متى يكبر السيسي؟

(1)
يحكى أن فأرا جبانا التقى بساحر يعيش في قلب الغابة السوداء، فتوسل إليه الفأر أن يسحره في شكل قط، كي يستطيع أن يعيش في الغابة؛ لأن خوفه من القطط يرعبه ويمنع من ممارسة حياته الطبيعية، فيظل معظم الوقت هارباً في الممرات الضيقة المظلمة، وبالفعل استجاب الساحر الملول، وجعله في شكل قط، لكنه عاد بعد يومين يشكو للساحر رعبه من الكلاب، وتوسل إليه أن يجعله في هيئة كلب، واستجاب الساحر الطيب، ليفاجأ به بعد يومين يعود شاكيا خوفه من النمر والضبع والأسد، وكل الحيوانات المفترسة، ويتوسل إليه أن يجعله أسداً.

ضحك الساحر ضحكة هائلة، انتبهت لها كل أشجار الغابة، وأعاد الفأر إلى صورته الأولى، وهو يقول له: مهما تغير شكلك وجلدك أيها الجرذ، فإن قلبك سيظل قلب فأر، وسلوكك سلوك فأر، ولن تتصرف تصرف الشجعان، لمجرد أنك ارتديت ملابسهم وحملت ألقابهم.

(2)
في زيارة سابقة لأمريكا، أطلق الرئيس السيسي تعبير “بكره أكبر وأضربكم”، والحكاية أنه كان يتحدث في لقاء مفتوح مع الإعلاميين المصريين المرافقين له، وكان بعضهم قد تعجب أن “الأسد” لم يرد على تصريحات عنيفة من أردوغان ضد السيسي ونظامه، وأنه التقى أمير قطر بمودة ظاهرة، فقال السيسي بطريقته المتكررة: عاوز أقول لكم على حاجة: وأنا صغير كان فيه ناس كبار يضربوني (يضحك الإعلاميون فيؤكد السيسي روايته: آآآه.. آآآه.. أقول لهم إيه بقى؟.. بكره أكبر وأضربكم. ثم يكررها وهو يضغط على الحروف: بكره أكبر وأضربكم، ومن يومها ظهر السؤال الحائر بين المتشككين والأتباع: متى يكبر السيسي؟

(3)
تحدث الرئيس في بعض المواقف الداخلية بلغة عنترية من نوع “ماتقدرش”.. ويصل به غرور القوة إلى أقوال مثل: احنا جامدين قوي.. وبنفرد في 6 ساعات.. و”اللى يقدر على ربنا.. يقدر علينا”، وقسماً بالله اللي هيقرب لمصر.. هشيله من على وش الأرض، ثم فجأة يقبل “الأسد” من كاميرون ومن أوباما ومن بوتين ومن نتنياهو، ومن غيرهم ما يربك أتباعه، ويشعرهم بالخجل.. هذا هو حال الرجل الذي انفعل ذات خطاب رسمي فقال بمنتهى الوضوح والنبرة المهددة الحاسمة: ده أمر ما يرضيش ربنا، واللي مايرضيش ربنا.. احنا هنكون موجودين معاه وبندعمه ونؤيده!

(4)
لا أعرف هل يجب أن أصدق كل ما ينطق به السيسي، وأحاسبه على ما ينطق به، باعتباره كلاما مقصودا ومسؤولا، وبالتالي نحتاج إلى إجابات لأسئلة من نوع: طيب وإمتى هتكبر؟، أو إزاي هتكون موجود وبتدعم اللي ما يرضيش ربنا؟، أم أن نعتبر تصريحاته “زلات لسان” غير مقصودة، نسمعها ولا نؤاخذه عليها؟، أم أنها شوية كده، وشوية كده؟، والمشكلة في هذه الحالة أنني لم أعد أفرق في كلامه بين الجد والهزل، ولم أعد أعرف هل هو قائد شجاع أم موظف تابع؟، هل أسر قائد الأسطول الأمريكي فعلاً، أم أنه مؤمن بما قاله عن الجيش الأمريكي بأنه أقوى من جيوش كل الأرض مجتمعة، وماحدش يقدر على أمريكا؟.. فالرجل يزمجر ويهدد ويتوعد أحيانا، ثم فجأة يبكي ويشكو ويذرف الدموع بمناسبة ومن غير مناسبة، لذلك لم أعد أعرف متى يكون الفأر فأراً، ومتى يدعي أنه أسد؟.

(5)
في زيارته الحالية لأمريكا، واصل السيسي دور “التابع الصغير” على شاشات العالم، بينما إعلام أتباعه يريد أن يبيع لنا “الفأر” بسعر “الأسد”، فالرئيس المصري يضع نفسه وبلده في خدمة ما يقول إنها الحرب الأمريكية ضد الإرهاب “هتلاقيني جنبك”، وترامب يمنحه “ستار” مشجعا إجاباته النموذجية، وفي تصريحاته “المتزلفة” يقول السيسي عن البلد الذي خرب منطقة الشرق الأوسط وجاب عليها واطيها من العراق إلى ليبيا: “إن التعاون المصري الأمريكي كان دوماً إحدى ركائز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ويبدو خلال رحلته كموظف في البيت الأبيض لا رئيس لدولة عربية كبرى.

(6)
توقفت عند تعبير “قضية القرن” الذي جاء على لسان السيسي في المؤتمر الصحفي مع ترامب، وهو تعبير سري غامض على طريقة “الإيشي” أو “اللي ماتتسماش”، احتاج إلى توضيح بعد ذلك من أحد المسؤولين الأمريكيين، قال فيه إن المقصود هو القضية الفلسطينية!.. لكن لماذا يتحدث السيسي عن القضية الفلسطينية بهذا الغموض والنكران والتوسل؟
قد يتحدث البعض عن وجود فروق في تصورات حل القضية بين السيسي وبين ترامب، لكن هذا التصور خيالي تماماً، ببساطة شديدة، لأن السيسي لا يملك أي تصورات عن أي قضايا.. إنه مجرد موظف تابع يعمل حسب التعليمات والإملاءات، وهو حسب تصريحاته، وتعبيراته، وطريقة ظهوره في الصور خلال زيارة الحج إلى البيت الأبيض، لم يكن سوى متضرع يلتمس رضا “الرب الأمريكي”، ويؤكد استعداده لتلقي أي وصايا جديدة.. فلا ترهق نفسك أيها الساحر، لأن الفأر سيظل فأرا، حتى لو ألبسته جلد الأسود.

جمال الجمل
tamahi@hotmail.com