كيف تستفيد جنوب إفريقيا في أزمتها الحالية من غانا؟

 

في عام 2011، أعلنت حكومة جنوب إفريقيا عن خطة لإنشاء برنامج طاقة نووية يبلغ قوته 9.6 جيجاوات؛ من أجل تنويع قطاع الطاقة لديها، والابتعاد عن إنتاج الطاقة القائمة على الفحم وتعزيز النمو الاقتصادي، لكن سرعان ما أثيرت أسئلة حول المشروع الصناعي واسع النطاق، وخرجت إفادات بأن المشاركة العامة يجري تهميشها، وأن الأطراف المعنية تتواطأ مع الحكومة الروسية.

قال موقع نيوز24، إن البرنامج النووي المثير للجدل، مجرد مثال واحد على السياسات الاقتصادية العديدة التي شكلت تنمية جنوب إفريقيا على طول مسار استعماري جديد بوضوح، وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على انهيار نظام الفصل العنصري، من الواضح أن البلد ما زالت بحاجة إلى مشروع أوسع لإنهاء الاستعمار لمواجهة الإرث الاقتصادي الاستعماري، مضيفا: في أعقاب الاتفاق النووي الضخم، الذي يتماشى جنبا إلى جنب مع اتفاقات أخرى من نوعها، فإن جنوب إفريقيا تتطلب منا أن ننظر إلى أبعد من حدودها وأن نتعلم دروسا صعبة من دول أخرى في القارة السمراء.

وأضاف الموقع أن غانا أكبر مثال يجب أن تتعلم منه جنوب إفريقيا، حيث وصف الرئيس الغاني السابق، كوامي نكروما، الاستعمار بأنه السيطرة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمارسها دولة على أمة غير مستعمرة اقتصاديا ولغويا وثقافيا لفتح الاقتصاد الوطني لشركاتها، ورغم تحديد الاستعمار الجديد باعتباره تهديدا وتحذيرا للدول الإفريقية المستقلة حديثا حول هذا الموضوع، إلا أن نكروما لم يمنع بلاده من أن تقع فريسة له.

وتابع “نيوز24” أن الخطة الصناعية السريعة التي سعت إلى دخول غانا العصر الصناعي الحديث عند بداية عام 1950، كانت ترتكز على مشروع سد أكوسومو الكهربي، وكان المستعمرون البريطانيون أول من وضع خططا للسد قبل عقدين من الاستقلال، وبعد تولى نكروما السلطة، سعى لإتمام المشروع وإعادة تصميمه لصالح الشعب الغاني والاقتصاد؛ من خلال استخدامه لتعزيز إنتاج الألومنيوم والمساعدة في توليد كهرباء البلاد، لكنه واجه صعوبة كبيرة في تمويل المشروع الكبير.

واستطرد: في نهاية المطاف، طلبت حكومته تمويلا من الشركات الأمريكية من خلال مشروع مشترك مع شركة فولتا للألمنيوم وشركة كايزر ألمنيوم، وبعد عدة جولات من المفاوضات والضغط من أجل التمويل بما فيها البنك الدولي للإنشاء والتعمير في إطار معدات البنك الدولي، تم الانتهاء من السد في نهاية الستينيات، وأدى الاتفاق المبرم مع كايزر ألومينوم إلى استخلاص مصاهرها من معدلات الكهرباء المدعومة بشدة واستخدام مواد خام البوكسيت المستوردة التي تتفادى بناء القدرات الوطنية والتخفيف من خطر التأميم.

وأردف “نيوز24”: أدت مقامرة نكروما لتمويل مشروع التصنيع السريع في غانا مع الغرب، في نهاية المطاف إلى زوال نظامه، ودب الفساد داخل حزب نكروما الحاكم؛ بسبب الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية والأوروبية التي دمرت اقتصاد البلاد من خلال بيع مشاريع باهظة الثمن، والتي لم تكن مصممة لتلبية الاحتياجات الخاصة للبلاد، وخلق ذلك مناخا هشا، كما انهارت صناعة الكاكاو، التي وفرت قدرا كبيرا من النقد الأجنبي للبلد، وتحت ضغط هبوط الأسعار، أصبحت غانا أول دولة مستقلة في أفريقيا على وشك الإفلاس، ومهدت الأزمة للانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة ضد نكروما.

وأشار الموقع: ظلت الأزمة الاقتصادية في غانا تزداد سوءا مع دفع البنك الدولي للتكيف الهيكلي في السبعينات والثمانينات، وأدت تدابير التقشف التي أعقبت ذلك في الثمانينات إلى تفريغ الوظائف في القطاع العام وإلى الخصخصة واسعة النطاق على حساب الاستثمار في مجالات أخرى من الاقتصاد، مثل الزراعة الصغيرة النطاق.

وأكد الموقع أن سيناريو غانا السابق يجب أن تتعلم منه جنوب إفريقيا؛ للابتعاد عن مسار الاستعمار الجديد في البلاد، فعلى الرغم من أن جنوب إفريقيا تمكنت من هزيمة نظام الفصل العنصري الاستعماري، إلا أنهم لم يكن لديهم فرصة “لإنهاء الاستعمار” في الاقتصاد، مضيفا: بعد رفع العقوبات الاقتصادية في عهد الفصل العنصري، استفادت الشركات متعددة الجنسيات من بيئة استغلالية غير متكافئة أصلا، وحصلوا على إمكانية الوصول إلى الموارد الخام للبلد، مع ضمان استمرار استيراد السلع المصنعة، والمؤتمر الوطني الحاكم في جنوب إفريقيا، الذي يدرك بالتأكيد تحذيرات نكروما، لم يحاول حقا وقف هذه العملية، بل شارك كثيرا في ذلك، ما جعلهم يواجهون على طول الطريق، اتهامات عديدة بالفساد في القطاع العام وتواطؤ القطاع الخاص.

ولفت “نيوز24″: في خطاب الرئيس الجنوب إفريقي، جاكوب زوما، في فبراير 2017، ألمح إلى الاهتمام المتجدد بـ”التحول الجذري” للاقتصاد على غرار إطار التمكين الاقتصادي الأسود، القائم على قاعدة عريضة، والذي تعرض للانتقاد من أجل استفادته من النساء البيض على نحو غير متناسب، وفي نفس الخطاب، أشاد بمشروع الصفقة النووية المقترحة والتي تعتبر واحدة من أكبر المناقصات الحكومية الصادرة بقيمة (حوالي 72 مليار دولار)، وسوف تستغرق عقود لتسديدها، وحتى الآن، لا يوجد دليل يذكر على وجود برامج أو استثمارات تعليمية واسعة النطاق لتوسيع وتدريب العلماء والتقنيين والمهندسين في مجال التكنولوجيات النووية.

واختتم: جنوب إفريقيا قد تواجه مشكلة واسعة في حالة الإطاحة بجاكوب زوما، كما حدث بعد الإطاحة بنكروما، تصل إلى الانقسام، ويرجع هذا للافتقار الواضح للقدرات البشرية، وفيما يتعلق بخطط التوسع النووي، فسوف توضع البلاد في خطر الاعتماد التقني والاقتصادي على روسيا في حال فوزها بالمناقصة، وسيؤدي تمويل الصفقة إلى زيادة تكلفة الكهرباء خلال فترة السداد التي تحمل في ضوء اقتصاد تباطؤ جنوب إفريقيا في أصداء مخيفة، كما حدث في غانا، وإذا كان التاريخ يخبرنا بالسيناريو المحتمل، فيجب على الدولة، التضامن والمرونة من أفراد المجتمع والحكومة للحفاظ على سير تقدم البلاد.