فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة

كنت في السابعة عشرة من عمري، وكنت مغرمًا بالسينما جدًّا، قرأت ذات يوم عن ندوة في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية، يحضرها عدد من كبار المخرجين في ذلك الوقت: يوسف شاهين، عاطف الطيب، محمد خان، فقررت حضورها. كانت الندوة الثانية في البرنامج الثقافي الذي كانت تقيمه الجامعة الأمريكية سنويًّا، ويبدأ في شهر أكتوبر، وينتهي في شهر إبريل من كل عام. لفت نظري أن الندوة الأولى مع مفكر اسمه الدكتور زكي نجيب محمود(1905- 1993)، لم أكن أعرف شيئًا عن هذا المفكر، أول مرة أقرأ اسمه أصلًا، فقررت حضور هذه الندوة من باب الفضول. دخلت القاعة، فوجدتها مكتظة عن آخرها بالبشر، مصريون وعرب وأجانب، وبصعوبة بالغة وجدت مكانًا فى الصفوف الأخيرة. سألت نفسي: من هذا المفكر الذي جعل كل هؤلاء البشر يفترشون الأرض من أجل سماع محاضرته؟ وهل ما سيقوله يستحق كل هذا العناء؟ على ما أذكر كان موضوع الندوة عن “الأصالة والمعاصرة”، القضية الأساسية والمحورية التى أنفق الدكتور زكي نجيب محمود حياته في البحث والكتابة عنها. عرفت ذلك لاحقًا.

لا أظن أنني قد فهمت شيئًا مما قاله المفكر الكبير في هذه الليلة، لحداثة سني وقلة معرفتي حينذاك، لكن ما أذكره جيدًا حالة الانبهار بشخصية الدكتور زكي نجيب محمود التي أصبت بها: عقل منظم، ذهن حاضر، منطق رصين، بلاغة رفيعة، رغم أنه كان قد تجاوز الثمانين. ومن يومها تابعت كل ما يكتبه هذا المفكر الكبير في جريدة الأهرام، مقال كبير على صفحة كاملة كل يوم ثلاثاء. كنت أنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، أفصل صفحة المقال عن باقي الجريدة، وأغلق على نفسي باب الغرفة، وأقرأ المقال برهبة شديدة وكأني أتعبد، وأعيد قراءته مرة ثانية، وأحيانًا ثالثة، حتى أفهم كل المعاني والأفكار التي يقصدها. كتب الدكتور زكي نجيب محمود يقول: “إنني لا أكتب حرفًا فى هذه المساحة الورقية من صحيفة الأهرام، إلا وفي ذهني معنى أتشبث به حتى يظل قائمًا أمام عيني، وهو أن هذه الورقة الممنوحة لقلمي ليست ملكًا لصاحب هذا القلم يكتب عن حياته الخاصة ما يشاء، وإنما هي ملك الشعب الذي هو في حقيقة الأمر مالك الصحيفة. وإذن فلا يجوز لصاحب القلم أن يشغلها، ولا أن يشغل أي جزء منها، بأمور تخصه هو، إلا إذا جاءت أموره الخاصة هذه بمثابة المنظار الذي يمكن للشعب القارئ أن يرى من خلاله ما يجب أن يراه من الشئون العامة”.

كان كاتبًا مبدعًا، ومفكرًا مخلصًا لقضيته ولمشروعه الثقافي. قال عنه الكاتب الكبير عباس محمود العقاد ذات يوم إنه “فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة”،فقد نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية واضحة وبسيطة، وفك أصعب مسائل الفلسفة وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية، واستطاع بكتاباته أن يخرج الفلسفة من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات؛ لتؤدي دورها في الحياة.

وإذا جاز لي أن أجمل فلسفة الدكتور زكي نجيب محمود وفكره في كلمات قليلة، فإني أستطيع أن أقول إن فكره كله كان يدور حول إعلاء شأن العقل والدعوة إلى المنهج العلمي، وذلك وصولًا إلى التقدم. وأحد أهم شروط هذا التقدم هو الاعتقاد الراسخ بأن الحاضر قد هضم الماضي، ثم أضاف جديدًا تلو جديد مما أنتجته السنون، ومعنى ذلك ألا يكون “العصر الذهبي” وراء ظهورنا، بل يكون موضعه الصحيح هو في المستقبل الذي يعمل الناس على بلوغه، ومن هنا يكون التقدم محتويًا على وجوب التغير مع متغيرات الحضارات المتعاقبة، والتطور الذي ينقل الحياة نحو ما هو أعلى. ولا ينفي ذلك أن تجيء قوائم هذا التقدم مستندة إلى تراثنا الذي تركه لنا السلف، على ألا يكون في حياتنا الحاضرة بمثابة النهاية التي نقف عندها، بل يكون بين أيدينا نقطة ابتداء نجاوزها إلى مستلزمات حاضر حي ومستقبل مأمول.

هذه الكلمات الوجيزة استغرقت من مفكرنا الكبير آلاف الصفحات في شرحها والتبشير بها والدعوة إليها، ومر هو في الوصول إليها بأطوار عقلية ونفسية متعاقبة، وخاض من أجلها الكثير من المعارك الفكرية. كان الدكتور زكي نجيب محمود يؤمن بأن الغرب قد حقق التقدم عن طريق العقل والمنهج العلمي، وكان يرى أننا في مصر والوطن العربي يمكن أن ننهض ونحقق التقدم أيضًا، فما الذي يمنع العربي أن يدخل عصره مقتحمًا ميادينه العلمية وغير العلمية، مما قد ثبت نفعه في عملية التقدم الحضاري؟ إن عقيدته الدينية تدفعه دفعًا أن يتفحص ظواهر الكون المحيطة به تفحص مَنْ يريد الكشف عن سرها، وليس تفحص مَنْ يجلس بين جدران بيته يحملق في الفراغ الذي حوله.

على أن اقتحامنا لميادين العلم الطبيعي لن يتم لنا على الصورة المطلوبة إذا اكتفى علماؤنا – كما هم يكتفون الآن – بالأخذ عن الغرب علومه، بعد أن تتحقق في كتاب أو في جهاز؛ لأننا في هذه الحالة ملزمون أن ننتظر حتى يفرغ الغرب من إبداع ما يبدعه، ثم نرسل في طلبه، ومعنى ذلك أن نكون دائمًا وراءه بخطوة على أحسن الفروض. وإذن فالمطلوب منا هو أن يواجه علماؤنا ظواهر الكون المراد بحثها واستخراج قوانينها، فيشاركون في إبداع العلم مع مبدعيه، والخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها في هذا السبيل هي أن نبث في شباب جامعاتنا ومعاهدنا روح المنهج العلمي، وألا نقنع بالمادة العلمية التي أنتجها منتجوها عن طريق استخدامهم لهذا المنهج. لكن هذا المطلب الصعب لن يتحقق من تلقاء نفسه لمجرد أننا نريده ونتمناه، على حد تعبير مفكرنا الكبير، بل لا بد من عمليات فكرية عميقة من القادرين عليها، تتناول حياتنا الثقافية بالتحليل الدقيق لنرى بوضوح أين نحن، وأين نود أن نكون.

إن همومنا الحضارية والثقافية كثيرة وكذلك منجزاتنا وأمجادنا كثيرة، فكيف السبيل إلى جمع عناصر القوة في كياننا ورؤانا، مع التخلص من عوامل الضعف في ذلك الكيان وهذه الرؤى؛ لينشأ لنا العربي العصري الجديد؟ هذا هو السؤال الذي حاول الدكتور زكي نجيب محمود بكل حياته الفكرية أن يجد له الجواب.