في مصر ما بعد «يونيو».. معركة شرسة على واردات الفحم (مترجم)

 

في الأشهر التي أعقبت الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، كانت أكبر معركة سياسية على مستوى مجلس الوزراء في مصر لا تتعلق بالإرهاب أو بحقوق الإنسان أو بالانتقال السياسي المستمر. بدلا من ذلك، كان الأمر يتعلق بشيء يبدو أكثر رتابة: الفحم.

المعركة من أجل الحفاظ على حظر طويل الأمد على واردات الفحم غلفت الحركة البيئية في مصر، وكلفت أحد وزرائها منصبه، وأظهرت في نهاية المطاف النفوذ المستمر للوبي رجال الأعمال الأقوياء في مصر بعد الثورة.

أزمة الطاقة في مصر

يمكن رؤية أولى علامات هذه المعركة بعد عام واحد من ثورة 25 يناير عام 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. وفي عام 2012، تسببت أزمة نقص الطاقة في انقطاع للكهرباء بشكل منتظم لفترات طويلة، مما أجبر الحكومة على الاختيار بين توفير الغاز الطبيعي للصناعات الثقيلة أو إلى محطات توليد الطاقة. وقلقا من عداء الجمهور، اختارت الحكومة التحيز إلى توليد الكهرباء.

ونتيجة لذلك، تلقى ما يقرب من ربع شركات الأسمنت العاملة في مصر جزءا غير كافي من الوقود الذي كانت تحتاجه للعمل، مما تسبب في انخفاض حاد في إنتاج الأسمنت. وتختلف الأرقام، ولكن تشير التقديرات إلى أن العجز في الوقود تسبب في تراجع بنسبة تتراوح بين 20 إلى 50% في عام 2013. وخلال البحث عن بدائل وقود رخيصة وسريعة، اتجهت صناعة الأسمنت إلى الفحم والبيتكوك – مادة صلبة مشتقة من تكرير النفط – كحل.

وقبل بضعة أسابيع من إطاحته في يوليو 2013، أدلى محمد مرسي ببيان رسمي أعرب فيه عن خطته للسماح باستيراد الفحم لصناعة الأسمنت، الأمر الذي أثار المختصين بشؤون البيئة والصحة في مصر. وبعد عامين، في ظل الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، تم تغيير قانون البيئة في البلاد رسميا للسماح باستخدام الفحم من قبل الصناعات الثقيلة، والسماح لتوليد الكهرباء التي تعمل بالفحم.

بدأت معظم شركات الأسمنت عملية تحويل مكلفة من أفران تعمل بالغاز إلى أفران تعمل بالفحم، لكنها انتظرت إشارة رسمية من الحكومة قبل استيراد الفحم من جنوب أفريقيا والصين وأوروبا والولايات المتحدة. غير أن شركة “لافارج” في مصر، وهي أحدى شركات لافارج الفرنسية الرائدة في إنتاج الأسمنت، أرسلت شحنة الفحم قبل أن يتم التصريح رسميا.

وبعد نشر صور في الصحف المحلية تصور مخزونات الفحم والبيتكوك في ميناء الإسكندرية على مرمى حجر من منطقة سكنية مزدحمة، تدخلت وزيرة البيئة آنذاك ليلى اسكندر. وقد تم تغريم الشركة في نهاية المطاف مبلغ 10 آلاف جنيه مصري لاستيراد الفحم دون موافقة الجهة التنظيمية البيئية في مصر.

لوبي الاسمنت

حرصت شركات الأسمنت في مصر على التأكيد أن المسؤولية مشتركة مع الحكومة، التي خرقت الوعود بتزويد هذه الصناعة بكميات كافية من الغاز الطبيعي. في الواقع، في عام 2007، دفع مشغلي الأسمنت للحكومة من 140 مليون إلى 250 مليون جنيه لكل فرن لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي لمصانعهم. وبمجرد انقطاع الحكومة، تحملت الصناعة العبء المالي الناجم عن التحول من الغاز إلى أفران تعمل بالفحم.

