«لينا الجربوني».. مدرسة التضحية والصمود

تبقى عميدة الأسيرات اسمًا محفورًا في الذاكرة الفلسطينية وحكايتها جزءًا من رواية فلسطيين، فـ«لينا الجربوني» التي أفرجت عنها سلطات الاحتلال الإسرائلية اليوم بعد مرور 15 عامًا على السجن المتواصل مشكلة بذلك أطول فترة حكم لأسيرة فلسطينية بشكل متواصل في السجون الصهيونية وصفها زملائها من المعتقلين بأنها مدرسة تعلموا فيها التضحية والصبر والعطاء.

الجربوني التي وصل عمرها إلى سن  الـ43، كانت قد اعتقلت في عام 2002 بتهمة مشاركتها في خلية تابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وقامت بعمليات مقاومة بالداخل الفلسطيني وحكمت على أثرها بالسجن لـ17 عاماً، واستأنفت فيما بعد على الحكم فبقي حكمها 15 عاماً.

وولدت لينا في الحادي عشر من يناير عام 1974 لأسرة فلسطينية مناضلة في بلدة عرابة، وهي إحدى القرى الفلسطينية القريبة من مدينة عكا الساحلية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وكان والدها الحاج أحمد قد اعتقل أواخر سبعينيات وبداية ثمانينات القرن الماضي وأمضى ثماني  سنوات في السجون الصهيونية.

لها تسع شقيقات وثمانية أشقاء وتعتبر هي الأخت الوسطي، تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس القرية، كما أنهت دراسة الثانوية العامة في الفرع الأدبي عام 1992 غير أن وضع أسرتها المادي حال دون إكمال دراستها الجامعية.

لازم لينا لقب عميدة الأسيرات منذ سنوات مضت، كونها حفرت بصمودها وثباتها، اسما عظيما في الذاكرة الفلسطينية، ومكانة عريقة في سجل تاريخ الحركة الأسيرة، حيث تعتبر أكثر الأسيرات الفلسطينيات والعربيات قضاءً للسنوات داخل سجون الاحتلال في تاريخ الثورة الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني.

وعلى الرغم من وضعها في السجون لمدة 15 عاما متواصلة لتكون قابعة في زنزانة معتمة وبين أربعة جدران وبالرغم من الانتهاكات التي مورست تجاهها من تعذيب جسدي ونفسي، وما اقترف بحقها من انتهاكات جسيمة ، إلا أنها ظلت صامدة وثابتة، تتمتع بإرادة صلبة وعزيمة، حيث اعتبرها كثيرون مدرسة في العطاء والتضحية، وفي الصبر والصمود، وقدمت نموذجا يحتذى به في سلوكها وتعاملها مع الأسيرات الأخريات القابعات معها في السجن، حيث أصبحت الحاضنة والراعية لهن بحكم أقدميتها وخبراتها وإجادتها للغة العبرية.

وقالت الجربوني بعد خروجها من المعتقل، إن «الشعور بالحرية لا يعادل أي شعور..سعيدة بحريتي وحزينة لبقاء أسيرات فلسطينيات داخل السجون، هناك 35 أسيرة تركتهن في سجن الشارون و14 أسيرة في سجن الدامون، لا يتلقين الدعم الحقوقي الكافي من قبل الجمعيات المعنية بشؤون الأسيرات، بعضهن حكم عليهن أحكام عالية جدا وظالمة فاقت كل التوقعات».

وأضافت جربوني: «أعيش أول لحظات الحرية وورائي في ظلمات السجون الآلاف من الأسرى الفلسطينيين، عشية يوم الأسير، وسيخوض الأسرى غدًا إضرابا عن الطعام ورسالتهم واحدة وهي ألا تنسوا قضية الأسرى، أما الأسيرات فلهن مطلب واحد لشعبنا أجمع، الحرية، ولا شيء سوى الحرية».

وهنئت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الأسيرة المحررة الجربوني بمناسبة الإفراج عنها من سجون الاحتلال، وقالت الحركة في بيان لها “إن الجربوني شكلت نموذجاً يحتذى به في الصبر والتضحية، فكانت عنواناً للمقاومة وأيقونة للثبات والصمود، كما أكدت من خلال مسيرتها الجهادية الطويلة على أن الشعب الفلسطيني مهما اختلفت ظروفه فهو شعب يخوض معركة تحرر وطني ضد الاحتلال وإن الأولوية ينبغي أن تكون لهذه المعركة والمواجهة التي يتوحد فيها كل الفلسطينيين”.

وكان اسم الجربوني قد أدرج في المفاوضات في صفقة وفاء الأحرار لتبادل الأسرى، غير أن تعنت السلطات الإسرائيلية حال دون الإفراج عنها رغم مرضها، وحولت جربوني منذ اعتقالها سجن “الشارون” إلى مدرسة لتعليم وتثقيف وتوعية الأسيرات الفلسطينيات، خاصة حديثات التجربة منهن، وتابعت المشاكل التي تعرضن لها في السجن.