ماذا يريد النظام من الأزهر؟

حالة سجال كبيرة تخوضها المؤسسة الأزهرية مع أنظمة الحكم المتعاقبة منذ ثورة 25 يناير 2011، ففي ظل مساحة  من الحرية والاستقلالية منحتها الثورة للمؤسسة الدينية الأكبر والأعرق في العالم الإسلامي، وفي إطار المسؤولية الكبيرة التي  تقع على عاتق الأزهر في ظل هذه الظروف والمتغيرات التي نعيشها في الدول العربية وفي العالم أجمع، يبدو المشهد في غاية التعقيد، فكل نظام يريد أن يضمن ولاء المؤسسة الأزهرية ودعمها في معاركه السياسة والدينية والاجتماعية والاقتصادية، بينما تقف المؤسسة مكبلة بواقع مأزوم وضبابي ومتعدد الأسئلة عن الحداثة اولهوية والإرهاب والعلمانية وعلاقة السياسي بالديني.

هذه الحالة من السجال بين المؤسسة الأزهرية والسلطة الحاكمة في مصر زادت حدتها خلال الأشهر الماضية، حتى وصلت لحالة من العزلة والشقاق بين مؤسسة الرئاسة وشيخ الأزهر، الذي يحميه الدستور من مقصلة السلطة، فلا يستطيع الرئيس عزله، في هذا السياق يطرح البديل سؤال ماذا يريد النظام من الأزهر؟.

دعم غير مشروط

في البداية أشارت الدكتور بسمة عبد العزيز الباحثة في مجال تحليل الخطاب ومؤلفة كتاب “سطوة النص .. خطاب الأزهر وأزمة الحكم” إلى أن سؤال ماذا يريد النظام من الأزهر؟، يفترض ضمنًا ودون أن يترك مساحة للتشكيك أن النظام الحالي يعي ويدرك ما يريد تحديدًا وبجلاء من المؤسسة الدينية، وأضافت “الحقيقة عندي شكوكًا متنوعة تجاه مسألتي الفهم  والإدراك، وهي شكوك نابعة من متابعة خطاب مؤسسة الحكم على مدار سنتين كاملتين تبدت فيهما شواهد الافتقار إلى المنطق والعقلانية على المستويات كافة.

يضاف إلى هذا غياب أي تفصيلات يمكن الاعتماد عليها تجاه مسائل معلقة، يلقي بها النظام إلى ملعب الأزهر ويقف متفرجًا عليه؛ ساخرًا أحيانًا ولائمًا في أحيان أخرى، وأبرز مثال هنا هو مسألة “تجديد الخطاب الديني” التي لا ينفك خطاب السلطة السياسية يطرحها بين الحين والآخر، مُطالبًا المؤسسة الدينية بإنجازها، دون توضيح ولا نقاش”.

 

وأكدت على أن “أي نظام مستبد يلجأ إلى حذف الآراء المناوئة له من الساحة ومن ثم إخلائها من أي شكل من أشكال المعارضة، وبالتالي فإن المطالب التي ينتظر من المؤسسة الدينية استيفاءها في هذا الإطار تتمحور حول عدة نقاط، أهمها في رأيي إضفاء المشروعية الدينية على قرارات السلطة السياسية التي تبدو في كثير الأحيان مثيرة للجدل ومحفزة على الرفض، ثم إعادة صياغة الخطاب الديني بما يحقق أغراض النظام وتوجهاته وحذف ما لا يتماشى معها من التراث الديني، وكذلك تنقية صورة السلطة السياسية مما قد يلوثها من شوائب ومنحها القدسية التي يحظى بها الدين، ومن ثم جعل أفعالها محصنة ضد النقد والمراجعة وفي هذا السياق تصبح معارضتها معارضة للدين والوقوف في وجهها محاربة للدين، وهذا أمر في منتهى الخطورة ولا يجب التعامل معه بسطحية، فرغم تراجع القاعدة الشعبية للمؤسسات الدينية بوجه عام ووقوف الأزهر موقفًا لا يحسد عليه بسبب مواقفه السياسية، لا يزال قسم عريض من الناس يجله ويحتفظ له بمكانة عليا”.

