لماذا فرض السيسي الطوارئ؟!

(1)
اطلع النخلة.. كلمة عادية ليس فيها ما يخيف، لكن صابر كان يصاب بحالة من الهياج والهلع عندما يسمعها، والسبب أنه كان معتقلا في أحد السجون، وكان الضابط المكلف بتعذيبه يرسم خطا رأسيا بالطباشير على جدر الزنزانة، ويقول له: هذه نخلة.. اطلع النخلة، وهات لي بلح، ثم يبدأ الضرب فيه، وهو يردد: فين البلح؟.. اطلع النخلة.. اطلع النخلة، وهكذا كلما سمع صابر هذه العبارة تداعت إلى ذاكرته ذكريات التعذيب المؤلمة فيصاب بذلك الهياج والرعب.

(2)
هكذا الحال بالنسبة لحالة الطوارئ في مصر، فحالة الطوارئ في حد ذاتها ليست مخيفة، لأنها مجموعة إجراءات اضطرارية للحفاظ على البلاد من خطر محدق كالحروب (الخارجية والأهلية) والكوارث والمجاعات، لكن المخيف هو التداعيات والقيود والانتهاكات الاستبدادية التي ارتبطت بحالة الطوارئ، خاصة وأن مصر عاشت معظم تاريخها تحت القيود والتكميم والانتهاك والقبض لمجرد الاشتباه، حتى تحت مظلة القوانين العادية، فتخيلوا كيف يكون الحال في حالة الطوارئ؟!

(3)
استمرت حالة الطوارئ في مصر حوالي نصف قرن، قبل أن يتم إلغاؤها (على الورق)، ثم عادت جزئيا في بعض المناطق لمدة محدودة، واستمرت لفترة أطول في سيناء، لأسباب تتعلق بمكافحة الإرهاب، وفجأة خرج السيسي، بعد اجتماع لمجلس الدفاع الوطني في أعقاب تفجير كنيستي طنطا والاسكندرية، ليعلن حالة الطوارئ بالمخالفة للمنطق، والتعسف في استخدام الدستور ونص القانون، ومخالفة المنطق نفهمها من نص المادة الأولى الذي يشترط لإعلان الطوارئ تعرض الأمن أو النظام العام للخطر، بسبب وقوع حرب، أو تهديد بوقوعها، أو حدوث اضطرابات، أو كوارث عامة، أو انتشار وباء، وهذه الشروط لا تتوافر في تفجير الكنيستين، إلا إذا كان السيسي لديه معلومات بما هو أخطر، وتعمد كعادته إخفاءها عن الشعب!، أما التعسف في التعامل مع الدستور والقانون فيبدو واضحا من تصريحات السيسي، التي أعلن فيها عن مجموعة من الإجرات قال بالحرف “تم اتخاذها”، ثم استدرك مصححاً: “أو سيتم اتخاذها، بعد استيفاء الإجراءات القانونية والدستورية، وعلى رأسها (إعلان حالة الطوارئ).. (في الدولة المصرية).. (لمدة 3 شهور).. (عشان نحمي بلدنا ونحافظ عليها)..”

(4)
بهذه الطريقة تعامل السيسي مع شروط إعلان حالة الطوارئ، فقد حدد النطاق الجغرافي (الدولة المصرية كلها) وحدد المدة الزمنية (3 أشهر) وحدد السبب (عشان نحمي بلدنا)، وهو استيفاء شكلي لنص القانون الذي يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء بالكامل، وموافقة أغلبية البرلمان، لكن زلة لسان السيسي التي قال فيها “تم اتخاذها” تعبر عن ثقته في الحصول على الموافقة، بلا رأي ولا نقاش من مؤسسات الدولة، وهذا يعني أن قانون الطوارئ لن يقدم ولن يؤخر بوضعه معظم صلاحيات الدولة في يد الرئيس، فهي كذلك منذ تولى، مع غطاء له مظهر مؤسسي، بلا جوهر يعبر عن استقلالية أي سلطة سوى سلطة الرئيس.

