هل الفرعنة قدر مصر؟

“يا فرعون إيه اللي فرعنك؟ قال: ما لقيتش حد يلمني”، مثل يتردد على ألسنتنا كثيرًا، يعبر عن أهم أوجاعنا، ويظهر أسوأ ما فينا، ودائمًا أسأل نفسي حين أسمع هذا المثل، أو تلك الأمثولة، هل هذه هي حكمة الشعب المصري، أم هي مأساته؟

يسميها كتاب السياسة وعلماؤها الفرعونية السياسية، يقصدون بها نظام الحكم الاستبدادي، ومن ناحيتي أفضل أن أطلق عليها مسمى الفرعنة الذي يبدو عاميًّا، لكنه أصدق في الوصف والتوصيف البادي في المثل الشعبي.

ما إن يستقر الحاكم على دكة الحكم حتى يتفرعن، فيصير الفرعون هو الحاكم، الفرد، المستبد، الوالد، الأخ الكبير، الذي يعلم كل شيء، ويقدر على كل شيء، يعرف مصلحة البلاد والعباد أكثر من أي فرد فيها، مهما علا قدره، وعظم علمه، فهو فوق كل عالم، وقبل كل صاحب رأي، رأيه واجب النفاذ، مسموع الكلمة، مهيب الجانب، وحده يحق له الكلام مع الشعب، وليس مطلوبًاً من الشعب غير أن يستمع إليه وحده.

ستفاجأ حين تطلع على الكيفية والملابسات التي جاءت بالمرحوم أنور السادات من بين مرشحين لخلافة جمال عبد الناصر أضعفهم أقوى منه، وأقلهم حظًّا كان مرشحًا بقوة أكثر منه، ومع ذلك اجتمعت كلمتهم على تنصيبه رئيسًا لمصر، وسوف تكتشف أنه بدأ مسيرته إلى كرسي الفرعون على قاعدة “تمسكن حتى تتمكنط، فلما تمكن راح يتحدث عن أنه هو وعبد الناصر آخر الفراعنة، لا يقيدهم دستور، ولا يحد من سلطانهم قانون، ذلك أن الدساتير إنما وضعت لنوعية الرؤساء العاديين، وقد تصور السادات أنه يغلق أبواب التاريخ وراءه على مرحلة تاريخية طويلة تبدأ بعصر الفرعون موحد القطرين لتصل إلى نهايتها عنده؛ باعتباره هو الفرعون الأخير رب العائلة وآخر الفراعنة.

لو أنه عاش ورأى ما رأيناه بعده، لتواضع كثيرًا قبل أن يقول ذلك، ولعلم مثلما نعلم أن الفرعنة استوطنت مصر، ولم تغادرها بعد، ولأدرك كما ندرك أن الفرعنة ليست نظام حكم في مصر القديمة، بل هي نظام حكم امتد لتواريخ مديدة، ولفترات عديدة، وأنها صنعت آلياتها، ووضعت قواعدها، وكرست لنوعية من علاقة خاصة بين الحاكم والمحكومين تقوم على طقوس وثوابت لا تتغير، وإن تعددت أشكال ممارستها بين العصور، وتتأسس على ترتيبات تضع الحاكم في مصاف الآلهة، وتضع المحكومين في مهاوي العبيد.

الاستبداد على الطريقة الفرعونية له نكهته الخاصة وسماته المميزة، تلتقي مع كل دولة مستبدة في الخصائص العامة للاستبداد، ولكنها تتفرد وحدها بسمات خاصة بها نشأت على ضرورة المركزية في توزيع مياه النهر؛ لتضمن للمجتمع استقرارًا بدون نزاعات وصراعات لن تنتهي إلا إلى صدامات دموية، فصار الحاكم رأس الدولة الفرعونية هو المتحكم في النهر، وفي الحياة، وفي الموت، حتى صار في منطقة وسطى بين الآلهة والبشر، وبعضهم أعلن ألوهيته، وقال للناس: أنا ربكم الأعلى!

