتح فيها هذا المدرس الطائفي قضية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين على أطفال لا يزالون في طور التكوين بعد، فالرجل بدأ عملية التعبئة والشحن ضد المسيحيين منذ بداية العام الدراسي، وهو ما كان له بالغ التأثير على تفكير ابني وللأسف لم أدركه إلا متأخرا.

قبل هذا النقاش بأسابيع لاحظت أن علاقة ابني بزملائه وجيرانه المسيحيين قد اختلفت، فلم يعد يصافحهم ولا يلعب معهم، وفجع عندما اكتشف أن أحد جيرانه وصديقه المقرب مسيحي، فغير معاملته معه هو الآخر، لدرجة أنه تلكأ في تهنئته بعيد الميلاد المجيد عندما طلبت منه ذلك.

كشف لي النقاش الذي دار بيننا مدى الكارثة التي أوقعنا فيها مدرسه المتعصب، وقررت نقله هو وشقيقه من المدرسة التي تركت هذا الجاهل يزرع بذور الكراهية والتشدد في التلاميذ.

حتى انتهاء إجراءات النقل أجريت مع ابني عدد من النقاشات والحوارات في محاولة مني لجره بعيدا عن الوحل الذي سحبه إليه مدرسه، شرحت له فيها فلسفة نزول الأديان وكيف أن الله أنزلها على رسله لتهذيب البشر وتحجيم الكراهية والتعصب، وأنه سبحانه قدم حسن المعاملة على العبادت.

عددت لابني علاقاتي بأصدقاء مسيحيين كان لهم أبلغ الآثر في حياتي، كما استدعيت له من التاريخ نماذج لعلماء ومخترعين أفادوا البشرية بعلمهم ومخترعاتهم رغم كونهم غير مسلمين، في المقابل ذكرت له أمثله لزعماء سالت الدماء أنهارا تحت أقدامهم وأبادوا الآلاف من البشر وهم يحملون راية الدفاع عن الإسلام
سألت عبد الرحمن “لماذا لا يدخل يوسف الجنة وهو أكثركم محبة وتسامحا؟ ولماذا يدخل زميلكم فلان الجنة رغم أذيته لكم؟ هل فقط لأنه مسلم؟ أوليس الله عادلا رحيما؟.
تمكنت بعد جهد من إنقاذ ابني من المستنقع الذي دفعه فيه مدرس متعصب حشر في عقول تلاميذه التمييز والكراهية وهو يظن أنه يحسن عملا، لكن كم عبد الرحمن تمكن هذا المدرس ومن على شاكلته من السيطرة على عقولهم؟، وكم أب تمكن من اكتشاف هذه الجريمة؟، وكم منهم تمكن من إنقاذ أبنائه؟.

المدارس في مصر تحولت في العقود الأربعة الأخيرة إلى مستنقعات لتفريخ المتشددين بعد أن تركنا العائدين من بلاد “الجاز” وتلامذتهم يبثون فيها أفكارهم التي لا تعرف الآخر ولم تعترف يوما به، ووضعنا في المناهج وطرق التربية جسرا عزلنا به أولادنا عن بعضهم البعض ما عمق التمييز والانقسام.

لن تحمي الطوارئ والملاحقات الأمنية والتضييق على الإعلام وإغلاق المجال العام الكنائس ولن يتوقف الهجوم على الأقباط واستحلال دمائهم بتتبع الإرهابيين فقط، فدون أن نحاصر التسلف الأعمى ونوئد جذور الفتنة في مدارسنا ومحاضننا التربوية، فسنجد دائما من يحلم بدخول الجنة عبر جثثنا جميعا.