في ذكرى الحملة الصليبية السابعة

تحل اليوم ذكرى أسر ملك فرنسا لويس التاسع في مدينة المنصورة بدار ابن لقمان، بعد هزيمة جيوش الحملة الصليبية السابعة في معارك عدة في دمياط وفارسكور والمنصورة على مدى ثلاث سنوات، في نهاية حكم الدولة الأيوبية، وبزوغ نجم دولة المماليك.. لقد كانت الحروب الصليبية على المشرق العربي- والذي يعتقد البعض أنها مازالت مستمرة إلى يومنا هذا- ذات أهداف ومرام عديدة، وعندما بدأت أواخر القرن الحادي عشر، وحتى نهاية القرن الثالث عشر.. ارتكب الصليبيون-هكذا أسموا أنفسهم-  مذابح تجل عن الحصر، وكان ديدنهم السلب والنهب لخيرات البلاد، أما هدفهم المعلن فقد كان تحرير الأرض المقدسة من قبضة المسلمين البرابرة على حد زعمهم.

الحركة الصليبية.. التضليل في المصطلح

لم يقتصر الاشتراك في هذه الحروب على المسيحيين كما هو شائع بل شارك فيها وثنيو سلافيا إلى جانب أرثوذكس روسيا واليونان وتاليا قاتل المغول الوثنيون جيوش المسلمين إلى جوار الأوروبيين أتباع بابا روما.

يقول الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه “ماهية الحروب الصليبية”: ربما لم يعرف التاريخ الإنساني ظاهرة تاريخية حملت مصطلحا مناقضا لحقيقتها مثل الحركة الصليبية، هذا المصطلح المضلل المربك كان نتاج عدد من التطورات التاريخية والمفارقات المدهشة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء”.

لقد كانت الحروب الصليبية عنوانا على الاستخدام الشائن للمعتقد الديني في سبيل تحقيق أهداف دنيئة كالاستيلاء على كنوز الشرق، والتخلص من أعداد كبيرة من البشر الذين صاروا يمثلون عبئا كبيرا على دولهم، نظرا لافتقارهم لأي سمات تؤهلهم لأن يكونوا فاعلين ونافعين لمجتمعاتهم.

الحرب المقدسة بدافع النهب وإبعاد المعارضين

لقد كان في اتخاذ الصليب شعارا لهذه الحملات الإجرامية زراية به، وازدراء للدين المسيحي، وليس بالغريب أن تخرج الدعوات لهذه الحرب غير المقدسة من البابا أوربان الثاني في نوفمبر 1095 عندما عقد مجمعا لرجال الدين في مدينة كليرمونت فران الفرنسية، وكان التبرير الشائع أن ذلك تطبيق “لإرادة الرب” عن طريق الحج إلى الأرض المقدسة للتكفير عن الخطايا،  في ظل الترويج الهائل للأكاذيب عن اضطهاد الحكم الإسلامي للمسيحيين في الأرض المقدسة وضرورة العمل على تحريرهم،  مع التذكير بما حدث لكنيسة القيامة من دمار في 18 أكتوبر عام 1009، بأمر الحاكم بأمر الله. وليس أدل على كذب تلك الدوافع من أن أول المدن التي دمرت على يد الحملة الأولى  كانت مدينة القسطنطينية المسيحية الشرقية، كما أعيد تدميرها مجددا في الحملة الرابعة على أيدي الصليبيين أنفسهم.

كان بابا الكنيسة في روما يرى في تلك الحروب العدوانية منافع عدة أهمها أنها سبيل جيد للتخلص من أعدائه ومعارضيه، كما كانت أسهل الطرق لملء خزائنه، بمجرد منح البركة للناهبين من أمراء الحملات وقادتها، والغريب أن تلك الحروب الوحشية ما زالت تذكر بالخير في عديد من الثقافات الغربية، كما ينظر إليها بإيجابية تتجاوز العمل العسكري إلى أعمال البر والتقوى كإطعام المساكين أو التصدق على الفقراء، وبالقطع فإن أحدا لا ينسى استخدام الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش” لهذا المصطلح  عشية أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، كمسمى لحربه المزمعة على الإرهاب.. كما ترفع المخيلة الأوروبية القادة الذين شاركوا في تلك الحروب إلى مراتب القديسين كما هو الحال مع ريتشارد قلب الأسد في بريطانيا وفريدريك بارباروسا في ألمانيا، ولويس التاسع في فرنسا.

الحرب الصليبية في الذاكرة الإسلامية

بينما تزخر الذاكرة الإسلامية بالعديد من المشاهد المأساوية لمئات من الجرائم التي ارتكبها هؤلاء السفاحون الذين استغلوا بساطة إيمان مئات الآلاف من الأوروبيين في السيطرة على ثروات ومقدرات الشرق، ويمثل القادة المسلمون في تلك الذاكرة في صورة تقترب من الأسطورة، كما يجري تضخيم ما حققه البعض من الإنجازات كما حدث تحديدا مع شخصية كصلاح الدين الأيوبي، الذي يرى كثير من المحققين أنه كان الأكثر تعاطفا مع الصليبيين برغم انتصاره عليهم في حطين، ويبدو البطل بيبرس في وضعية أقل إلى جوار الأيوبي برغم أن ما حققه هذا البطل من انتصارات على الصليبيين وغيرهم يفوق بكثير ما حققه صلاح الدين.

