شم النسيم.. موروثات فرعونية ومناسبات دينية

يعد الاحتفال بشم النسيم أحد العادات القديمة التي ورثناها عبر الأجيال من قدماء المصريين، الذين كانوا يحتفلون بهذا اليوم في الهواء الطلق، وسط المتنزهات، ويقبلون على تناول الأسماك وتلوين البيض، وارتبط الاحتفال ببعض المعتقدات الدينية عند الفراعنة وعند الديانات المسيحية واليهودية.

“شمو” انبعاث الحياة

قبل خمسة آلاف عام، احتفل الفراعنة أواخر الأسرة الثالثة، وتحديدا عام 2700 ق.م، في يوم 17 أبريل من كل عام بعيد “بعث الحياة” اعتقادًا منهم بأن هذا اليوم أول الزمان أو بداية خلق العالم كما تصوروا، وكان يطلقون عليه “شمو”، وهي كلمة هيروغليفية قديمة، وحرف الاسم على مدار السنوات إلى “شم”، وأضيفت إليه كلمة النسيم لارتباط هذا التوقيت باعتدال الطقس، لكن بعض المؤرخين أكدوا أن الاحتفال بهذا اليوم كان يقام بمدينة هليوبوليس “أون” قبل الأسرات، وارتبط الاحتفال بحدوث عدد من الظواهر الفلكية، منها الانقلاب الربيعي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس.

مظاهر الاحتفال عند الفراعنة

في هذا اليوم من كل عام، كان يجتمع القدماء المصريون أمام الواجهة الشمالية للهرم لمشاهدة منظر الغروب، ليظهر قرص الشمس وهو يميل نحو الغروب تدريجياً، فكان قرص الشمس يجلس فوق قمة الهرم وأشعة منشطرة حول الهرم.

ولازالت هذه الظاهرة تحدث حتى اليوم، لكن في شهر مارس بالتحديد يوم 21 فى الدقائق الأخيرة التي تسبق غروب الشمس، وفي عام 1920، تمكن العالم الفلكي البريطاني بركتور، من تصوير لحظة انشطار أشعة الشمس على واجهة الهرم، ليسجل رصدًا لهذه الحالة، كما استطاع العالم الفرنسي أندريه بوشان، أيضاً، من تسجيل الظاهرة باستخدام الأشعة تحت الحمراء عام 1934م.

تلوين البيض وتمليح الأسماك

اعتادت البيوت المصرية في هذه المناسبة، تتزين سفرتها بأشكال البيض المختلفة والمنقوشة بالألوان والرسومات، بالإضافة إلى تناول الأسماك المملحة، وتوارث الأجيال هذه الطقوس من الفراعنة، كما يظهر في النقوش على المعابد والبرديات، حيث كان يقبلون على تسجيل أمنياتهم للعام الجديد من خلال نقوش على البيض، ووضعها في سلة ممتلئة بالزهور.

وقال المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد “الفراعنة كانوا يقبلون على تناول الأسماك المملحة والخضروات خاصة البصل الأخضر، كما كانوا يقومون بتعليقه حول رقبتهم”، فيما أوضحت إحدى البرديات أن الرجل كان يستيقظ ويهدي زوجته زهرة اللوتس، ثم يخرج في رحلة بالمنتزهات بصحبة عائلته، حاملين معهم أدوات الصيد للاستمتاع بالربيع، وصيد الأسماك والطيور.

وكانوا يحملون الزهور، وتقام حفلات الرقص والأناشيد الخاصة بهذا العيد “متع نفسك ما دمت حيًّا ودع العطر على رأسك، والبس الكتان الجميل، ودلك يدك بالروائح الذكية المقدسة، وأكثر من المسرات، ولا تدع الأحزان تصل إلى قلبك”، وارتبط مع الفراعنة تناول البصل لأنه كان يمثل عندهم قاهر الموت، ومن عاداتهم أيضاً تعليق البصل فى المنازل وعلى الشرفات، وأيضاً نبات عب (الخس) باعتباره من النباتات المقدسة، فنجد صوره تحت أقدام إله التناسل عندهم.

عيد الفصح في اليهودية

لايزال اليهود يحتفلون بهذا اليوم نقلا عن القدماء المصريين، حيث شاهدوا طقوسه قبل خروجهم من مصر في عهد سيدنا موسى، والذي تزامن مع احتفالات الفراعنة بيوم “شمو”، واتخذه اليهود عيدًا لهم، وهو أيضاً رأسًا للسنة العبرية، وسمي  بـ”عيد الفِصْح” وهي كلمة عبرية تعني الخروج، واحتفالاً ببداية حياتهم الجديدة بعد خروجهم من مصر.

.. و”القيامة” في المسيحية

في 17 أبريل من كل عام، ينتهي الصوم الكبير الذي يستمر 55 يوما، كما ينتهي أسبوع الآلام، وجاء الاحتفال بعيد القيامة موافقًا ليوم شم النسيم عند المصريين، فكان المسيحيون يحتفلون بعيدهم يوم الأحد، ويلي ذلك احتفالات القدماء، وارتبط العيدان معاً لما كان تناول السمك ممنوع على المسيحين خلال الصوم الكبير، وأكل السمك كان من مظاهر الاحتفال بشم النسيم، فتقرر نقل الاحتفال به إلى ما بعد عيد القيامة مباشرة.

موروثات في الإسلام

لا يمثل هذا اليوم عند المسلمين ارتباطاً ديناً، فقط مجرد انتقال الموروثات والمعتقدات عبر الأزمان، ولاتزال الطقوس التي أجرها الفراعنة هي مايتم تداولها حتى عصرنا هذا من مظاهر الاحتفال الأطعمة المتناولة والخروج إلى المتنزهات، حيث ذكر المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين، عام 1834م عقب زيارته لمصر أثناء هذه الاحتفالات “يُبَكِّرون بالذهاب إلى الريف المجاور، راكبين أو راجلين، أو يتنزهون في النيل، ويتجهون إلى الشمال على العموم؛ ليتَنَسَّموا النسيم، أو كما يقولون ليشموا النسيم، وهم يعتقدون أن النسيم – في ذلك اليوم- ذو تأثير مفيد، ويتناول أكثرهم الغذاء في الريف أو في النيل”.