عودة للماضي

من جانبه قال الدكتور عبد الباسط هيكل أستاذ علوم اللغة العربية بجامعة الأزهر أن مشهد اليوم يعيد إلى الذهن بدايات تديين الصراعات السياسية في عهد بني أمية التي واجهت جماعات عُرفت تاريخيا بالخوارج، وكانت ترى بني أمية طواغيت يحكمون بغير ما أنزل الله، وأمام طرحهم الديني لم يكن بإمكان بني أمية أن تواجههم دون سند ديني يناطح أسانيدهم الدينية، وكان الموقف السائد بين العلماء أنهم ليسوا طرفا في صراعات الحكم “الإمامة” التي قتل بسبب خلافاتها عدد من الصحابة من أمثال عثمان وطلحة والزبير وعمار وعلى وغيرهم رضي الله عنهم، بل وحذروا تلاميذهم من تناول مسائل الحكم (الإمامة بلغة هذا العصر) وانصرفوا إلى جمع مرويات الأحاديث والآثار – لذا عرفوا تاريخيا بمدرسة الحديث التي سيُطلق عليهم البعض بعد ذلك أهل السنة- ورأوا الخوض في قضايا الحكم (الإمامة بلغة عصرهم) فتحا لباب الفتنة؛ لذا توقفوا وامتنعوا عن إبداء رأي ديني في تفاصيل حكم الدولة، لكن هذا التوقف لم يستمر طويلا فسرعان ما أدخلوا في خضم الصراع السياسي فإذا كان معارضو الدولة يحتجون بالدين ليكفروا الحاكم بكبيرة ارتكاب الظلم والقتل فإن مدرسة الحديث كانت على النقيض فلا  تُكفّر الإنسان بالكبيرة وإن ظلم وقتل فأمره إلى الله، وأصبح الجهاد عندهم ليس ضد الحاكم كما رأت الخوارج بل جهاد مع الحاكم ضد الذين خلعوا البيعة ويريدون الفنتة.

وأضاف هيكل: بهذه البدايات أدخل الإسلام في معركة سياسية ليس طرفا فيها، وحتى الآن ما زال الأمر يتكرر، ففي الوقت الذي ترفض الدولة فكر الجماعات القائم على زعم امتلاك حقيقة الإسلام وكونه المتحدث حصريا باسم الإسلام الصحيح فيكون التكفير والتفسيق بل والاغتيال نجد الدولة تريد تكرار الأمر نفسه انطلاقا من الأزهر الذي لا يرفضه كلية بل يختلف معها في بعض تفاصيله ومنها رفضه تكفير الدواعش، فالدولة تطلب من الأزهر أن يقوم بوصاية وتكفير ترفضهما من الجماعات وتنتظر منه أن يجيب عن أسئلة الهوية والأسئلة المؤجلة ليس عبر تفكير بل عبر تلقين!.

من ناحية ثانية الدولة غاضبة من الأزهر؛ لأنه لم يتحرك بقدر كافٍ ليكون بديلا للجماعات في توجيه الشارع المصري، وهذا ما لا يستطيعه الأزهر لأسباب أولها: أن الأزهر مؤسسة من مؤسسات الدولة يُعاني المشكلات نفسها التي تجعل مؤسسات مثل: الثقافة أو الإعلام أو الشباب قاصرة عن أداء دورها، فضعف القدرة على بناء وعي مجتمعي فشل مشترك بين الجميع من وزارة الثقافة والشباب والتربية وغيرهم وليس الأزهر فحسب.

ثانيها: الأزهر ليس عنده خطاب المظلومية الذي تجيده الجماعات، ولا يمتلك القدرة الحركية أو المواقع الإلكترونية أو التمويل الذي يتوفر للجماعات، وللأسف كثير من الأزهريين ليس عندهم وعي بخصوصيتهم الفكرية ولا ثقة في قيادتهم الدينية على خلاف أبناء الجماعات..

ثالثها: جامعة الأزهر ومؤسساته ليس مؤسسة عسكرية تخضع لإجراءات وتحريات دقيقة لقبول هذا ورفض ذاك على أساس خلفيات الانتماءات الدينية؛ لذا فالأزهر كغيره من المؤسسات والجامعات ميدان لكل الانتماءات تجد الصوفي الأشعري الملتزم بمذهب فقهي معين كسمات أزهري أصيل وستجد الأزهري السلفي الذي يرى أن عقيدة الأزهر بها خلل، وإذا سمعت الأزهري الإخواني يُردّد “قال الإمام” فهو يتحدث عن مرجعيته حسن البنا وليس عن شيخ الأزهر، وستجد من الأزهريين من لا يشغله من الإسلام إلا أحكام العبادات لا يتحدث في غيرها احتراما لهامش الحريات، وفيه من يتعامل مع الأزهر كمؤسسة عمل حكومي ليس أكثر يؤدي عمل مقابل أجر، وفيه من ينظر للأزهر بوصفه الحصن والملاذ الأخير الذي يحمى الإسلام والمسلمين ينظر دوما إلى ماضيه التاريخي ولا يريد أن يشتبك مع الحاضر أو يستشرف المستقبل.

