رحلة مولانا الملك المعظم

الأديب الكبير يحيى حقي (1905- 1992) ليس كاتبًا ساخرًا من نوع الكتاب الذين يسبق أسماءهم عادة عبارة “الكاتب الساخر”، فهو لا يحترف السخرية أو الفكاهة، ولكنها تنبع عنده بشكل طبيعي لا تكلف فيه. نجدها بوضوح في أعمال مثل: “خليها على اللـه”، و”كناسة الدكان”، و”فكرة فابتسامة”، ولكنها متناثرة أيضًا بشكل تلقائي في بقية أعماله الجادة، فنجدها في رواياته ومجموعاته القصصية وكتاباته التاريخية والثقافية والنقدية التى أحبها القراء، وتعلم منها الأدباء، مثل: “قنديل أم هاشم”، و”دماء وطين”، و”صفحات من تاريخ مصر”، و”هموم ثقافية”، و”عشق الكلمة”، وغيرها. فيحيى حقي كان كاتبًا شاملًا لا يقتصر نشاطه الإبداعي على نوع واحد بعينه، ولكن أعماله تكمل بعضها بعضًا، بما تهدف إليه في مجملها من إشاعة القيم الإنسانية في الأدب وفي الحياة. والسخرية عند يحيى حقي تحرك داخل القارئ شيئًا من القلق، وترده بعد الابتسام أو الضحك إلى ذلك النوع من الحزن النبيل الذي يسمى بالشجن، وهو شيء لا نجده إلا عند عباقرة كتاب الفكاهة مثل الجاحظ أو موليير.

في أجمل فصول كتابه الممتع “خليها على اللـه”، وسط كل الحكايات الضاحكة عن الصعيد وعاداته، وعن المجاذيب وأدعياء الكرامات، وعن مدرسة تعليم الحمير المشي وطبقات الحمير وسلوكها، يحكي يحيى حقي بقلمه الرقيق واقعة حقيقية في غاية الطرافة، تبدأ بوصول خبر من المديرية عن اعتزام الملك فؤاد القيام رحلة إلى الصعيد، ومع أن برنامج الرحلة يؤكد أن القطار لن يقف في محطة منفلوط، إلا أن المأمور رأى أنه من الضروري أن تقام الزينات، وأن يصطف على رصيف المحطة أكبر عدد من أعيان المركز وأهله، فلربما راق للملك في لحظة نحس أن يطل من الشباك والقطار يمر أمام محطة منفلوط، فإذا رآها خالية من الناس سأل عن اسمها واسم مأمورها. أليس من المعقول بعد ذلك أن يأمر برفده؟

أما الزينات فأمرها سهل. كانت المحافظات والمديريات والمراكز في ذلك العهد تنافس محال الفراشة في حيازتهم لعتاد ضخم من الرايات والأعلام والمصابيح الملونة وغير الملونة. وكانت الدولة أكبر مالك ومورد لمعالم الأفراح. وكان بمحافظة القاهرة لجنة أعضاؤها من كبار الأعيان اسمها “لجنة الاحتفالات باستقبال حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم”. وكان في مركز منفلوط نصيب ضخم من هذه الزينة ينفض عنه التراب في مثل تلك المناسبات الملكية.

وبعد أن ازدانت محطة القطار بالأعلام، وسطعت بالأنوار، وبعد أن اتخذ أعيان المركز أماكنهم على رصيف المحطة، وتم تجنيد أهالي المركز وتلاميذ المدارس مع مدرسيهم من مطلع الفجر، رغم أن مرور الطلعة البهية الملكية سيكون في عز الظهر، استراح المأمور وتنفس الصعداء، وهدأت الرعشة، ولكن الفرحة لم تتم. إذ همس له كبير الخفر بخبث أن الصحف تذكر دائمًا في وصف استقبال جلالة الملك انطلاق الزغاريد، وأن القطار الملكي سيستقبل عند مروره بمحطة ملوي، ويشيع بالزغاريد.

يا خبر أسود. امتقع وجه المأمور، من أين له بهذه الزغاريد؟ إنها موهبة اختصت بها النساء دون الرجال. ولن تقبل امرأة واحدة من أهل البندر أن تخرج للمحطة وتزغرد، ولو لجلالة الملك. أعمل المأمور فكره طويلًا، واستشار معاون البوليس، وأخيرًا لمعت فكرة بديعة، فمن حسن الحظ أن مركز منفلوط به نقطة مومسات، فلماذا لا يحسن التصرف ويجند بلباقة وبدون ضجة مومسات النقطة للوقوف على رصيف المحطة، بعيدًا عن الجميع، لن يشعر بهن أحد، وسيظل الأمر سرًّا مكتومًا، وبذلك يضمن انطلاق الزغاريد.

ولأول مرة في تاريخ هؤلاء المومسات أصبح كلام المركز لهن رجاء لا زجرًا. وسارت المومسات في الطريق إلى المحطة، وعلى وجه كل منهن ابتسامة جمعت بين فرحة الخروج للنزهة في يوم عطلة رسمية من وجع الشغل، وبين الزهو بمكانة جاءت على غير انتظار، إلا أنها كانت ابتسامة تخفي شيئًا من الخجل، نعم الخجل، وليس من العجيب أن تخجل المومس، خجل لمشاركتهن في لعبة زائفة، وللهوان الذي هبط إليه المأمور بجلالة قدره، وإن كان في هذا الهوان رفعة لهن.

وقبيل الموعد المحدد حين شارف التوتر أن يبلغ ذروته، ولسبب غير معلوم، ساد الهرج والمرج، واختلط الواقفون من أعيان ومومسات بعضهم ببعض. فهذا رجل طيب يقف وسط شلة من المومسات يضحك ببلاهة، وهذه مومس تشق الصفوف وتنطبق عليها حلقة من كبار الأعيان. وهاج المأمور فجأة، لقد باظ الترتيب، وأفلت الزمام، وانكشف السر، واختلط الأمر، ولم يعد يضمن انتظام الصفوف ولا انبعاث الزغاريد. فإذا به يشد قامته كأنه قائد في ميدان يصرخ صرخة حرب، ويلوح بيده اليمنى مشيرًا لليمين وبيده اليسرى مشيرًا لليسار، ويزعق بأعلى صوته: “الأعيان هنا، والمومسات هنا”. وبعد قليل مر القطار الملكي أمام المحطة بسرعة كبيرة، مغلقًا شيش النوافذ كلها، وانطلقت الزغاريد، وعلت الهتافات بحياة جلالة الملك، وانصرف الجميع وقفاهم “يقمر عيش”.

صدق الناقد الذي قال إن الكوميديا الحقة أشد حزنًا من التراجيديا أو المأساة، لأنها تجعل الإنسان يضحك من نقائص البشر العاديين أمثاله، ومن هنا فهي لا تطهر ولا تريح كما تفعل التراجيديا، بل ترسخ الشعور بالذنب والتقصير، وربما تدفع الإنسان إلى أن يكون أفضل.