هذه الشركات، جنبا إلى جنب مع الشخصيات السياسية المؤثرة مثل وزراء الصناعة والاستثمار، جادلت أنه إذا لم تتمكن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها لتوريد الغاز، من ثم ينبغي السماح باستخدام الفحم بدلا من ذلك.

وبالنسبة لعلماء البيئة، كان احتمال إجراء تغييرات قانونية لصالح الصناعات الثقيلة على حساب صحة المواطنين والصحة البيئية بمثابة دعوة للاستيقاظ وتنشيط الحركة البيئية الوليدة في مصر. بحلول عام 2013، تشكلت حركة “مصريون ضد الفحم”، وهي حركة مناهضة للفحم من الأكاديميين والأطباء والبيئيين.

كان الهدف منها زيادة الوعي بالتهديدات الصحية والبيئية المرتبطة بالفحم، ومنع الفحم من أن يصبح مصدرا طبيعيا للطاقة في مصر. في غضون أشهر، حصلت الحركة على اهتمام متزايد على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت راجية الجرزاوي، باحثة في مجال البيئة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: “يقع مصنع أسمنت تيتان في غرب الإسكندرية في حي وادي القمر المكتظ بالسكان”، وأضافت أن “الغبار والجسيمات الدقيقة المختلفة كانت تعرض صحة السكان للخطر قبل إدخال الفحم في إحدى خطوط الإنتاج وبعد استخدام الفحم”. ونظم السكان احتجاجات ضد مصنع تيتان منذ عام 2004، وأقاموا دعاوى قضائية ضد الشركة في عامي 2010 و 2016.

من عام 2013 فصاعدا، كشفت منظمة غير حكومية محلية “مركز حابي” للحقوق البيئية عن الانتهاكات التي ارتكبتها شركتان كبيرتان من الشركات الاسمنتية متعددة الجنسيات، وهما لافارج والسويس، التي تم الإبلاغ عنهما من قبل وكالة شؤون البيئة المصرية (إيا).

وأوضح محمد ناجي، مدير مركز حابي، أنه وفقا للقانون المصري، تحتاج شركات الأسمنت لإجراء تقييم الأثر البيئي وإصدار ملخصها قبل التحول إلى الفحم. كما يتعين عليهم تنظيم جلسة استماع عامة قبل بدء عمليات استخدام الفحم، وأضاف “لكن لم يتم الوفاء بأي من هذه المتطلبات، كما تم تجاهل الحق في المعرفة والمشاركة”.

وزير الفحم

في ذلك الوقت، وجد المحامون والناشطون في مجال البيئة حليفا داخل الحكومة: عملت الوزيرة آنذاك ليلى إسكندر عن كثب معهم من أجل مكافحة استخدام الفحم الذي رأت أنه ضار للغاية بصحة المصريين. وتحت إشراف إسكندر، قامت الوزارة بإجراء ونشر دراسة عن آثار الفحم على صحة المواطنين والبيئة. وتقدر الدراسة أن استخدام الفحم في صناعة الأسمنت سيأتي بفاتورة صحية بقيمة 3.9 مليار دولار سنويا، وأن محطة واحدة تعمل بالفحم سترفع هذا الرقم إلى 5.9 مليار دولار على أساس سنوي.

تم بث معارضة إسكندر المعلنة لواردات الفحم على شاشات التلفزيون والإذاعة وتم نقلها على نطاق واسع في الصحافة. ومع ذلك، فإن الأصوات المؤيدة للفحم مستمرة اليوم. في أبريل 2014، صوت مجلس الوزراء للسماح بواردات الفحم للصناعات الثقيلة. ثم في شهر يونيو، تم إزالة إسكندر من منصبها وتم تعينها وزيرة للتنمية الحضرية.