(5)
إذا كانت الطوارئ تحصيل حاصل، فما هو الخوف من إعلانها؟

(6)
لدي معلومات متداولة داخل أروقة السلطة ملخصها أن هذه الإجراءات، كان مخططا لها بالفعل، وأن موعدها الطبيعي ما بين الأسبوع الأخير من يونيو والأسبوع الأول من يوليو المقبلين، ولم يكن هناك تصور واضح عن كيفية تمريرها، وعندما وقع التفجير الأول لكنيسة طنطا صباح الأحد لم يكن هناك اتجاه للتسرع في فرض إجراءات التشدد في التأمين، وبالتالي في فرض الطوارئ، لكن بعد تفجير الإسكندرية (الأقل في عدد الضحايا) ظهر الاتجاه الذي جعل يوليو يأتي في أبريل، أما لماذا؟.. فهذه قصة متشعبة، يمكن الاقتراب منها من خلال التحليل وربط الوقائع، نظرا لغياب المعلومات القاطعة والمكتملة، فهناك أسباب مباشرة وظاهرة، في مقدمتها إحساس السلطة الحاكمة بخطورة الإقدام على استهداف شخص البابا، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات معنوية وإحراج دولي، وبكل ما يشير إليه من تغيير في استراتيجية داعش وجماعات العنف في نقل ضرباتها إلى العمق المصري لتخفيف الضغط عليها في سيناء، والرد على اغتيال قيادات بارزة لهذه التنظيمات في عمليات ناجحة، وهناك أيضا أسباب غير مباشرة وخفية، منها السعي لتسهيل مجموعة من الالتزامات التي تعهد بها السيسي ونظامه لأطراف خارجية، ويصعب تمريرها في الأجواء العادية، ومنها أيضا تصاعد التوترات وخلافات الرأي داخل المنظومة، فهناك تقارير عن غضب مكتوم بدأ يظهر، وهناك معلومات عن عمليات جراحية محدودة للتنظيف والتطهير داخل بعض المؤسسات، وهناك مشكلات أعلنت عن نفسها بصور مختلفة منها خبر “انقلاب شفيق” الذي تم بثه عن طريق انتهاك “هاكرز” لموقع صحيفة “الوطن” (وطبعا مفيش دخان من غير نار وقد أكتب في ذلك قريبا فالموضوع يستحق)، ومنها أزمة الإقدام على تسريب مكالمة لرئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان، بكل ما يثار حولها من شائعات وحقائق، ستكشف عنها الشهور المقبلة.

(7)
تحت ستار هذا الواقع الضبابي أعلن السيسي في واشنطن التزاما جديا بما أسماه “صفقة القرن”، وكما يتضح من الإشارات اليسيرة فإن المقصود هو تورط السيسي في اتفاق كبير يتعلق بترتيب الأوضاع في المنطقة حسب الرؤية الأمريكية، وتحديدا حسب تصورات إدارة ترامب الصهيونية الفجة، ونظرتها المجحفة للقضية الفلسطينية ولمجمل الأوضاع في المنطقة من سوريا إلى ليبيا مرورا بسيناء، وهذا يعني أن السيسي يحتاج إلى شارع هادئ ومهدد، لا يعطل قطار التنازلات الذي يقوده نتنياهو بدعم مباشر من ترامب، وفي ظل بحثه عن ذريعة لإحكام قبضته على السلطة لتمرير تعهداته مع الخارج، وتأمين السنة الأخيرة في فترته الرئاسية، وترتيب أوضاع ما قبل الانتخابات الرئاسية، والتنازل عن تيران وصنافير بموافقة برلمانية، أو بأي إجراءات شكلية أخرى، حتى لو احتاج الأمر إلى استفتاء شعبي، وربما هيأت له الظروف فرصة التفجيرات فلم ينتظر إلى يوليو، وسارع باغتنام الفرصة، ليعلن حالة الطوارئ التي لم يعلنها بعد اغتيال النائب العام، ولا بعد تفجير مديريات الأمن في القاهرة والدقهلية، ولا بعد تفجير الكتيسة البطرسية في قلب العاصمة!!