تتابعت تلك الحملات على بلاد المشرق خاصة مصر والشام إلى أن وصلت ست حملات، وفي العام 1248، قاد الملك لويس التاسع الملقب بالتقي الحملة السابعة، وكان السبب المعلن للحملة وقتها أن لويس التاسع يفي بنذر كان قد أخذه على نفسه عندما ألم به مرض شديد، إن هو شفي أن يقوم بشن حملة صليبية على الكفار!

الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع

أعد لويس التاسع حملته بعناية كبيرة وزودها بخيرة الفرسان الفرنسيين والخيول والسلاح وتوجه إلى الشام حيث ما زالت هناك بعض الإمارات والنقاط الصليبية فنزل إلى عكا وبقي بها قليلا استعدادا للهجوم على الديار المصرية التي كانت في هذا الوقت أقوى الممالك الإسلامية  بعد اجتياح التتار الكاسح لديار الإسلام على الجبهة الشرقية، وقرر لويس التاسع أن تكون دمياط هي أولى أهداف الحملة الصليبية، ودمياط عموما كانت محط أنظار كل الحملات الصليبية القادمة من أوروبا على مصر.

كانت مصر والشام في تلك الفترة تحت حكم رجل لم تعرف الدولة الأيوبية له نظيرا في الصلاح والتقوى والعدل والجهاد هو الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان قد استعاد بيت المقدس من الصليبيين بعد أن تنازل عنها أخوه الملك الكامل – قبحه الله- للملك فريدريك الثاني، كما استطاع استرداد دمشق وعسقلان بعد أن أنزل بالصليبيين عدة هزائم.

وكان نجم الدين قد دخل في حرب طويلة مع عمه الملقب بالصالح إسماعيل الذي والى الصليبيين وأدخلهم دمشق مما أضعف كثيرا من قدرة جيوشه القتالية، كما أرهق ميزانية الدولة بنفقات كبيرة، كل ذلك ولأسباب أخرى استطاع لويس التاسع احتلال دمياط، بمئة ألف مقاتل بعد الهجوم عليها بحرا، كما قام هو وجنوده بارتكاب عدة مذابح مروعة بالمدينة بعد فرار الجند ثم حوّل جميع مساجدها العامرة إلى كنائس.

بطولة الملك الصالح نجم الدين أيوب في مواجهة الصليبيين

تحامل نجم الدين على نفسه رغم مرضه الشديد، ودعا المصريين إلى الجهاد، فأتاه الشباب من كل مكان وأقام مدينة المنصورة لتكون معسكرا لقواته في مواجهة عسكر الصلبيين المتحصنين بدمياط.

“تقدم الملك الصليبي نحو المنصورة حيث معسكر المسلمين محاذرا الاقتراب من ضفة فرع دمياط حتى لا يقع في نفس خطأ الحملة الصليبية الخامسة عندما دخل قائدها جان دي بريين في اتجاه خاطئ أفشل الحملة بأسرها، ولكن جماهير المصريين المتطوعين للجهاد ضد الصليبيين أقبلوا بأعداد كبيرة، وذلك لشن حرب عصابات ضد الجيش الصليبي، وقام المصريون ببطولات رائعة وأعمال فدائية في غاية الشجاعة والمكر والطرافة أيضا ضد الصليبيين”.

لكن الأقدار تفجأ بفجيعة وفاة الملك الصالح، وهنا يبرز دور زوجته السيدة “شجر الدر” التي عرفت بذكائها وسعة حيلتها وحزمها ودهائها، وتقرر لزوجة الصالحة أن تخفي خبر وفاة الملك، حتى لا تفت في عضد الجند، وكان قائد الجيوش فخر الدين بن شيخ الشيوخ قد استشهد أيضا فاجتمعت “شجر الدر” بقادة الجيش، واستشارتهم فقرروا جميعا استدعاء توران شاه ابن المالك الصالح من حصن “كيفا” لقيادة الجيوش، وقد حدث.

الانتصار المؤزر للجيش المصري عند فارسكور

وكان لقاء الجيشين عند مدينة “فارسكور” وكانت الغلبة لجيش مصر الذي ألحق هزيمة ساحقة بالفرنسيين الذين اندحروا مخلّفين وراءهم ثلاثين ألفا من القتلى بين ذبيح وغريق، كما خلَّفوا أيضا ملكهم التقي في الأسر هو وأخوه.

“وضع لويس التاسع سجينا في دار ابن لقمان بالمنصورة حتى ينظر توران شاه في أمره وأخذ رداؤه الذي كان يلبسه أثناء القتال وأرسل مع رسول إلى دمشق ليبشر به الناس بالانتصار الكبير على الصليبيين، ودخل المسلمون كنيسة مريم فأقاموا بها فرحا لما علموا بالنصر وكادوا أن يخربوها، وكانت النصارى ببعلبك قد فرحوا حين أخذ الصليبيون دمياط فلما وصلت أخبار هزيمتهم لبسوا السواد وأعلنوا الحداد فأرسل والي البلد إليهم فجمعهم وأوقفهم صفا وأمر يهود البلد أن يصفعوهم ففعلوا” .أرسلت مرجريت زوجة لويس التاسع الملهوفة على زوجها بفدية ضخمة لتوران شاه ليفك أسره فقبل المسلمون ذلك، ودفع لويس التاسع لفدائه هو وعساكره مبلغ عشرة ملايين فرنك، وقد أقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود لحرب المسلمين مرة أخرى، لكنه لم يلزم قسمه، وعاد مجددا إلى الغزو لكنه باء بالفشل وعاد إلى بلاده مجددا يجر أذيال الخيبة