كيف تسدد مصر مليارًا و43 مليون جنيه يوميًّا فوائد للديون؟

الوضع الاقتصادي الذي تشهده مصر حاليًّا يجعلنا أمام تساؤل، خاصة مع ارتفاع فوائد الديون بمشروع الموازنة العامة الجديدة إلى 381 مليار جنيه، بدلًا من 300 مليار جنيه: كيف ستسد الحكومة المصرية مليارًا و43 مليون جنيه يوميًّا لمدة 365 يومًا خلال العام المالي القادم في ظل تردي الوضع الاقتصادي وعدم استطاعة الحكومة استعادة مصادر العملة الصعبة بعد تدهور حال السياحة وقلة إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين من الخارج وعدم زيادة الإنتاج والتصدير إلى الخارج والاعتماد على الاستيراد بشكل كبير؟

حجم الديون التي اقترضتها مصر من 2011 وحتى الآن حسبما ذكر وزير المالية عمرو الجارحي، وصل إلى 104% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تضاعف من تريليون جنيه عام 2011، إلى 3.2 تريليون جنيه العام المقبل، مشيرًا إلى أن الدول التي يصل فيها حجم الدين إلى ١١٠ و١٢٠٪‏ من الناتج الإجمالي تدخل في مشاكل كبيرة.

حلول الحكومة كما هي معروفة لدى الجميع زيادة الضرائب على المواطنين وزيادة الاقتراض داخليًّا وخارجيًّا؛ لكي تقوم بسد عجز الموازنة وتوفير أموال لحل الأزمة الاقتصادية، التي تزيد حدتها مع كل إجراء تتخذه الحكومة.

الدكتور رائد سلامة، الخبير الاقتصادي، قال: قبل البحث عن كيفية السداد، لا بد من المحاسبة أولًا لكل من ساهم في الوضع الاقتصادي والمالي المتردي للغاية الذي وصلنا له، لدرجة أن أصبح كل مواطن مصري مدين بـ46 ألف جنيه؛ لأنه حسب آخر تقارير البنك المركزي فإن الدين بالدولار في نهاية ديسمبر الماضي وصل إلى 67 مليار دولار، وبالجنيه المصري 3 تريليون جنيه، وهو الأمر الذي حذرنا منه عشرات المرات.

وأضاف سلامة لـ«البديل» أن الوضع الاقتصادي أصبح على نقطة حرجة جدًّا، فأول ما يجب عمله هو أن يصدر البرلمان – و إن كنت لا أعتقد أبدًا أن برلمان الطرائف والعجائب هذا سيفعلها، لكنها نصيحة لوجه الوطن وفقط – قانونًا بوضع سقف أو حد أقصى للدين، لا يجوز تجاوزه بأي حال من الأحوال، وهذا هو أمر معمول به في أكبر الدول الرأسمالية كأمريكا على سبيل المثال.

وأضاف أنه يجب على البرلمان إجراء عمل موازنة للعملات وفقًا لاستحقاقات السداد؛ للتعرف على الالتزامات المستقبلية، والأهم هو تحديد الموارد الحقيقية – لا من خلال مزيد من الاقتراض – التي يمكن من خلالها سداد هذه الالتزامات وفقًا لتواريخها، ومن ثم ربما يقتضي الأمر إجراء حساسًا جدًّا؛ بسبب المأزق الذي وضعنا فيه القائمون علي السياسة النقدية، وهو الدخول في مفاوضات مع المُقرضين لتأجيل السداد إن لم تكن هناك موارد كافية له.

وتابع: يجب خفض أسعار الفائدة علي الجنيه المصري؛ لأن ما فعله البنك المركزي يوم الخميس الأسود 3 نوفمبر وقت إعلان التعويم هو أنه قام كذلك بزيادة سعر الفائدة بمقدار 3% دفعة واحدة، وهو إجراء له تبعاته السلبية للغاية والمدمرة للموازنة؛ لأنه يزيد عجز الموازنة بما لا يقل عن 90 مليار جنيه عن السنة السابقة.

وأكد الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، أنه لا تلوح في الأفق أي ملامح تحسُّن للوضع الاقتصادي في ظل السياسات الحكومية الحالية المستندة للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولم يثبت حتى الآن تحقيق تقدم ملموس أو أي نتائج إيجابية لهذا الاتفاق، وفقًا لما هو معلن عنه، بما في ذلك خفض عجز الموازنة، وتخفيض نسبة الدين العام للناتج المحلي.

وأضاف الشامي لـ«البديل» أنه مع اقتراب عجز الموازنة من نسبة 11%، والدين العام من 104% من الناتج المحلى واقترابنا من مرحلة الخطر، تستطيع مصر أن تسدد فوائد الديون، ولكن مع اتباع سياسات أخرى غير فرض الضرائب وزيادة عملية الاقتراض، مثل جمع الفوائض المالية المحلية عبر سياسات رشيدة للحد الأقصى للأجور والضرائب التصاعدية وترشيد الإنفاق الحكومي ومراجعة المشروعات الكبرى غير المنتجة وفتح مجال للمشروعات المنتجة التي تعود بعائد مادي تستفيد منه في عملية السداد.

وأوضح أن السياسات الراهنة تجاهلت كل تلك الحلول، وزادت الطين بلة؛ لأنها غير مدروسة وغير محسوب نتائجها الخطيرة، ومن ذلك الزيادة الضخمة في الدين الخارجي، وفى عبئه على الموازنة العامة، بعد انهيار سعر الجنيه؛ لأن الرقم المطلوب بالعملة المحلية قفز بنسبة 250%، كما أن المبالغ المطلوبة لتغطية دعم الكهرباء والطاقة وغيرهما قد تضاعفت هي الأخرى، وبالتالي ستضطر الحكومة للقيام برفع الأسعار مرة أخرى بنسبة كبيرة، وهو ما لا يتحمله المواطنون، وسيؤدي هذا إلى زيادة مخاطر الركود التضخمي للاقتصاد المصري.