(8)
يكاد المريب يقول خذوني، والمريب هنا لا يشترط أن يكون متورطا في تدبير التفجير، بل يكفي توظيفه للتفجيرات في اتخاذ رد فعل مبالغ فيه، لأنه يقيد حرية الشعب، بدلا من معاقبته للإرهابيين وللجهات المنوط بها مكافحة الإرهاب، فالرئيس لم يحاسب وزير داخليته، ولم يسأل: كيف تتسرب المتفجرات والأحزمة الناسفة إلى جسد البلاد؟، لكنه يبقي على نظامه المقصر في مواقعه، ويتشدد في معاقبة ومراقبة الشعب بإجراءات استثنائية، وكأن الخطر في التجمهر والاجتماعات وإبداء الرأي!

(9)
في تصريحاته التي أعلن فيها السيسي حالة الطوارئ، قال عن جماعات الإرهاب المسلح: نجحنا في سينا، فاتحركوا في حتة تانية، هننجح في الحتة التانية، هيتحركوا في حتة تالتة.. لازم تكونوا عارفين كده، ثم غنى أغنيته المفضلة متسائلا بنفس النبرة التهديدية: “النزيف اللي احنا بننزفه دوات، وللا النزيف اللي انتو بتشوفوه في دول تانية؟”.. ويكمل حديث المؤامرة متحدثا دون إفصاح عن ضرورة محاسبة “الدول اللي دعمت الإرهاب وجابت المقاتلين من كل حتة، واحنا اللي بندفع التمن”.. أي دول؟. لم يقل السيسي ولن يقول.. صديق أمريكا وإسرائيل المتحدث عن السلام الدافئ وعظمة ترامب يتحدث عن دول متآمرة، ولا يجرؤ على تسميتها، ولا قطع علاقاته معها، ويريدنا أن نخاف، ويشخط فينا: “اثبتوا، واصمدوا، وامسكوا نفسيكو كويس قوي.. وخلّوا بالكو من مصر”، ولا ينسى أن يوجه توصياته للإعلام بتغييب الناس: الواقعة (مشاهد التفجير) بتتكرر طول اليوم في التليفزيون.. ده بيجرح المصريين، ثم يلقي الموعظة لبتوع “الخطاب الديني” و”البرلمان” و”مؤسسات الدولة”، ويعلن تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب وهنعمل له قانون وصلاحيات (على كل لون يا باتيستا) لضبط الموقف كله إعلاميا وقضائيا، وخطاب ديني وكله كله.

(الخلاصة)
الرئيس الذي لم يغلق محطة السادات هذه المرة، يقول بثقة تتنافى مع كل إجراءته، وبإجراءات تتنافى مع كلامه: “احنا قادرين نهزم الإرهاب، ونهزم المجرمين، ونهزم القتلة، ونهزم المخربين، وهنفضل نبني وهنفضل نعمر”، وينسى أن إعلانه لحالة الطوارئ يضع مصر في صورة الدولة “غير الآمنة” باعتراف نظامها، ويضرب أي محاولات لعودة السياحة التي أكل وشرب على حسها رجاله وغلمانه في الحفلات والرحلات والهمبكات، ويا أيها الرئيس لقد اجتهدت في قرءاة هادئة ومتزنة لأسباب إعلانك الطواريء، فكانت النتيجة هذا الكلام الذي نعرفه من عنوانه، وتعويضا للقارئ أقدم له تعريفا مبتكرا عن حالة الطوارئ التي يريدها السيسي، كما تشرحه بخفة دم مأساوية هذه النكتة السودانية المعبرة: كان عوض يجلس مع والده “أبو عوض على العشاء.. جنبهم الراديو ولمبة الجاز، وفجأة دخل تيس، فقال أبو عوض اربطوا التيس.. ها يخرب العشا، طلب عوض تفويضا من أبو عوض لمواجهة تهديدات التيس المحتملة، ففوضه أبو عوض، فنهض عوض بغباء شديد، فخبطت رجله في لمبة الجاز كسرها، وحطم الراديو، وداس فى أطباق العشاء، وبعدها داس على بطن أبو عوض ذات نفسه، فصرخ أبو عوض من الألم: مش مهم التيس دلوقتي.. اربطوا عوض.
السيسي لا يقل خطرا عن الإرهاب.. والطوارئ لتأمين نظامه وليست لتأمين مصر.