خالد فهمي، الذي تولى منصب وزير البيئة، كان معروفا بلقب “وزير الفحم” نظرا لدعمه القوي لهذه الصناعة. وبهذا التعديل الوزاري، خسر الناشطون البيئيون وانقطعت وسائل الإعلام عنهم وكسب اللوبي القوى المؤيد للفحم أكبر معركة له.

وفي إبريل 2015، أتاح تعديل للقانون البيئي المصري استخدام الفحم ليس فقط لإنتاج الأسمنت، وإنما أيضا لتوليد الكهرباء. كما تم تعديل القانون للقضاء على الحظر الشامل على استخدام الفحم والوقود الثقيل في المناطق السكنية، والاستعاضة عنه بحكم يسمح لرئيس الوزراء بالسماح لمثل هذا الاستخدام “لخدمة المصلحة العامة”.

نتيجة لذلك، هرعت سلسلة من شركات الطاقة الدولية إلى صياغة مذكرات تفاهم مع الحكومة المصرية. بدأت شركات الطاقة الخاصة من الصين واليابان والسعودية والإمارات في تقديم عروض لتطوير محطات تعمل بالفحم من قدرات تتراوح بين 2-6 جيجاوات على سواحل البحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.

اقتصاد الطاقة المتغير:

وفي تحول مفاجئ للأحداث في فبراير من هذا العام، أعلن أن جميع مشاريع محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم ستعلق لمدة خمس سنوات مقبلة. وترى الباحثة في مجال البيئة، راجية الجرزاوي، أن هذا التأجيل يعود جزئيا إلى انخفاض قيمة العملة المصرية، مما أدى إلى مضاعفة السعر لهذه المشاريع.

والسبب الثاني يمكن أن يكون مشروعا ضخما جديدا يعمل بالغاز، والذي أنشأته شركة سيمنز الألمانية، والذي من المقرر أن يضخ 14.4 جيجاوات من الكهرباء في الشبكة بمجرد الانتهاء منه.

وأخيرا، فإن اكتشاف حقل غاز “زهر” العملاق في مياه البحر الأبيض المتوسط في عام 2015 – الذي قيل أنه سيوفر ما يكفي من الغاز إلى مصر على مدى عقود – يمكن أيضا أن يكون له دور في قرار الحكومة بتأجيل خطط محطات الطاقة التي تعمل بالفحم.

وليس من المؤكد بأي حال من الأحوال عما إذا كان سيتم استخدام هذا الغاز الطبيعي المكتشف حديثا لتشغيل صناعة الأسمنت وغيرها من الصناعات كثيفة الطاقة. ووفقا لما ذكره آلان جنتيلز، المدير الفني في شركة أسمنت سيناء، إن عودة الغاز الطبيعي لتشغيل مصانع الأسمنت تعتبر حلما للكثيرين، نظرا لأن تلوثه أقل وله قيمة حرارية جيدة.

وأوضح جنتيلز أنه إذا قررت الحكومة إعادة إدخال إمدادات الغاز الطبيعي للصناعات الأسمنتية، فإنه سيكون دون أي تكلفة لشركات الأسمنت، حيث لن تحتاج سوى إلى إعادة توصيل أنابيب الغاز القديمة.

هذا القرار سيكون مكلفا فقط بالنسبة إلى المحطات الجديدة التي تعمل بالفحم، والتي لن تكون قادرة على العمل بالغاز الطبيعي دون تنفيذ أعمال بنية تحتية كبيرة ومكلفة.

ومن جانبها ذكرت الجيرزاوي أنه إذا كانت الحكومة ستقوم بتصدير الغاز الطبيعي للحصول على العملات الأجنبية فان استخدام الفحم سيستمر. وقالت سارة رفعت، منسق حركة 350 العالم العربي المهتمة بشؤون البيئة والمناخ، أن “تأجيل محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم هو تطور إيجابي وهذا يعني أن هذه المشاريع قد لا تتم”.

المقال من المصدر