سياسات ترامب الإقليمية

تولي ترامب لمنصب رئاسة الولايات المتحدة قد آثار أسئلة مهمة في أوساط النخب السياسية شغلت أذهان الكثيرين من المحللين بما في ذلك: أيمكن لترامب أن يحدث تغييرات جوهرية في أولويات الولايات المتحدة وسياساتها الكلية؟ هل تغيير مواقف الولايات المتحدة يعني إيجاد فرص للبلدان الأخرى في استخدام الحقول الناشئة عن هذا التغيير للتأثير على سياسات الولايات المتحدة ومناهجها الاستراتيجية؟.

طبعا سيجيب محللو العلوم والدراسات الاستراتيجية على هذين السؤالين بـ”لا”، إذ إنه لا يمكن لترامب التخلي عن النظام الحاكم Establishment) ) أو كما يسميه السياسيون بالحاكمية العميقة (Deep state)، كما أنه أمر غير مرغوب فيه لأن ترامب ـ كما يبدو للوهلة الأولى ـ تبنى العديد من المبادئ والأمهات السياسية للخارجية الأمريكية، حيث لم تبدر منه أي بادرة تشير إلى تناقض جذري مع هذه المبادئ، وأما في ما يخص القضايا التكتيكية يمكننا القول إن ترامب سيدركها شيئا فشيئا، كما أكدت صحيفة غلوبال تايمز، في مجمل دراستها عن سياسات ترامب الخارجية، أن ترامب (وبالتأكد ببراجماتيته) سيتقبل خبرات الولايات المتحدة في مجال السياسة الخارجية والمتراكمة في أكثر من نصف قرن على الصعيد العالمي كما تقبلها الرؤساء السابقون قبله. وهذه المدة القصيرة التي مضت على تصدي ترامب لمنصب الرئاسة دليل على ما أسلفناه.

بناء على هذه الشواهد يمكننا القول إنه لم تتحول أي من المكونات المعرفية الضخمة في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ لم تتغير رؤية الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فهل اهتمامها وتركيزها على قضية الثورة في الصين هي قضية جديدة؟ طبعا لا، إذ تصرح الوثائق الاستراتيجية للولايات المتحدة بهذا الموضوع كوثيقة الأمن القومي (NSS) ووثيقة الدفاع (QDR) ووثيقة توقعات مجلس الاستخبارات الوطني للاتجاهات العالمية) (NIC-Global Trend .

والسؤال التالي الذي يمكن طرحه هنا: هل هناك تغيير في رؤية الولايات المتحدة حول إيران وكوريا الشمالية؟ وهل ترامب قادر على حل الخلافات مع روسيا؟ إن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تعتبر هذه الدول الثلاث تهديدا يعرض أمنها القومي والإقليمي للخطر، كما أن خلافاتها مع هذه الدول وخاصة روسيا مازالت قائمة حول قضايا كثيرة، منها الدرع الدفاعي الصاروخي التابع لروسيا، وقضية مغادرة قوات الحلف الشمال الأطلسي لمنطقة الشرق الأوسط، وقضية شبه جزيرة كريمة واسترجاعها لدولة أوكرانيا، واسترجاع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لجورجيا، والعديد من القضايا الأخرى التي تحولت إلى خلافات جوهرية مع روسيا.

والواضح أن ترامب برؤيته الواقعية وامتثاله لسياسات الولايات المتحدة السابقة وتأثره من مدرسة أندرو جاكسون، رئيس الولايات المتحدة السابق(1829-1837) يقوم بتعزيز القوات والتقنيات العسكرية وزيادة ميزانياتها لتحقيق مشروع تسخير إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية. كما أن استخدامه لنظرية الرجل المجنون (Mad Man Theory) لا تكون إلا إحدى ألاعيبه الحكيمة لخداع الخصم وتشويشه والإخلال في خططه. نرى بوضوح تام أن المتطلبات الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية لم تتغير، إذ أصبح لدى شركائها في المنطقة كتركيا والمملكة العربية السعودية وإسرائيل فصول اشتراك عديدة ليقوموا بائتلافهم الجديد ودعم أمريكي بأداء دور نشط في منطقة الشرق الأوسط.

* باحثة دكتوراه في العلوم السياسية بجامعة السوربون