استغلت الفرعنة حاجة المجتمع إلى تحقيق العدل في توزيع الماء بدون صدامات؛ لكي ترفع الحاكم إلى مصاف الآلهة، وتطورت هذه القاعدة في الحكم الفرعوني على امتداد التاريخ المصري حتى اليوم، كانت بالأمس المياه مقابل العبودية، وأصبحت اليوم الأمن مقابل الحرية، تحت عناوين من نوعية: أنا أو الفوضى، أنا أو الإرهاب، إلى آخر تلك العناوين الاستبدادية.

الفرعون هو الطاغية المستبد، والفرعنة هي آليات الاستبداد وطرائق الطغيان، ولا تستغني عن ثلاثة: سلطة قاهرة، وبيروقراطية فاسدة، وقضاء تحت السيطرة، وقد تأسست الفرعنة على قوائم ثلاثة، أولها: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، ثم بالإرهاب والقهر والتخويف يتحول استضعاف طائفة من الشعب الى إضعاف قدرة الشعب كله على مقاومة استبداده، ورفض فرعنته.

تتأسس الفرعنة كذلك على الخوف، ووضع الأمن مقابل الحرية في معادلة لا يخسر منها غير الشعب، يخسر فيها الشعب أمنه وأمانه الحقيقي في الوقت الذي يتنازل فيه عن حريته وكرامته بحثًا عن لقمة عيش مغموسة في الذل، وأمن مهدد دائمًا بالانقضاض عليه من زبانية الفرعون، ثم يخرج عليهم في زينته يتباهى عليهم بأموالهم: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي).

وثالث قوائم الفرعنة يتمثل في الاستبداد بالرأي: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، قوله هو الرأي المعتمد، ورأيه هو الرشاد الذي لا يأتيه الباطل من خلفٍ ولا من أمام.

التمسك بهرمية الدولة الفرعونية هو واحد من تجليات ديكتاتوريها واستبداديتها، والهرم في دولة الفراعنة ليس مجرد مقبرة تخلد الفرعون الإله، هو في أحد تجلياته وفي ناحية من نواحي معانيه يعبر عن هذه التراتبية المستقرة، تبدأ بقمة عالية لا يمكن الوصول إليها إلا بشق الأنفس، تمثل الفرعون على قمة القمة تحيط به طبقة ضيقة من الكهنة يحيط بهم طبقة من العسكر المحاربين، تتلوهم طبقة موسعة من البيروقراطية التي تقوم على الشؤون اليومية للعامة من الشعب في أسفل الهرم، يمثلون قاعدته الأوسع.

والشعب في أعراف الفرعنة وقوانينها هو المسئول عن أزماته والمتسبب في كل مشاكله، ولا ملامة على الفرعون وحاشيته، وكل فرعون يبدأ مهام الفرعنة بأن يوحي منافقوه إلى الشعب أن العيب فيهم، وأن الحاكم بريء من كل ما يعانونه من فساد وتخلف وفقر وقهر وجهل، وكان فرعون موسى ينسب لنفسه كل شيء حسن، ويرجع كل بلاء نزل بأرض مصر وكل بؤس حط فيها، وكل قحط أصابها إلى موسى ومن معه: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).!

لحظة سقوط الفرعون بدأت مع لحظة سقوط حوائط الخوف، حين قال سحرة فرعون الذين استردوا وعيهم، في تحدٍّ ظاهر له، واستهانة بكل ما يعدهم به من عذاب: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، سقط الفرعون لحظتها، وسقطت معه كل حواجز الخوف، التي بناها وبنى فوق صرحها كل صنوف الطاعة والاستكانة و”المشي جنب الحيط”، و”اللي يتجوز أمي نقول له يا عمي”.

الفرعنة هي الداء الذي استوطن تاريخ مصر، وهي منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية، وهي لا تزال تعيش بين ظهرانينا، وفوق ظهورنا، وإن تنكرت بصيغ شكلية ملفقة، هي الديمقراطية، أو بالأحرى الديموكتاتورية، ومصر لن تتغير، ولن تتطور إلى دولة عصرية، وشعب حر، إلا حين ندفن الفرعنة في كهوف الماضي.