تأميم الدين والفضاء العام

في السياق ذاته، أكد الباحث جمال عمر أن الدولة السنية “الحديثة” خلال القرنين الماضيين اعتمدت على نهج احتواء كل مكونات المجتمع ومؤسساته، حتى تصبح كيانات يتم تحريكها عبر توجيهات أجهزة تُمسك بخيوط كل الأمور، فتحولت كل هذه المؤسسات إلى كيانات، تحتاج إلى توجيهات الأخ الكبير عند كل حركة وعند كل نفس تتنفسه، فأصبحت مخوخة. وإن لم تُستأنس، يتم القضاء عليها، ويجري تهميشها.

وهو ما حدث عبر تأميم الصحافة، وتأميم التعليم الأهلي، وأيضاً عبر تأميم الكنيسة والأزهر عبر مشروع قانون إصلاح الأزهر، ومن قبل ذلك وضع الدولة يدها على أوقاف كلا المؤسستين.

غياب البديل

في هذا السياق أشار ضياء الدين محمد الباحث في مجال تحليل الخطاب اللغوي إلى أنه في ديسمبر من عام 2014 طالب الرئيس الأزهر بتجديد الخطاب الديني، وكانت مطالبة جديدة من نوعها تشير من طرف خفي إلى تلك الفجوة التي بات يشعر بها النظام في علاقته بالأزهر وفي دور الأزهر تجاهه.

وأضاف ضياء الدين: قامت العلاقة التاريخية بين الأزهر والنظام في مصر على أساس من المصلحة المتبادلة؛ فالأزهر يدعم النظام ويضفي الشرعية على قراراته لا سيما الشائك منها، والنظام يضمن للأزهر بقاءه باعتباره المرجعية الدينية والممثل الشرعي الوحيد للإسلام السني الوسطي.

وأشار الباحث إلى أن التغيرات الجذرية ذات الطابع الدموي التي تشهدها الساحة العربية والإسلامية والواقعة كلها على التخوم بين الدين والسياسة، جعلت من الأزهر محاصرا بالأسئلة مطالبا بإبداء الرأى أو الفتوى في كل ما يحدث. لم تعد الإجابات الأزهرية القديمة صالحة للأسئلة الجديدة. وكما أن الأزهر مطالب بالرأي والفتوى، فالنظام مطالب بالقرار والفعل، ولكن القرار لابد له من إطار، خاصة إذا كان القرار صعبا وغير مضمون النتائج، ويتعلق بتمييز الصديق من العدو، والمسلم من الكافر.

وأوضح ضياء الدين أن المؤسسة الدينية العريقة لا تستطيع حسم القضايا المعلقة، ولا الإجابة عن الأسئلة الشائكة، ولم يعد خطاب الأزهر قادر على استيعاب الأحداث وتأويلها؛ وبالتالي فرؤيته مشوشة وأحيانا ضائعة، وقدرته على تأطير قرارات النظام  منعدمة، ولعل الدعوة إلى تجديد الخطاب كانت في حقيقتها دعوة إلى تجديد آليات الدعم الإيديولوجي الذي يقدمه الأزهر للنظام بعد أن بات الدعم القائم قاصرا فيما يرى النظام.

مشيرا إلى أنه: ربما يرى النظام أن استجابة الأزهر لدعوته قد تأخرت، والضغوط على النظام تتزايد، وإيقاع النظام أسرع من إيقاع الأزهر، وإيقاع جماعات التطرف الديني أسرع من الاثنين. ولا يبدو أن الدعوة إلى تجديد (الخطاب/ آليات الدعم) ستنتهي، بل ستتحول إلى ضغط قد يُقابل بتصلب أشد أو بتغيير على السطح دون قدرة حقيقية على تحقيق المطلوب ولكن إذا حدث هذا، هل لدى النظام بديل عن الأزهر؟ الإجابة المتوقعة بالنفي لا تعني إلا تصاعد الاضطراب بينهما.